"أنا أجمع كرامتي ولُقمة عيشي من قمامة الشوارع، خوفًا من أن يمدّ أولادي أيديهم فيها"، بهذه العبارة ردّ أكرم، جامع علب بلاستيكية، على سؤالنا له عن سبب جمعه لعلب البلاستيك في الشوارع ليلاً، رغم هندامه ونظافة ملابسه وكبر سنه وثقافته، لكن يبدو أنّ الحاجة الملحّة أجبرته على الخروج خفية عن الناس في الليل مع الأجواء المتقلبة، لجمع ما يمكنه من تقديم وجبة لأسرته، في ظلّ غياب تام لآليات دعم وحماية هذه الفئات التي تعتمد على الاقتصاد البيئي في مديرية القاهرة - تعز.

في محافظة تعز، مجتمع يعاني من ظروفٍ شديدة التقلب والقسوة، إثر الصراع المستمر في اليمن، أظهرت تغيّرات طارئة وإجبارية على التركيبة المجتمعية، نتج عنها سحق لفئات ذات مستويات اقتصادية متفاوتة، اعتُبِرت فيما مضى ذات مستوى اقتصادي متوسّط، ما أظهر فئات هشّة تعتمد على الاقتصاد البيئي الدائري وإدارة النفايات، وهو اقتصاد يافع في اليمن، يعتمد فيه الأفراد على جمع وفرز النفايات الخفيفة، وبيعها بالكيلو مقابل الحدّ الأدنى من الأجور. ولا يراعي خصوصيات النوع الاجتماعي وذوي الاحتياجات الخاصة والمعاقين، إلا أنه أصبح مصدر الدخل الوحيد لكثير من العائلات الأشد هشاشة، لتأمين الحدّ الأدنى من احتياجات الحياة، ولا يقتصر هذا الحال على طبقة اجتماعية مهمّشة، أو أصحاب مهن محدّدة، بل على الفئات الهشة كافة.
عرّف روبرت موجه المجتمع الهشّ بأنه ذلك الذي يعاني من ضعف التضامن المتبادل فيما بين الأفراد والجماعات، ويظهر هذا الضعف في تفاقم صور عدم المساواة أو الاستبعاد الاجتماعي وفقدان الثقة، ونشوب الصراعات القائمة على أسس التمييز الاجتماعي المختلفة¹. ينطبق هذا التعريف على المجتمع المحلّي في مديرية القاهرة؛ إذ تُحدد الأوتشا الفئات الهشّة في المديرية بما يقارب 45,555 نازحًا يعيشون في أحياء مكتظّة، كما يصل عدد المهمشين في المديرية إلى 865 فردا، إلى جانب الأطفال خارج المدرسة الذين يصل عددهم إلى 338 طالبا وطالبة، بالإضافة للنساء المعيلات لأسرهن، والأشخاص ذوي الإعاقة، وكبار السن ممن يفتقرون إلى مصادر دخل ثابتة، ويفتقرون لجميع آليات الدعم والحماية، أي أنهم يشكلون أكثر من 30% من أصل التعداد السكاني بالمديرية الذي يقدر بـ226,509 نسمة².
ويمكن تعريف الفئات الهشة التي تعتمد على الاقتصاد البيئي بأنها: تلك الفئات التي تعاني من ضعف التضامن المتبادل فيما بين الأفراد والجماعات الذين يرتكنون على الفرص المحدودة، ذات الأجر الزهيد، في مجالات الاقتصاد البيئي البدائية أو الاقتصاد الخطي، مثل تجميع النفايات الخفيفة وبيعها والمشاركة في أنشطة بيئية موفّرة للحد الأدنى من الأجر، مثل التنظيف وفرز النفايات، بهدف مواجهة الفقر والتكيف مع الظروف الاقتصادية³.
يؤكد أ. فتح العامري، باحث في الشؤون الإنسانية، بأن المعالجة الفاعلة تأتي عبر إنشاء آلية تنسيق محلية للحماية بقيادة السلطة المحلية، وتحديث قاعدة بيانات دقيقة للفئات الهشّة وربطها بالتدخلات، وتوسيع برامج التحويلات النقدية متعدّدة الأغراض، إلى جانب دعم مشاريع المياه المستدامة للأحياء الأكثر هشاشة. بالإضافة إلى أن تعزيز قدرات منظمات المجتمع المدني المحلية، وتبنّي نهج يربط بين العمل الإنساني والتنمية والاستقرار أصبح ضرورة ملحّة لضمان استجابة أكثر استدامة اليوم بعد أن أنهكت الحرب كاهل اليمنيين، وسحقت على طريقها ملايين الأسر ذات مستوى الدخل المتوسط، وصيّرت المجتمع طبقتين: أعلى درجات الغنى، وأدنى درجات الفقر، في غياب تامّ لأي دور استراتيجي لمؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني، لتفعيل آليات الدعم والحماية الاجتماعية، وإنقاذ هذه الفئات المحطمة من صلف الظروف ومرارة العيش.
¹ روبرت موجه - Robert Muggah - The Fragile city Arrives, Op. Cit.
² بيانات الأوتشا في محافظة تعز - اليمن.
³ من صحفيين في ورشة عمل.

