تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

بعد رحيل هادي: كيف سيؤرخ له اليمنيين؟

كيف ستكتب ذاكرة اليمنيين سيرة هادي؟

في الساعات الأولى من خبر رحيل الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، حدث ما يحدث غالبًا حين يموت رجلٌ ظلّ في حياته، موضع انقسامٍ عميق. تبعثرت الآراء وتوزعت وتباينت، وانقسمت الشاشات والمنشورات كما انقسمت السياسة من قبل. فعلى صفحته على الفيسبوك وصف أحد الكتّاب اليمنيين الخبر بأنه صاعقة شقت سماء الروح، وعلى صفحةٍ مجاورة كتب آخر أن أحداً لن يخسر شيئاً برحيله. الرجل واحد، غير أن الصورة التي ظهرت لم تكن صورةً واحدة. كان ثمة مشيرٌ مناضل خُذِل وحُمِّل ما لا يطيق، ورئيس انتقالي مرّ عبر صندوق اقتراع توافقي بمرشح واحد في لحظةٍ استثنائية. وكان ثمة "رئيس شرعي" نجا بسيادة بلده من توقيعاتٍ كانت ستهلكه، وكان ثمة "عبد ربه مركوز فاضي" جاءت به الصدفة ليبدّد دعماً دولياً وإقليمياً غير مسبوق لم يحظَ بمثله رئيسٌ في الشرق الأوسط، وكان ثمة متآمرٌ معجونٌ بالحقد تفاخر بتمزيق البلاد.

رجلٌ واحد، وجوهٌ كثيرة

أربعة رجال على الأقل، يحملون اسمًا واحدًا، ويُدفنون في قبرٍ واحد بالرياض. لم يكن الخلاف، إذن، حول رجلٍ واحد فحسب، بل حول مرحلة كاملة من تاريخ اليمن: هل كان هادي عنوانًا لانهيار الدولة، أم شاهدًا على انهيارٍ بدأ قبله، وتجاوزه، وانتهى بابتلاعه؟ والسؤال الذي يلحّ على المؤرّخ ليس أيُّ هؤلاء الأربعة هو الحقيقي؟ إذ قد لا تكتمل تلك الإجابة لأجيال. السؤال الأكثر أهمية، هو: حين تهدأ الأصوات وتُفتح الأدراج، كيف ستُكتب سيرة رجلٍ لم يتفق معاصروه حتى على ملامح وجهه؟

لا تدّعي هذه المقالة أنها تكتب تأريخ سيرة الرئيس الراحل هادي، ولا أنها تقدّم توثيقاً على تجربته. فمثل هذا الحكم يحتاج إلى أرشيفاتٍ مفتوحة، ووثائق دولة، وشهادات فاعلين، وقراءة أوسع لسياقات محلية وإقليمية ودولية. ما تحاوله هذه المقالة أضيق من ذلك وهي: قراءة المسودة الأولى لذاكرة اليمنيين والتي ظهرت في منشوراتٍ وتعليقاتٍ وشهاداتٍ متباينة كُتبت في الأيام الأولى من وفاته ومعرفة كيف سيؤرخ له؟

هذه المنشورات لا تمثل بالضرورة الرأي العام اليمني كله، ولا تكفي وحدها لبناء سيرة سياسية مكتملة، لكنها تكشف شيئًا مهمًا وهو: أن هادي -حيًّا وميتًا- صار مرآةً لانقسامات اليمنيين حول ما جرى لهم. فكل فريقٍ يرى فيه ما يريد إثباته عن الحرب، والدولة، والشرعية، والوحدة، والخيانة، والعجز، والتدخل الخارجي.

وقد يظنّ بعضهم أن الاستناد إلى منصات التواصل عيبٌ منهجي، لكن الحقيقة أن هذه النصوص الانفعالية تمثل "المسوّدة الأولى" للذاكرة الشعبية. لذا، فإنّ مَهمة من يقرأها اليوم ليست استخراج الحقيقة التاريخية الخالصة منها، بل فهم كيف يُصنع التاريخ الجمعي، أو كيف يستحيل صنعه، حول رجلٍ بات يختزل في شخصه مآسي اليمنيين وانقساماتهم.

تقدم هذه المقالة ثلاثة مداخل. الأول يقرأ لحظة الرحيل باعتبارها لحظة صراعٍ على الرواية. والثاني يتوقف عند عبارةٍ تحولت إلى وشمٍ سياسي في سيرته. أما الثالث فيعيد طرح السؤال الأوسع: هل نكتب تاريخ الانهيار من خلال هادي، أم من خلال البنية التي جعلت هادي عاجزًا، أو كشفت عجزه، أو استخدمته واجهةً لانهيارٍ أوسع؟

عند الرحيل تبدأ معركة الذاكرة

ثمة قاعدةٌ تعرفها دراسات الذاكرة؛ فحين يموت الزعماء تبدأ معركة الروايات فالكل يريد من الجميع تصديق روايته عن أداء الرئيس / الزعيم /القائد. وما جرى بعد رحيل هادي كان تجسيدًا لهذه القاعدة. التقط أحد الكتّاب المشهد بدقّةٍ حين قال إن اليمنيين، عند رحيل كل رمز، ينقسمون ثلاثاً: مجموعةٌ تبكي وتقنعنا أننا خسرنا شخصيةً فذّة، ومجموعةٌ تلعن الحقبة وصنّاعها، ومجموعةٌ ثالثة تبتسم بمرارة.[1]وما كُتب عن هادي في الأيام الأولى من رحيله يوضح ذلك بجلاء. لم يكن هناك رثاء واحد، ولا إدانة واحدة، بل طبقات متداخلة من الرثاء والغضب، والسخرية، والشهادة، والاتهام.

ولفهم هذا الاستقطاب، تجدر الإشارة إلى أن لكل جبهةٍ منطقها الذي يكشف عن نفسه. في جبهة الرثاء، يُستدعى رجل دولةٍ مظلوم صُنعت حوله صورةٌ مشوّهة. فكلما اشتدّ التشويه في الحياة، اشتدّت التبرئة عند الممات. الرثاء فعلٌ تأريخيٌّ مضاد، يحاول انتزاع الرجل من سردية الهزيمة وتقديمه كضحية أو بطل، وفي حالة هادي كآخرَ رئيسٍ جاءت به صناديق الاقتراع، وتحويل قرار نقل السلطة من "علامة سقوط" إلى "تضحية وطنية".[2]

وفي الجبهة المقابلة يقف صوتٌ مختلف تماماً، أعلى صخباً وأشدّ قسوة، إذ يصبح هادي مجرد رقم من سبع مليارات، أسوأ اختيارٍ ممكن لرئاسة اليمن، رجلاً بلا مؤهّلٍ ولا حزبٍ ولا حضورٍ قبلي، اختاره الجميع تحديداً لعيوبه ظنّاً أنه سيكون طيّعاً، فانقلب عليهم انقلاب الغبي. وفي ذات الجبهة ترى بأنه لم يكن دموياً ولا داهية، إنما رئيسٌ بلا وعيٍ ولا ذاكرة، أدار انقلاباً على نفسه حين استعان بخصمٍ لا يعرف تاريخه ليُسقط شركاءه، فأسقط الدولة معهم[3]. وفي منشورٍ أعنف، يهبط التقييم السياسي إلى قاع الاتهام بالخيانة المباشرة فهو رجلٌ معجونٌ بالحقد والقروية، تفاخر بأنه مزّق الشمال، ومارس ما سمّاه الكاتب بـ"الدعارة السياسية"، وباع الوطن وقبض الثمن[4]، ويتجاوز المنشور الأخير مسألة النقد إلى الاتهام. ويبتعد عن المحاكمة السياسية إلى محو الذاكرة السياسية.

بين هاتين الضفّتين تنبثق منطقةٌ ثالثة، أكثر أهمية للمؤرخ، لأنها الأقرب إلى ما يسمّيه المنهج "الشهادة المركّبة". صاحبها الأبرز يحيى حسين العرشي، الذي عرف هادي ضابطاً من الصف الثاني في الجنوب قبل أن يعرفه رئيساً، فكتب بنبرة من رأى الرجل في تحوّلاته كلّها. لم يبرّئه ولم يُدِنه. وضع جملةً تكاد تكون منهجاً كاملاً: "لا نحمّله وحده مسؤولية ما حدث، ولا نعفيه من المسؤولية"[5]. هذه الجملة، في بساطتها، نقيضُ الجبهتين معاً، لأنها ترفض المعادلة الصفرية التي تطلب من التاريخ أن يختار بين قدّيسٍ وشيطان.

ويمثّل هذه المنطقة الوسطى أيضاً صحفيٌّ التقى هادي في الرياض عام 2016، ووصفه بأنه رجلٌ يقاوم الهزيمة. إذ يعترف الصحفي أحمد الشلفي أن الحملات نجحت في شيطنة الرجل إلى حدٍّ صار معه الدفاع عنه أصعب المواقف، ثم نقل عن سياسيٍّ يمنيٍّ واصفا هادي: "إنه يمزّق الأعصاب ببطئه، غير أنه في نهاية الأمر يتخذ القرار حين يصبح لازمًا"[6]. هذه الازدواجية في الشهادة الواحدة هي تمامًا ما يحتاجه المؤرّخ، وهي تمامًا ما يضيع وسط ضجيج المعسكرين.

ولعلّ أثمن ما في حوار الشلفي أنه يُظهر هادي وهو يتحدث عن سواه، فيكشف نفسه دون قصد. فقد سُئل عن طباع علي عبد الله صالح، فقال إنها أسيرة نزعتين: العنف والحقد. وروى كيف كان صالح يستمتع بمشاهدة صراع جملين قويين في مزرعته، مُصرًّا على بقاء ضيوفه ليشهدوا اللعبة. في هذه الحكاية الصغيرة تتسرّ بصورة هادي عن ذاته كرجلٍ يرى نفسه نقيض صالح؛ خاليًا من العنف والحقد، وصابرًا بطيئًا يُؤثر الانتظار على المغامرة. صدّقناه أو لم نصدّقه، نحن أمام ما يسمّيه المؤرّخون "الشهادة على الذات"، تلك المادة التي لا تخبرنا بالضرورة بما كان عليه الرجل، ولكنها تخبرنا بدقّةٍ بما أراد أن يُرى عليه. والمفارقة أن الصورة التي رسمها هادي لصالح -كرجلٍ يستمتع بإذكاء الصراعات- هي نفسها الصورة التي رسمها خصومُ هادي له حين اتهموه بالتواطؤ مع الحوثيين لضرب بيت الأحمر وشلّ حزب الإصلاح. فكل طرفٍ في المأساة اليمنية ينسب إلى خصمه الخطيئة التي يُتّهم هو بها.

وتبرز أهمية هذه الشهادات المركبة عندما نقارنها بالضفتين السابقتين أو المنشورات الأكثر حدة؛ حيث يميل الناس إلى التبسيط المفرط والبحث عن "شخص واحد" يحمّلونه مسؤولية الكارثة. في المقابل، قد يشعر القارئ بالحيرة أمام هذه الشهادة المركبة؛ لأنها تُظهر أن الرجل كان أبطأ أو أكثر حذرًا مما يجب في بعض المواقف، لكنه لم يكن مجرد "دمية" مسلوبة الإرادة، وفي الوقت نفسه لم يكن قائدًا يملك السيطرة الكاملة على مجريات الأحداث.

وإذا جمعنا هذه الروايات الأربع (المدح، والذم، والشهادة المركبة، والشهادة على الذات)، سنقف أمام كمٍّ هائل من المعلومات التي يصعب التوفيق بينها. وهنا يأتي دور المؤرخ الحصيف؛ فالمهمة ليست اختيار القصة التي تعجبنا، بل أن نفهم أن هذا التناقض بحد ذاته يعكس مدى تعقيد تلك الفترة الزمنية. فالصورة الكاملة لا تظهر من حدث واحد، بل من صراع الروايات الذي يبلغ ذروته لحظة غياب الشخصية (وفاة الرئيس/ القائد/ الزعيم)؛ ففي تلك اللحظة يحاول الجميع إثبات روايتهم الخاصة وتثبيتها في عقول الناس قبل أن تُطوى الصفحة.

لذا، يمكن القول إن ما كُتب بعد رحيل هادي لا يخبرنا عنه فحسب، بل يعكس محاولة اليمنيين لفهم هزيمتهم من خلاله ولما جرى لبلدهم أيضاً؛ فالمحب له يرى فيه رجلًا خذلته القوى السياسية. والغاضب يرى فيه كبش فداءٍ مناسبًا لكل ما حدث. وآخر قد يراه رجلًا ضاع بين جغرافيتين. ومن لم يروقه تصرفاته رآه أداةً في يد خصومه. ومن عرفه عن قرب قد يراه رجلًا محدود الإمكانات، لكنه لم يكن بالضرورة الرجل الذي تواطأ على خراب وطنه.

في النهاية، هذا التعدد في الآراء ليس مشكلة، بل هو جوهر القضية. فحين تتعدد صور الرجل إلى هذا الحد، لا يعود السؤال: من هو هادي فقط؟ بل يصبح السؤال: لماذا احتاج كل فريق إلى صناعة هادي الخاص به؟

عبارةٌ واحدة وصمت مسيرة طويلة

إن أردتَ أن تفهم كيف تُصنع السمعة التاريخية في لحظةٍ واحدة، فلا مثال أبلغ من جملةٍ ظلّت معلّقة في آّذان اليمنيين كأنها أقراط: "عادت عمران إلى حضن الدولة". المشهد معروف في الذاكرة اليمنية المعاصرة. في يوليو 2014، سقطت عمران، البوابة الشمالية لصنعاء، واستشهد العميد حميد القشيبي قائد اللواء 310. ثم زار هادي المحافظة في سياق محاولةٍ لإظهار أن الدولة استعادت حضورها، أو أن اتفاقًا ما سيعيد الوضع إلى مساره الطبيعي. لكن العبارة التي قيلت، أو الصيغة التي استقرت في التداول العام، تحولت لاحقًا إلى واحدة من أكثر الجمل التصاقًا بسيرته السياسية.

تخيّل هادي واقفاً هناك، وخلفه مدينةٌ خرجت لتوّها من معركة، وفي رأسه ورقة اتفاقٍ يظنّها أُنجزت بعد أن رفض رئيس حكومته ووزير دفاعه الذهاب. لم يكن يعرف أنه يكتب بتلك الكلمات الخمس أبرز سطورٍ في نعيه السياسي. هذه هي مأساة العبارات في التاريخ تُقال في ثوانٍ، وتُحاكَم في عقود.

لا تكمن أهمية هذه العبارة في معناها المباشر، بل في الطريقة التي استُخدمت بها. فبالنسبة لخصوم هادي، كانت دليلاً على انفصاله عن الواقع: رئيسٌ يقول إن عمران "عادت إلى حضن الدولة" بينما كانت الدولة نفسها تفقد قبضتها. لكن، في شهادة توضيحية للكاتب سام الغباري، يتضح أن السياق كان مختلفاً؛ إذ لم يقصد هادي الاعتراف بسلطة الحوثيين، بل تحدث عن اتفاق يقضي بعودة المؤسسات. لقد قصد أن الحرب انتهت، وما إن غادر حتى انهار الاتفاق،[7] وبقي التصريح معلقًا ولم يُنسَ.

وتتجلّى هنا فجوة مركزية في صناعة الذاكرة الشعبية، الفجوة بين قصد القائل وتلقّي الجمهور. فالناس لا يتذكرون الكلام بحسب نية صاحبه أو سياقه، بل تميل ذاكرتهم دائمًا إلى العبارات المختصرة والقصة المختزلة، وتتجنب الروايات المعقدة. فروايةٌ تتحدث عن اتفاق تعثر، ووزراء ترددوا، هي رواية ثقيلة التداول مقارنة بقصة مبسطة. ولهذا، كان خصوم هادي أقدر من أنصاره على تحويل عبارته إلى وشم ساخر ووسم دائم على مسيرة هادي السياسية.

وإلى جانب ذلك، ظهرت مواقف وقصص أخرى ساهمت في ترسيخ صورة "الرئيس العاجز" أو بحسب ما تداول "عبده مركوز فاضي“ وهنا تظهر خطورة ما يمكن تسميته "التأريخ بالطُّرفة"؛ فحين تتحول النكتة السياسية إلى مادة لكتابة التاريخ، فإنها تطغى على وقائع أكثر أهمية، مثل الأوامر العسكرية الحازمة التي أصدرها واصطدمت بتخاذل بعض القادة الميدانيين. أو غيرها من الوقائع لكننا نلحظ بأن الطرفة السياسية كانت أقدر على الانتشار والبقاء في الذاكرة الشعبية. ورغم هذا لا يبرئ صاحب العبارة من سوء التقدير، لكننا نوضح بأن على المؤرخ ألا ينجر بالاكتفاء بالنكت وقصص السخرية كمادة أولية للمصدر التاريخي وهو ما وقع به كثير من المؤرخين في تناولهم لملوك أو رؤساء سابقين.

ما تم إسقاطه على عبارة عمران يمكن إسقاطه أيضًا على أفعالٍ أخرى في سيرة هادي. فقرار نقل السلطة في أبريل 2022، مثلًا، يمكن أن يُقرأ اعترافًا بالعجز ونهايةً لرئاسةٍ فقدت فاعليتها. ويمكن أن يُقرأ، من جهة أخرى، كمحاولة متأخرة لإعادة ترتيب المعسكر المناهض للحوثيين وتخفيف الانقسام داخله. وكذلك استقالته في يناير 2015 - والتي لا تذكر كثيراً في المنشورات والمقالات التي كتبت عن هادي بعد وفاته- يمكن أن تُقرأ عجزًا عن تحمل المسؤولية، أو محاولةً للضغط السياسي والتنبيه إلى أن أدوات الحكم لم تعد قائمة.

في كل هذه الحالات لا يكون الخلاف حول وقوع الحدث وحده، بل حول تفسيره. الجميع يعرف أن عمران سقطت، وأن صنعاء سقطت، وأن هادي استقال ثم تراجع، وأنه حكم طويلًا من خارج اليمن، ثم نقل صلاحياته إلى مجلس قيادة رئاسي. لكن السؤال الذي يقسم الذاكرة هو: ماذا تعني هذه الوقائع؟ هل تعني خيانة؟ عجزًا؟ سوء تقدير؟ دهاءً؟ انهيار بنية؟ أم مزيجًا من ذلك كله؟

وهذا هو الحقل الذي تشتغل فيه الذاكرة. فالوقائع لا يتم تذكرها اعتباطاً. نحن من نمنحها ترتيبًا ومعنى وسطوة. ولهذا ستظل عبارة عمران حاضرة في كل محاولة لتأريخ هادي، وذلك بسبب حضورها في الذاكرة الشعبية، وكذلك لأنها تكشف كيف يمكن للحظة خطابية واحدة أن تبتلع سيرة كاملة.

هادي أم البنية؟

يبلغ السؤال ذروته عند المنعطف الأصعب: أين يقع الفرد من البنية حين نكتب تاريخ انهيار دولة؟ هل سقط اليمن لأن هادي عَجَز، أم أن عجز هادي نفسه كان عَرَضاً لبنيةٍ متهالكة كانت ستسقط مع أيّ رئيس؟

تميل الكتابات الغاضبة إلى الإجابة الأولى. الرجل هو السبب. لو كان أقوى، أو أذكى، أو أكثر حسمًا، لما وقع ما وقع. هذه قراءة مغرية لأنها تمنح الكارثة وجهًا واحدًا يمكن مساءلته أو لعنه. لكنها قراءة ناقصة، لأنها تعفي بقية الأطراف من حصصها في المسؤولية مثل: القوى السياسية التي دفعت بهادي إلى الواجهة، نظام صالح العميق، الحوثيون ومشروعهم المسلح، النخب الحزبية التي تعاملت مع الانتقال كغنيمة، القوى الإقليمية التي أدارت الأزمة من خارجها، والمجتمع الدولي الذي اختزل الدولة أحيانًا في ترتيبات شكلية للانتقال.

بل إن بعض الكتابات التي تهاجم هادي تحمل، من حيث لا تقصد، دليلًا ضد قراءتها الفردية. فإذا كان الرجل، كما يقول خصومه، قد اختير لأنه ضعيف وقابل للاستخدام، فإن المسؤولية لا تقع عليه وحده، بل على المنظومة التي اختارته لهذا السبب. وإذا كانت القوى السياسية قد تصورت أنها تستطيع إدارة المرحلة من خلفه، ثم انفلتت المرحلة من الجميع، فهذا لا يكشف عجز الرجل وحده، بل عجز الطبقة السياسية كلها عن فهم عمق الانهيار.

في المقابل، لا تكفي القراءة البنيوية وحدها. فمن السهل أن نقول إن الدولة كانت متهالكة، وإن إرث صالح كان ثقيلًا، وإن الجيش كان منقسمًا، وإن الحوثيين كانوا يصعدون، وإن الإقليم كان يتدخل، والمبعوث الأممي أصبح سامي. كل ذلك ربما صحيحاً، لكنه لا يعفي هادي من سؤال القرار. فالرجل كان رئيسًا، وكانت له لحظات كان يمكن أن يختار فيها خطابًا مختلفًا، أو تحالفات مختلفة، أو إدارة مختلفة للمؤسسة العسكرية، أو تعاملًا أكثر صرامة مع تمدد الحوثيين. البنية تقيّد الفاعل، لكنها لا تلغيه. لكن حتى أكثر القراءات وعياً بالبنية ترتدّ، عند لحظة إصدار الحكم، إلى تعليق المصير على الفرد، لأن الفرد أسهل في المحاسبة من البنية، وأقرب إلى المخيّلة من الأنساق المجرّدة. العقل الجمعي يطلب وجهاً يحمّله الكارثة، لأن الكارثة بلا وجهٍ لا تُحتمل.

لذلك يبدو الطريق الثالث أكثر إنصافًا ومنهجية وهو ما يسمى بـ«تأريخ القيود». فهذا النوع من التأريخ لا يسأل فقط: هل كان هادي قائدًا جيدًا أم سيئًا؟ ولا يكتفي بالقول إن الدولة كانت منهارة أصلًا، بل يتجه إلى سؤال مختلف: ما حجم الهامش المتاح لهادي داخل البنية السياسية والعسكرية والاجتماعية التي ورثها؟ وكيف استخدم هذا الهامش؟ وأين بدّده؟ وأين كان عاجزًا فعلًا عن الفعل؟

ينطلق هذا المنظور من تجاوز الثنائية التقليدية في فلسفة التاريخ بين الفاعلية الفردية (Agency) والبنية (Structure)، فلا يردّ الأحداث إلى إرادة القادة وحدها، ولا يذيب الأفراد بالكامل داخل الشروط البنيوية. بل يسعى إلى دراسة العلاقة بين الطرفين من خلال تحليل «مساحة المناورة» التي أتاحتها الظروف التاريخية للفاعل السياسي وحدودها. لذلك فإن «تأريخ القيود» ليس مدرسة تاريخية مستقلة بقدر ما هو مقاربة تحليلية تستلهم أعمال عدد من المفكرين والمؤرخين؛ فمن جهة، نجد جذورها في اهتمام فوكو بدراسة الشروط التاريخية التي تحدد ما يصبح ممكنًا أو مستحيلًا في لحظة تاريخية معينة، ومن جهة أخرى تتقاطع مع تحليلات بورديو للقيود التي تفرضها الحقول الاجتماعية، ومع اهتمام بروديل ومدرسة الحوليات بالبنى طويلة المدى التي تحدد مجال الحركة أمام الأفراد والجماعات.

وعليه، فإن السؤال التاريخي لا يصبح: ماذا أراد الفاعل أن يفعل؟ ولا: ماذا فرضت البنية عليه؟ بل: ما حدود الإمكان التي رسمتها تلك البنية؟ وكيف تصرف الفاعل داخلها؟ وما الذي كان يمكنه فعله ولم يفعله؟ وما الذي لم يكن متاحًا له أصلًا؟ إن هذا الانتقال من البحث في النوايا أو الحتميات إلى البحث في «حدود الإمكان التاريخي» هو جوهر ما يمكن تسميته هنا بـتأريخ القيود. وهو ما يجعلنا نستفيد من دروس التاريخ ولا نكرر الأخطاء أما التعميمات الجاهزة والحتمية فإنها تجعل تذكر التاريخ عبارة عن نكتة ساخرة يُعاد تكرارها.

وفق هذا المنظور، لا يبدو هادي سببًا وحيدًا للانهيار، كما لا يبدو ضحيةً كاملة له. كان فاعلًا سياسيًا يتحرك داخل مساحة ضيقة من الخيارات، محاطًا بطبقات من القيود المتراكمة: إرث نظام علي عبد الله صالح، والانقسام داخل الجيش، ونفوذ مراكز القوى التقليدية، وحسابات حزب الإصلاح، وصعود الحوثيين، وهشاشة مخرجات الحوار الوطني، والتدخلات الإقليمية، وضغوط المجتمع الدولي لإنجاح انتقال سياسي بدا على الورق أكثر تماسكًا مما كان عليه في الواقع. وفوق ذلك كله كانت هناك رؤيته الخاصة لليمن الاتحادي، وهي رؤية لم تحظَ بإجماع القوى التي كان يُفترض أن تبني الدولة الجديدة معها.

تروي إحدى الشهادات المنشورة على فيسبوك عن لقاء جمع قيادة الاصطفاف الوطني بهادي عام 2014 أنه غادر القاعة لدقائق ثم عاد حاملاً خرائط وصورًا جوية قال إنها وصلته من الأمريكيين، تُظهر مواقع الحوثيين ومخازن أسلحتهم وتحركاتهم. تحدث حينها بثقة عن أن الدولة تتابع كل شيء وتعرف ما يجري وستتصرف في الوقت المناسب. لكن صنعاء كانت في تلك الأثناء تقترب من السقوط ساعة بعد أخرى. وبينما كانت الخرائط تبدو دقيقة، كانت الدولة نفسها تفقد قدرتها على الفعل.

ربما تختصر هذه القصة مأزق هادي فامتلاك المعلومة دون القدرة على استخدامها، وحيازة الشرعية دون امتلاك الأدوات، والجلوس على رأس دولة تتآكل مؤسساتها. تقدم لنا هذه القصة بأن هادي لم يكن يجهل الخطر، لكنه لم يمتلك الوسائل الكافية لمواجهته، أو لم يحسن استخدام ما كان متاحًا له منها.

لهذا فإن السؤال المؤرخ الحصيف الأهم هو ما حجم الهامش الذي كان متاحًا له؟ وكيف تعامل مع هذا الهامش؟ وأين نجح في استثماره، وأين أخفق في ذلك؟

فالكوارث السياسية لا يصنعها شخص واحد، وإن وجدنا في التاريخ شواهد لذلك، كما أنها لا تقع بفعل البنى وحدها. إنها تنشأ من التفاعل المستمر بين قرارات الأفراد والقيود التي تحيط بهم. ومن يحمّل هادي وحده مسؤولية ما حدث يقع في التبسيط نفسه الذي يقع فيه من يبرئه بالكامل. وفي الحالتين تضيع الحقيقة بين روايتين مريحتين، بينما يبقى الواقع أكثر تعقيدًا من كلتيهما.

وفي هذا السياق يمكن قراءة دفنه في الرياض لا في أبين أو عدن بأن البنية لازالت ضعيفة ومنقسمة كما حكمها. وأن الرجل لم يجد في وطنه أرضاً تتّسع لقبره، لا لأنه ليس منها كما وصفه البعض على مواقع التواصل، إنما لأن الدولة التي كان يُفترض أن يكون رمزها قد تبخّرت، فلم يبقَ في اليمن لا حضنُ دولةٍ تعود إليه عمران، ولا حضنُ أرضٍ يعود إليها رئيسها السابق. وأيًّا كانت القراءة، فإن القبر البعيد يصلح كآخر استعارة في سيرة رئيس بدأت صدفةً وانتهت في المنفى. فالمكان الذي يُدفن فيه الزعماء عادةً هو جزء من النص التاريخي، وليس مجرد هامش عليه.

كيف سيؤرَّخ له؟

نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه، ونحن نعرف أن جوابه ليس واحداً، إنما رهنُ ثلاثة شروطٍ تحكم كل تأريخ، ودعني أصارحك بشيء قبل الشروط الثلاثة؛ حين تقرأ هذه المنشورات متجاورةً، تشعر أنك ترى مرآةٍ يقف أمامها يمنيون مختلفون، فيرى كلٌّ منهم فيها وجهه "هو" لا وجه هادي، حيث يرى المناصر خيبته، ويرى المحب مظلوميّته، ويرى الغاضب مَن يلعنه، ويرى من عرفه عن قرب رجلاً متعَباً حمّلوه ما لا يطيق. والمرايا لا تكذب ولا تصدق، إنها تعكس فقط. ومن هنا تبدأ الشروط.

الشرط الأول: مَن يكتب؟

التاريخ الذي ستكتبه القوى الجنوبية الانفصالية سيرى في هادي رجلًا عجز عن أن يكون جنوبيًا بما يكفي، وشماليًا بما يكفي، فضاع بين الجغرافيتين. والتاريخ الذي ستكتبه القوى التي راهنت عليه ثم تنصّلت منه سيواصل تحميله أوزار مرحلةٍ كانت مسؤولية الجميع. أما التاريخ الذي قد يكتبه من عرفوه عن قرب، كالعرشي، فسيحفظ له على الأقل أنه لم يتورّط في توقيع اتفاقياتٍ تمسّ السيادة والأرض والثروة، وأن يديه لم تتلطّخا بدماء خصومه. والصورة النهائية ستكون صراع السرديات بين هذه الأقلام، لا انتصارًا لواحدٍ منها.

الشرط الثاني: متى يُكتب؟

التأريخ القريب المكتوب على وقع الجرح، يميل إلى الإدانة أو الرثاء؛ لأن الذاكرة القريبة منحازةٌ بطبعها. أما التأريخ البعيد، حين تبرد العواطف وتُفتح الأرشيفات وتُروى الشهادات المؤجَّلة (تلك التي أشار العرشي إلى أنه ليس من المناسب ذكرها الآن)، قد يعيد رسم الرجل فاعلًا محدود الهامش في لحظةٍ كان انهيار الدولة فيها أقرب إلى القَدَر منه إلى الخيار. وقد صاغ الشلفي جملةً تكاد تكون نبوءةً منهجية: "إن التاريخ لن يذكر سوى أن عبد ربه عمل من أجل اليمن أو عمل ضدّه".

الشرط الثالث: مَن يملك الأرشيف؟

الذاكرة لا تُصنع من فراغ؛ بل تُصنع حيث تُحفظ الوثائق، وتُروى الشهادات، وتُكتب السرديات. وما دامت سيرة هادي معلّقةً بين منشوراتٍ متناثرة وشهاداتٍ متناقضة وعباراتٍ مجتزأة، ستبقى صورته رهينةً لمن يجمع هذا الشتات ويعيد ترتيبه. وهنا تحديدًا يقع عبء المؤرّخ ومؤسسات التوثيق، في حفظ التعقيد من أن يُختزل، وصون الأصوات المتعددة من أن يبتلعها صوتٌ واحد.

وعلى الأرجح سيؤرَّخ لهادي باعتباره رجلًا صار مرآةً لعجز منظومةٍ بأكملها عن إنتاج دولة. وستظلّ صورته تتأرجح، لعقودٍ مقبلة، بين من حمل ما لا يطيق، ومن لم يكن أهلًا لما حُمِّل. غير أن المفارقة أن سؤال "كيف سيؤرَّخله؟" يقول عن اليمنيين أكثر مما يقول عن هادي نفسه. فطريقة كتابتنا لسيرته ستكشف: هل تعلّمنا أن نقرأ تاريخنا على أنّه مسؤوليةٌ جماعية. أم أننا ما زلنا نبحث عن كبش فداءٍ نعلّق في رقبته خرائط السقوط كلّها، ثم نمضي إلى الانهيار التالي ونحن نظنّ أننا فهمنا ما جرى؟

 

-----------------------------------------

الهوامش  

[1] سام الغباري، "توضيحًا عن عمران عادت إلى حضن الدولة"، منشور على فيسبوك، مايو 2026 (ضمن مجموعة المنشورات التي جمعها الباحث)

[2]  المرجع السابق

[3] مروان الغفوري، 17 عاما من العبودية، منشور على صفحته (فيسبوك)، مايو 2026 (ضمن المنشورات التي جمعها الباحث)

[4]  هادي: رئيس معجون بالحقد والقروية الصغيرة وبائع للوطن"، منشور متداوَل على وسائل التواصل، مايو 2026.

[5] يحيى بن حسين العرشي، "الرئيس الشرعي في ذمة الله"، منشور على وسائل التواصل، 30مايو 2026م.

[6]   أحمد الشلفي، "هادي… حديث إلى رئيس يقاوم الهزيمة"، الجزيرة نت، 12 أبريل 2016، قسم الشؤون اليمنية.

[7]  سام الغباري، مرجع سابق.

لا يفوتك هذه المقالات..