لوهلة تذكّرت صدى صوت جدتي وهي تردّد مهجلًا شعبيًا مليئا بالتعليمات والنصائح:
وا قلبي لا تهوى المُلَفلف
مثلما زرع الطَّرَف
زرع الطرف لا ينسفه المنسف
ولا يقضي السلف
أتذكر أنّني سألتها يومها: ما زرع الطرف؟ فقالت: إنّه الزرع الذي ينبت في أطراف الحقل من دون أن يكون متّصلا بباقي الزرع، فلا تصل إليه المياه جيدًا، ولا ينتج سنابل جيدة كبقية الحقل، ولهذا فلا فائدة منه، موضّحة أنّ القصد هو أن لا تتعلّق بشخص يحاول أن يكون خارجًا عن صف المجتمع كله، فلن يكون مفيدًا لك، ولن تكسب من علاقة كهذه إلا الأذى. وهذا مهجل واحد فقط من مهاجل عدّة كانت ترسم مقاييس العلاقات الاجتماعية، يعبّر الناس بها عن رفضهم للشقاق والانفصال عن مجتمعهم وسياقهم في زمنهم ذلك.

لسنوات طويلة، كانت المهاجل رفيقة اليمنيين، تنوّعت بتنوّع مهامهم، وتشكّلت بقيم اجتماعية إيجابية، فكانت كلماتها دروسًا كاملة في تعزيز قيم التسامح والتآخي والتكاتف المجتمعي. وفي زمننا الحالي، هدمت الحرب الثقافة، مزّقت النسيج المجتمعي، وأخمدت ملالاة المزارعات ومهاجل الفلاحين التي ظلّت الحقول تردّد صداها لأزمنة عدّة.
وفي تقديري، تمثّل المهاجل الزراعية اليوم وساطة ثقافية صامتة تتفوّق في أثرها على كلّ المبادرات الرسمية، فهي تفرض نوعًا من الانسجام النفسي الذي يُذيب الخصومات الشخصية أمام جلال العمل المشترك. وقد رأينا في السنوات الماضية كيف كان اليمنيون يحتفون بالملالة الحديثة، وينشر بعضهم تسجيلات قديمة لمهاجل شعبية ذات معانٍ عميقة.
في الحقول الزراعية، كان الناس يتبادلون المحبّة ويردّدون معًا مهاجلهم الشعبية التي تحتوي كلماتها على كثير من القيم وتعزّز التكاتف المجتمعي، وتربط قلوب المزارعين بعضها ببعض، كأنّهم لم يزرعوا المحاصيل وحسب، بل زرعوا التعاون فيما بينهم أيضًا، لكن الحرب عطّلت كلّ شيء، فأصبح التعاون صفة نادرة الوجود بفعل التأثيرات المباشرة للحرب على مواقف المزارعين بعضهم من بعض. سكتت المهاجل وعلا دويّ المدافع، وزمجرت النفوس فاختفى الودّ. يقول الحاج سعيد، أحد كبار المزارعين في ريف تعز: "يا بنتي، المهاجل ما كانت مواويل وزغاريد، كانت الرافعة التي تُزيح عنا ثقل التعب. أما اليوم، فكلّ مزارع انشغل بذاته، فاستحال الحمل ثقيلًا والقلوب متباعدة".
غياب اللحن الجماعي الذي مثّلته المهاجل الشعبية تعبير واضح عن فقدان الأمان المعنوي الذي كان يوفره المجتمع بعضه لبعض. فحين يتوقّف المزارعون عن الغناء معًا، يبدأ التباعد النفسي الذي يمهّد الطريق لنشوء النزاعات الفردية، مما يجعل إحياء المهاجل ضرورة لإعادة بناء جسور الثقة المهدّمة، كوسيلة تواصل تقليدية استخدمها المزارعون للتحية بينهم في حقولهم المتجاورة والتعاون على الأعمال الزراعية الثقيلة باللحن الشجيّ وتبادل النصائح والمشاعر.
يتجلّى هذا بوضوح في مهجل شعبي آخر سمعته من فيديو قديم نشره صديق لا يحضرني اسمه الآن:
إذا مرادك من مرادي نجمع الشور واحدي
إذا مرادك بالبخاشيش روح أيام الجهيش
إذا مرادك وانت باني للغمر لاقيتني
وهو مهجل يذكرنا كيف كان المجتمع يؤمن بالعمل الجماعي والتعاون لتحقيق الأهداف، فهذا المهجل يربط الوجود بالآخر، كأنّ الهدف لن يتحقق إلا بتعاون الطرفين، وهو ما يتّسق مع المثل الشعبي الشهير "يد واحدة ما تصفق".
ومن الملاحظات المهمّة أنّ المهاجل قائمة بطبيعتها على المجاوبة (صوت ويرد عليه صوت آخر)، وهو ما يفسّر نجاح اللحن في كسر الجمود، فالمزارع الذي يجد نفسه مضطرًا لإجابة لحن جاره، يبدأ فعليًا في أولى خطوات التصالح الداخلي، حيث يعمل الإيقاع منظّفا للضغائن دون الحاجة لتدخل طرف ثالث.
أما على مستوى الممارسة الميدانية، فإنني أؤمن بأنّ الربط بين الأرض واللحن هو المدخل الأذكى لتحقيق سلم مستدام ينبع من الهوية، فالمهاجل هي القوة الناعمة التي تحوّل التراث من مجرد ذكرى إلى فعلِ صلحٍ ملموس. ويُشير المزارع عبده ناصر إلى هذا الأثر بقوله: "كُنّا زمان نجمع الخصوم في عونة حراثة، ومع أوّل مهجل تبدؤه الجماعة تضيع الخصومة وسط اللحن. المهجل يجعلك تخجل من خصمك وأنت تردّ عليه بصوتك تحت شمس واحدة". وتعليقًا على هذا، نجد أنّ الخجل الذي ذكره العمّ ناصر هو في الحقيقة الوازع الاجتماعي والرقابة القيمية التي يعيد المهجل إحياءها، فالتراث هنا يعمل كقوة ضاغطة ومصحّحة للسلوك الإنساني، مما يثبت أنّ استعادة هذه الأصوات هي استعادة لكرامة المجتمع وقدرته على التعايش.
ختاماً، السلام في ريف تعز لن يُحقّق بصيغ جافة ما لم يُعزز بلحنه الأصيل الذي يلامس وجدان الإنسان البسيط، فالمهاجل هي الروح التي تحرّك الجسد المجتمعي، وتوثيقها هو الخطوة الأولى لاستعادة قرى متماسكة وآمنة. وكما تقول الحكمة اليمانية الخالدة: "مَن ضيع أصله، تاه في دربه"، فإنّ التمسّك بأصل المهجل هو البوصلة التي ستحمي مجتمعنا من التيه وتفكّك نسيجه المجتمعي، وهي وسيلة لحشد التعاون وتعزيز التكاتف وتناقل القيم، بل إنّها وسيلتنا الأقوى لترميم ما انكسر، وإثبات أنّ صوت السواعد حين يتّحد، يكون دائمًا أقوى من أي نداء للفُرقة.

