تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

الفن العدني… حين تتحوّل الأغنية إلى جسرٍ للسلام

في مدينة مثل عدن، يُعتبر الفنّ جزءًا أصيلا من الحياة اليومية، ومرآة تعكس روح المدينة وتاريخها الاجتماعي والثقافي. فعدن التي عرفت عبر التاريخ ميناءً مفتوحًا على العالم، وملتقى للثقافات والأعراق، استطاعت أن تصوغ من هذا التنوع هوية فنّية خاصة بها، جعلت من الأغنية العدنية أكثر من مجرد لحن جميل، بل فنّاً بخطاب إنساني يحمل في طياته قيم التسامح والانفتاح والتعايش.

منذ عقود طويلة، تشكّلت في عدن بيئة ثقافية فريدة ساعدت على ازدهار الموسيقى والغناء. فالأحياء القديمة مثل كريتر والتواهي والمُعَلّا والشيخ عثمان كانت فضاءات اجتماعية تلتقي فيها الثقافات والأصوات، فهناك، بين الأزقة الضيقة والأسواق الشعبية، وُلدت ألحان عِدّة تحوّلت لاحقًا إلى جزء من الذاكرة الجمعية للمدينة.

وكان للبحر أيضًا نصيبه في تشكيل هذا الوجدان الفنّي في المدينة، فصوت الأمواج الذي يتسلّل إلى البيوت القديمة، منح الأغنية العدنية بُعدًا إنسانيًا واسعًا، جعلها قادرة على مخاطبة مشاعر الناس بمختلف خلفياتهم.

وأبرزُ ما يُميز الفن العدني أنه لم يكن يومًا في معزل عن القضايا الاجتماعية والسياسية التي مرت بها المدينة. على العكس تمامًا، كان الفنان العدني في كثير من الأحيان صوت المجتمع وضميره الحيّ، فعندما كانت المدينة تمرّ بمراحل تاريخية حساسة، كانت الأغنية تتحوّل إلى وسيلة للتعبير عن تطلعات الناس وآمالهم، بل وأحيانًا إلى أداة للمقاومة وبناء الوعي.

وقد ارتبطت الأغنية العدنية بأسماء فنّية كبيرة من المطربين، الذين تركوا أثرًا عميقًا في وجدان المجتمع، ومن بين هذه الأسماء يبرز الفنان الكبير أبو بكر سالم بلفقيه، الذي استطاع بصوته العذب وألحانه المتفرّدة أن ينقل الأغنية اليمنية عمومًا، والعدنية خصوصًا، إلى فضاء عربي أوسع، حيث حمل رسالة إنسانية، عكست البساطة الصادقة للإنسان اليمني، وكرّست قيم المحبة والانتماء في زمن كانت فيه المنطقة تشهد تحولات سياسية واجتماعية كبيرة.

إلى جانب بلفقيه، يأتي اسم محمد مرشد ناجي، المعروف بالمرشدي، الذي يُعدّ أحد أهم رواد التجديد في الأغنية العدنية، والذي كان مؤمنًا بأنّ الفن مسؤولية اجتماعية. وقد تجلّى هذا الإيمان بوضوح في ارتباطه بالأغنية الوطنية والنضالية، حيث قدّم أعمالًا مثل "يا شعبنا" و"نشوان" التي عكست روح المرحلة السياسية والاجتماعية في جنوب اليمن، وأسهمت في تعزيز الوعي الوطني. وتُظهر هذه الأعمال قُدرة المرشدي على توظيف الفنّ كوسيلة تعبير جماعي؛ إذ لم تكن الأغنية لديه وسيلة للترفيه وحسب، بل أداة لنقل قضايا المجتمع وتطلعاته. ومن هذا التوجّه، استطاع أن يخلق توازنًا بين الأصالة والتجديد، محافظًا على روح التراث الموسيقي العدني، وفي الوقت نفسه انفتح على التجارب الفنية الحديثة، ما جعل كثيرًا من أغانيه تتحوّل إلى رموز ثقافية تعبّر عن مرحلة كاملة من تاريخ المدينة.

أما أحمد بن أحمد قاسم، الذي أُطلق عليه لقب "قيثارة عدن"، فقد أدّى دورًا محوريًا في تطوير الموسيقى العدنية من الناحية اللحنية والتوزيع الموسيقي. ويظهر ذلك بإدخاله إيقاعات وآلات موسيقية حديثة نسبيًا على الأغنية المحلّية، متأثرًا بحالة الانفتاح الثقافي التي شهدتها عدن في منتصف القرن العشرين. وقد ساعد هذا التوجّه على توسيع البنية اللحنية للأغنية العدنية، ونقلها من الطابع التقليدي المحدود إلى فضاء أكثر تنوعًا وثراءً. ويكشف هذا التطوير عن وعيّ فنّي مبكر بأهمية التجديد من دون القطيعة مع التراث، حيث نجح في المزج بين الأصالة والحداثة، مانحًا الأغنية العدنية قُدرة أكبر على الانتشار والتجدّد، مع الحفاظ على هويتها الموسيقية الخاصة.

ولا يمكن الحديث عن الفنّ العدني من دون التوقف عند تجربة الفنان محمد سعد عبد الله، الذي استطاع أن يخلق مساحة وجدانية واسعة في الغناء العاطفي والاجتماعي، والتي تميّزت أغانيه بقدرتها على التعبير عن المشاعر الإنسانية البسيطة بلُغة قريبة من الناس، وهو ما جعلها حاضرة في مختلف المناسبات الاجتماعية، من الأعراس إلى اللقاءات العائلية، وكانت أعماله تعكس صورة المجتمع العدني في تفاصيله اليومية، حيث يتحوّل الحبّ والحنين والوفاء إلى موضوعات فنية تعبر عن تجربة إنسانية مشتركة.

وفي السياق نفسه، برزت الأغنية الوطنية كأحد أبرز أشكال التعبير الفني في عدن، خصوصًا في فترات النضال ضد الاستعمار، ومن أشهر النماذج في هذا المجال أغنية "برّع يا استعمار" للفنان محمد محسن عطروش، التي تحولت من عمل فني إلى نشيد جماهيري ردّدته الحناجر في الشوارع والساحات، كانت هذه الأغنية مثالًا واضحًا على قُدرة الفنّ على التأثير في الوعي العام، حيث أدّت دورًا مُهمًا في تعزيز الروح الوطنية لدى الناس.

لكن الفنّ العدني لم يكن دائمًا مرتبطًا بالسياسة أو النضال، بل حافظ أيضًا على مساحة إنسانية دافئة تعكس العلاقات الاجتماعية وقيم التراحُم بين الناس. ففي أغنية "كلمة ولو جبر خاطر" للفنان محمد سعد عبد الله، نجد رسالة أخلاقية بسيطة، لكنها عميقة، تدعو إلى جبر الخواطر وإصلاح العلاقات بين الناس. هذه النوعية من الأغاني تعكس جانبًا مهمًا من الثقافة العدنية، حيث يُتعامل مع الفنّ وسيلةً لتعزيز القيم الإنسانية داخل المجتمع.

ومن الجوانب اللافتة في تاريخ الفن العدني حضور المرأة في المشهد الغنائي، رغم التحديات الاجتماعية التي واجهتها في بعض الفترات، فقد استطاعت أصوات نسائية، مثل الفنانة أمل كُعْدل أن تقدم تجربة فنية مميزة، تعبر بها عن إحساس المرأة العدنية وقضاياها الاجتماعية، فوجود المرأة في الساحة الفنية، كان عاملًا مهمًا في تحقيق التوازن داخل الحركة الثقافية في المدينة.

وفي المقابل، ظلّ الفن العدني يحتفظ بطابعه الاحتفالي المرتبط بالمناسبات الاجتماعية، خصوصًا الأعراس الشعبية المعروفة محليًا باسم "المخادر". في هذه المناسبات، تتحوّل الموسيقى إلى لغة جماعية تجمع الناس من مختلف الطبقات الاجتماعية، فعندما تبدأ إيقاعات الشرح العدني، وتُغنى الأغاني التراثية المعروفة، يختفي أي شعور بالاختلاف أو الانقسام، ويجد الجميع أنفسهم جزءًا من حالة احتفالية واحدة.

هذه القُدرة على جمع الناس حول اللحن والكلمة الجميلة تجعل من الفن العدني أحد أهم عناصر القوة الناعمة في المجتمع، فالفنّ، بطبيعته، يمتلك قُدرة فريدة على تجاوز الحواجز السياسية والاجتماعية، وخلق مساحة مشتركة للحوار والتفاهم، وفي مدينة مثل عدن، التي مرّت في العقود الأخيرة بتحدّيات سياسية واقتصادية معقّدة، يمكن أن يؤدّي الفن دورًا مهمًا في إعادة ترميم النسيج الاجتماعي.

إنّ الحديث عن بناء السلام في المجتمعات التي عانت من الصراعات لا يقتصر على الحلول السياسية أو الاقتصادية فقط، بل يشمل أيضًا البُعد الثقافي والإنساني. وهنا تبرز أهمية الفنّ كأداة للتقريب بين الناس وإعادة بناء الثقة بينهم، فالأغنية التي تلامس وجدان الإنسان يمكن أن تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من أيّ خطاب سياسي. من هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحّة اليوم لإعادة الاعتبار للفنّ العدني، كوسيلة فعالة لتعزيز قيم التعايش والسلام، ويمكن تحقيق ذلك بعدّة مسارات، من بينها دعم المبادرات الثقافية المحلية، وتنظيم مهرجانات موسيقية في الأحياء الشعبية، وتشجيع الشباب على إنتاج محتوى فنّي رقمي يستلهم التراث العدني ويقدمه بأساليب حديثة.

كما يمكن لوسائل الإعلام أن تؤدّي دورًا مهمًا في هذا المسار، بتسليط الضوء على التجارب الفنّية الشابة، وربطها بالإرث الموسيقي العريق للمدينة، فكثير من المواهب الشابة في عدن تمتلك القدرة على تطوير الأغنية العدنية وإيصالها إلى جمهور أوسع، لكنّها تحتاج إلى الدعم والتشجيع.

إنّ التراث الثقافي لأي مدينة يُعد مصدر إلهام للمستقبل، وعدن التي استطاعت في فترات سابقة أن تقدّم نموذجًا للتعايش والانفتاح الثقافي، قادرة اليوم أيضًا على استعادة هذا الدور بفنها وموسيقاها، فالأغنية التي كانت يومًا تعبّر عن نبض الشارع العدني، يمكنها اليوم أن تصبح رسالة سلام تتجاوز حدود المدينة، لتصل إلى كل من يؤمن بأنّ الفنّ قادر على جمع القلوب.

في النهاية، يبقى الفنّ العدني تعبيرا حيّا عن روح مدينة عَرفت كيف تحول تنوعها الثقافي إلى مصدر قوة وإبداع، وما زالت تحتفظ بقدرتها على الغناء للحياة، وعلى تحويل الموسيقى إلى جسرٍ يعبر فوق الانقسامات نحو مستقبل أكثر انسجامًا وسلامًا.

لا يفوتك هذه المقالات..

[1] سام الغباري، "توضيحًا عن عمران عادت إلى حضن الدولة"، منشور على فيسبوك، مايو 2026 (ضمن مجموعة المنشورات التي جمعها الباحث)

[2]  المرجع السابق

[3] مروان الغفوري، 17 عاما من العبودية، منشور على صفحته (فيسبوك)، مايو 2026 (ضمن المنشورات التي جمعها الباحث)

[4]  هادي: رئيس معجون بالحقد والقروية الصغيرة وبائع للوطن"، منشور متداوَل على وسائل التواصل، مايو 2026.

[5] يحيى بن حسين العرشي، "الرئيس الشرعي في ذمة الله"، منشور على وسائل التواصل، 30مايو 2026م.

[6]   أحمد الشلفي، "هادي… حديث إلى رئيس يقاوم الهزيمة"، الجزيرة نت، 12 أبريل 2016، قسم الشؤون اليمنية.

[7]  سام الغباري، مرجع سابق.