منذالقدم، حملت محافظة تعز على عاتقها مسؤولية الريادة ومشعل العلم والتنوير وقيم التحرر التي جعلتها السباقة إلى رفض كل أنواع الظلم والتسلط، متسلحة بوعي أبنائهاوثقافتهم المتراكمة عبر أجيال.
وعلى تراب تعز، مرت حضارات متعاقبة ودول عدة ورثت منها الشيم الحضارية الأصيلة، إلا أنما تركته دولة بني رسول، التي تنافست فيها الأميرات والملوك على نشر العلم وبناءالمدارس العلمية، ترك بصمات واضحة على شخصية أبناء المدينة وشغفهم بالتحصيل العلمي.
يجمع المؤرخون على أنه خلال حكم الدولة الرسولية، الذي امتد خلال الفترة (626-858هـ)،عاشت اليمن أبهى عصورها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافيةومختلف نواحي الحياة.
ولم يكن التوجه العام لدعم التعليم، الذي مثّل سر نهضة الدولة والمجتمع، حكرًا على الملوك، وكان للملكات والأميرات دور بارز تفوق في كثير من الجوانب على الملوك أنفسهم؛ فبنت الأميرات 34 مدرسة علمية، وأنفقن بسخاء على بناء المدارس والجوامع وأربطة العلم والأسبلة ودور الطلبة والمكتبات، وشراء الكتب ونسخها، والإنفاق على العلماء والمشايخ وطلبة العلم.
ويخلّد التاريخ أسماء أميرات كثر كان لهن دور فاعل في دعم التعليم وعمل وقفيات لاستمرار الإنفاق عليه، كالأميرة مريم بنت شمس العفيف، التي بنت المدرسة العفيفية ومدرسةمغربة تعز ومدرسة ذي عقيب بجبلة، والدار الشمسي، ابنة الملك المنصور وأخت الملك المظفر، التي بنت ثلاث مدارس باسم «الدار الشمسي» في زبيد وعدن وإب، واختيار الدين ياقوت، مؤسسة المدارس الياقوتية، علاوة على أميرات سرن على النهج نفسه، كلؤلؤة زوجة الملك علي بن رسول، وجهة الطواشي معتب، وفاتن ماء السماء، وغيرهن.
ومايميز الدولة الرسولية، بحسب المؤرخين، ما يُعرف بالملوك العلماء الذين تولوا مقاليد الحكم ولم يتوقف شغفهم بالعلم، بدءًا بالملك الأول عمر بن رسول، الذي ألّف13 كتابًا في جوانب متنوعة، منها الفقهية والفلكية والطبية والزراعية، من ضمنها«الجامع في الطب»، و«المعتمد في الأدوية المفردة»، و«التفاحة في معرفة الفلاحة».
وخلال232 سنة من حكم الرسوليين، توسعت الدولة في تشييد المدارس العلمية التي كانت أشبه بالجامعات، في مجالات الطب والفقه واللغة والأدب والفلك والزراعة والكيمياء والفن وغيرها، وصارت اليمن قبلة للعلماء والباحثين من مختلف أنحاء العالم.
وزرعت الدولة الرسولية، عبر سياساتها التنويرية، في نفوس الناس حب العلم والمعرفة، وقرّب الملوك والأمراء العلماء، وفتحوا لهم أبواب القصور والدواوين، حتى صار بعض الناس يعكفون على التعلم ليسهل لهم الوصول إلى مجالس كبار قيادات الدولة.
انتهى حكم الدولة الرسولية، التي حكمت اليمن ومناطق واسعة من شبه الجزيرة العربية، إلا أن بصماتها العلمية بقيت واضحة على شخصية أبناء عاصمتها تعز، الذين ما يزالون يعيشون على القيم ذاتها التي زرعها أسلافهم الملوك، وعلى الشغف العلمي الذي لم تطفئه قرون مضت، ورفض كل مشاريع التجهيل والخرافة.


