تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

حين تنكمش المدينة ويتّسع خطاب الكراهية: عدن من سيارة "وَرْوَر" إلى أسئلة الهوية

سيارة "وَرور" واحدة من أكثر الحكايات الشعبية دلالة على جاذبية عدن. تعود القصة إلى ما قبل الثورة في شمال اليمن، إبان حكم الإمامة. لم يكن ورور سياسياً، ولا صاحب قضية، ولا رجلاً كثير الكلام. كان سائقاً فحسب، يعرف الطريق بين تعز وعدن كما يعرف جيوبه.

كان يُحمّل سيارته القديمة بالشباب صباحاً؛ شبان ضاقوا بالوضع السياسي والاجتماعي المغلق، وقصدوا مدينة بدت لهم أكثر اتساعاً وانفتاحاً. يغلق ورور باب سيارته ويمضي بهم في الطريق، وكل ما يحملونه تقريباً هو فكرة واحدة: عدن.

وحين يفتح الباب في نهاية الرحلة، ينزل الشبان إلى عالم مختلف عمّا عرفوه. مدينة تمشي على مهل، تتنفس من البحر، ولا تبدأ علاقتها بالقادم إليها بالسؤال: من أين جئت؟ ولماذا أتيت؟

لم يكن السائق ينقذ أحداً؛ كان يقود وحسب. رحلة لا تستغرق سوى ساعات، لكنها كانت، بالنسبة إلى بعض ركابه، كافية لتغيير مسار حياة كاملة.

وفي طريق العودة، لم يكن ورور بحاجة إلى البحث طويلاً عن ركاب. كان يعرف أن المقاعد التي ضجّت بالشباب قبل ساعات قد تعود فارغة؛ فمن وصل إلى عدن لم يكن متحمساً لمغادرتها. ومع الوقت، وُلد التعبير الشعبي الذي ظل متداولاً:  "مع ورور" ويُقال لمن يرحل من دون نية للعودة؛ لأن من ذهب معه إلى عدن، كما تقول الذاكرة الشعبية، قلّما أراد الرجوع.

عُرفت عدن طويلاً بأفقها المفتوح. مدينة تشكّلت من البحر بقدر ما تشكّلت من البشر، وتعلّمت مبكراً أن الموانئ لا تعترف كثيراً بالأنساب والألقاب، وأن السفن لا تسأل ركابها عن لهجاتهم.

لذلك، حين نتأمل اليوم انحسار الروح المدنية في عدن، لا يبدو الأمر مجرد تراجع في العمران أو الخدمات أو الأمن، بل تراجعاً في فكرة المدينة نفسها: المدينة بوصفها مساحة مشتركة، ومكاناً للعيش مع الآخر لا إلى جواره فقط، وفضاءً تكون فيه المواطنة أوسع من الجغرافيا والهويات الصغيرة.

من رامبو ودرويش إلى مقاهي كريتر

إذا عدنا إلى تاريخ عدن، يصعب العثور على مرحلة طويلة تعاملت فيها المدينة مع الآخر باعتباره استثناءً دائماً. على العكس، كان القادمون إليها جزءاً من مشهدها اليومي: في الميناء والسوق والمدرسة والمقهى والحي.

مرّ الفرنسي آرثر رامبو بعدن وعاش فيها، واستقرت فيها جاليات هندية وصومالية ويهودية، واختلط بها يمنيون قدموا من تعز وحضرموت ولحج ومناطق أخرى. لم تُلغَ الفوارق بالتأكيد، ولم تكن المدينة خالية من التوترات والتفاوتات، لكن التنوع نفسه كان من طبيعة المكان، لا شيئاً طارئاً عليه.

كان السؤال عن الإنسان، في كثير من الأحيان، مرتبطاً بما يعمل وما يعرف وما يضيف، أكثر مما هو مرتبط بالمكان الذي جاء منه.

وفي المخيال الأدبي العربي، يأخذنا محمود درويش في عبارته عن الذهاب إلى عدن "قبل أحلامنا" إلى مدينة تتجاوز حدود الجغرافيا. تبدو عدن هنا محاولة لالتقاط إيقاع مختلف للحياة؛ مكاناً يسبق انغلاق الأحلام داخل القبيلة والهويات الضيقة، ويتحول الذهاب إليه إلى فعل تحرر شخصي هادئ، بلا شعارات ولا بيانات.

وهنا تلتقي الصورة الشعرية بحكاية ورور الشعبية: الذهاب إلى عدن بوصفه انتقالاً إلى مساحة أوسع من الحياة.

يحكي كبار السن عن عدن بهذه الطريقة أيضاً. يمكن أن تلتقط المعنى في تنهيدة أحدهم وهو يقول: "كانت عدن".

ثم يبدأ الحديث عن مقاهي كريتر التي كانت تدور فيها نقاشات السياسة والأدب، وعن دور السينما التي فتحت نافذة على العالم قبل عصر الشاشات الصغيرة، وعن المكتبات والأكشاك التي تصلها الصحف والمجلات من القاهرة وبيروت وبومباي.

لم يكن ذلك الانفتاح مجرد زينة ثقافية لمدينة ساحلية، بل كان جزءاً من شروط حياتها. مدينة تتنفس عبر الميناء وتتعامل يومياً مع الخارج لا تستطيع أن تفعل ذلك من دون لغة مشتركة مع العالم: الفضول، والتعايش، والقدرة على قبول المختلف.

لكن شيئاً ما تغيّر.

يمكن رؤية هذا التحول في مشهد بسيط يتكرر اليوم: يطرح شخص رأياً في قضية عامة، في باص أو مجلس أو نقاش عابر، وبدلاً من مناقشة ما قاله، يأتي السؤال: "من أين أنت؟"

تُفحص اللهجة أولاً، ثم المنطقة، ثم الخلفية. فإذا بدا المتحدث مألوفاً، استُقبل كلامه بهدوء وربما بتفهم. أما إذا كان مختلفاً جغرافياً أو ثقافياً، فقد يتحول النقاش من الفكرة إلى صاحبها: لماذا يتحدث؟ من يمثل؟ ولمصلحة من يقول هذا؟

وهنا تكمن المشكلة.

حين يصبح المكان الذي جاء منه الإنسان هو الإطار الذي يُحاكم داخله كلامه، لا تعود الجغرافيا مجرد معلومة شخصية؛ تتحول إلى معيار للقبول والرفض. ويصبح السؤال ليس ما إذا كانت فكرتك صحيحة أو خاطئة، بل ما إذا كان يحق لك أصلاً أن تقولها.

وهكذا تنكمش المدينة.

لا تنكمش مساحتها على الخريطة، بل المساحة المتاحة داخلها للآخر.

لم تكن عدن في الماضي مدينة مثالية، ولا ينبغي اختراع صورة رومانسية لها. عرفت المدينة صراعاتها ومظالمها وتحولاتها القاسية، لكن ما ميّزها في مراحل كثيرة أنها كانت واعية بفكرة المدينة؛ تعرف أنها ليست قرية موسّعة، وأن المدينة بطبيعتها تقوم على القانون والتعدد والقدرة على إدارة الاختلاف، لا على إلغائه.

حتى الشخصيات الأجنبية التي مرت في تاريخ عدن لم تُختزل دائماً في غربتها عنها. بقي بعضها في ذاكرة الناس من خلال التعليم والعمل والحياة اليومية. ورامبو، الذي عاش فيها، لم يكن مجرد شاعر هارب من أوروبا، بل أصبح جزءاً من ذاكرة مكان كان قادراً على استيعاب الغريب من دون أن يفقد ملامحه.

ومن هنا يأتي السؤال: أين عدن اليوم من هذه الروح؟

ليس المقصود تمجيد المرحلة الاستعمارية، ولا تجاهل جراح المدينة وصراعاتها، ولا تحويل الماضي إلى زمن ذهبي لم يكن موجوداً بهذه الصورة. المقصود استعادة شيء آخر: الروح المدنية لعدن؛ تلك التي جعلت الاختلاف أمراً طبيعياً لا تهديداً، والثقافة مساحة لقاء لا أداة فرز، والانتماء إلى المدينة أوسع من الانتماءات التي جاء بها الناس إليها.

انحسار المدنية ليس قدراً محتوماً. إنه في جانب كبير منه حصيلة تحولات سياسية واجتماعية، وخيارات اتُّخذت وأخرى غابت، وخطابات جرى تطبيعها حتى أصبح بعضها جزءاً من الحديث اليومي.

ولهذا، فإن ما تحتاجه عدن اليوم لا يقتصر على الكهرباء والمياه والطرق والخدمات، على أهميتها وضرورتها. تحتاج المدينة أيضاً إلى استعادة خطابها عن نفسها.

أن تعود إلى تقديم ذاتها مدينةً لا تخاف من الآخر لأنها واثقة من هويتها؛ مدينة تعلّمت من البحر أن الاتساع لا ينتقص من الإنسان، وأن استقبال القادم لا يعني فقدان المكان لأهله، وأن قوة الهوية لا تأتي من إحاطة نفسها بالأسوار.

ربما لن تعود عدن كما كانت، ولا ينبغي لها أن تعود نسخة من ماضيها. المدن تتغير، وهذا طبيعي. لكن السؤال الحقيقي هو: أي مدينة تريد عدن أن تصبح؟

عدن أعمق من أن تُختزل في زقاق ضيق يفتّش فيه الناس في نبرات أصوات بعضهم، وأوسع من أن تحدد اللهجة فيه مقدار حق الإنسان في الكلام أو الوجود.

جوهرها، كما حفظته الذاكرة، كان في قدرتها على أن تجعل القادم إليها يترك شيئاً من هويته الضيقة عند مداخلها، ثم يكتشف أنه ليس مضطراً إلى أن يكون غريباً.

ولعل إحدى أجمل الصور التي تختصر هذه الروح تأتي من أغنية الفنان الراحل أحمد بن أحمد قاسم: "يا ساحل أبين بنّى العشاق فيك معبد".

ليست الأغنية مجرد حنين إلى البحر والرمل والبدر؛ إنها، بطريقة ما، صورة لمدينة كان الود فيها أوسع من سؤال الأصل والفصل.

وفي زمن تتكاثر فيه الأسئلة عن الهوية، ربما يكون هذا هو السؤال الذي يستحق أن تستعيده عدن: هل تستطيع المدينة التي وسعت الجميع يوماً أن تتسع لهم من جديد؟

لا يفوتك هذه المقالات..

[1] سام الغباري، "توضيحًا عن عمران عادت إلى حضن الدولة"، منشور على فيسبوك، مايو 2026 (ضمن مجموعة المنشورات التي جمعها الباحث)

[2]  المرجع السابق

[3] مروان الغفوري، 17 عاما من العبودية، منشور على صفحته (فيسبوك)، مايو 2026 (ضمن المنشورات التي جمعها الباحث)

[4]  هادي: رئيس معجون بالحقد والقروية الصغيرة وبائع للوطن"، منشور متداوَل على وسائل التواصل، مايو 2026.

[5] يحيى بن حسين العرشي، "الرئيس الشرعي في ذمة الله"، منشور على وسائل التواصل، 30مايو 2026م.

[6]   أحمد الشلفي، "هادي… حديث إلى رئيس يقاوم الهزيمة"، الجزيرة نت، 12 أبريل 2016، قسم الشؤون اليمنية.

[7]  سام الغباري، مرجع سابق.