نجا أحمد، بقلبه الصغير، بعد أعوام من النزاع عاش فيها مشاهد العنف والفقد والنزوح. فلم يكن التعافي الجسدي وحده ما يحتاج إليه؛ فقد تركت الحرب في داخله ندوبًا نفسية عميقة، تجلّت في الخوف والقلق والاكتئاب والانطواء واضطراب ما بعد الصدمة، بل تحولت بعض السلوكيات العدوانية إلى ملامح ثابتة في شخصيته. وحين التحق بجلسات دعم نفسي واجتماعي، فردية وجماعية، وجد فيها مساحة آمنة للتعبير عبر الفن عن مشاعره المكبوتة، فاكتشف مواهبه المدفونة واستعاد شيئًا من ذاته هناك. لقد كان الفن أداة تعافٍ أعادت إليه الإحساس بالأمان، وأوقفت في ذاكرته أصوات الرصاص، لتعود أصوات الطفولة أكثر حضورًا ودفئًا.
وقصة أحمد تشبه قصص آلاف الأطفال في مناطق النزاع ممن يواجهون آثارًا نفسية. وهذا ما تؤكده دراسات متعددة تشير إلى أن النزاع المسلح يُعد عاملًا محفزًا للعديد من المشكلات النفسية، لا سيما بين الأطفال الذين عاشوا مشاهد العنف والخوف وواجهوا النزوح إلى مناطق أخرى. ووفقًا لدراسة أجراها باحثون في مجلة صدمات الأطفال والمراهقين، يبرز اضطراب ما بعد الصدمة بوصفه أحد أكثر مشكلات الصحة النفسية شيوعًا بين هؤلاء الناجين الصغار. كما تظهر عليهم أعراض أخرى، مثل اضطرابات النوم وصعوبة التركيز ونوبات الهلع والسلوكيات الانسحابية والعدوانية، نتيجة التعرض المستمر للعنف والخوف والتهجير.

وبينما تترك الحرب ندوبًا عميقة في نفوس الأطفال، يُعد العلاج بالفن أحد المداخل المعتمدة ضمن برامج الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال، خاصة في البيئات المتأثرة بالنزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية. ويقوم هذا النهج على توظيف الفنون التعبيرية، مثل الرسم والمسرح والموسيقى والحكايات الشعبية، باعتبارها وسائل آمنة وغير لفظية؛ فالأطفال لا يحتاجون إلى صياغة كلمات قد يصعب عليهم إيجادها للتعبير عن مشاعرهم والتجارب الصادمة التي مروا بها. وتسهم هذه الطريقة في تخفيف قلقهم وتوترهم. وتؤكد التقارير الصادرة عن منظمة الصحة العالمية أن الأنشطة الفنية تساعد في تعزيز الرفاه النفسي وتقوية مهارات التكيف ودعم الترابط الاجتماعي. كما تعتمد اليونسكو هذا النهج في عدد من تدخلاتها في مناطق النزاع، معتبرةً الأنشطة الفنية أدوات فعّالة لتعزيز التعافي النفسي وبناء السلام. فآثار الفن لا تقتصر على الفرد، بل تمتد إلى تقوية التماسك الاجتماعي والحفاظ على الهوية الثقافية.
يتعرض الطفل في سياقات النزاع والأزمات لتجارب صادمة تؤثر في إحساسه بالأمان والاستقرار النفسي؛ لذلك تُعد المساحات الآمنة أحد المرتكزات الأساسية في برامج الدعم النفسي والاجتماعي. وتتخذ منظمات دولية، مثل اليونيسف، هذا النهج في تدخلاتها الإنسانية في مناطق النزاع، كما حدث في مشروع لتقديم أنشطة الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال في المساحات الآمنة بمدينة سيئون، في مرحلته الثالثة عام 2023. وقد أُنشئت مساحات آمنة مارس فيها الأطفال أنشطة متعددة، منها الرسم والتلوين ومسرح الدمى، وكان لها أثر في معالجة مجموعة من مشكلاتهم النفسية والاجتماعية.
وفي تجربة محلية بمدينة سيئون عام 2025، ركّز المشروع على 25 طفلًا أظهروا آثارًا نفسية واضحة، كالقلق والتوتر والسلوك العدواني. وعمل فريق من الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين على تقييم احتياجات كل طفل من خلال مقابلات فردية وملاحظة سلوكه ضمن أنشطة المشروع، ثم صمّموا خطط تدخل فردية وجماعية تناسب حالته. ولعب العلاج بالفن دورًا محوريًا، إذ أتاح للأطفال التعبير عن مشاعرهم المكبوتة عبر الرسم والتلوين، مما ساعدهم على تفريغ انفعالاتهم واكتشاف مواهبهم الكامنة، وعزّز تعافيهم النفسي والاجتماعي.
أظهرت نتائج التقييم الختامي الذي أجراه الأخصائيون النفسيون والاجتماعيون، باستخدام مقياس الرضا عن الذات في العلاقات الاجتماعية، تحسنًا ملحوظًا في الحالة الانفعالية والسلوكية للأطفال المستفيدين. وتمثّل ذلك في انخفاض مظاهر القلق والتوتر والعدوانية، وتحسّن قدرتهم على التعبير عن مشاعرهم بصورة آمنة. وقد دعمت الأنشطة الترفيهية هذه العملية، وعزّزت روح التفاعل الإيجابي بينهم، وساهمت في إعادة بناء شعورهم بالأمان والانتماء. ويؤكد ذلك أن أثر التعافي لا يقتصر على المستوى الفردي، بل يمتد تدريجيًا إلى البنية الاجتماعية المحيطة. فالعملية تبدأ بتغيير داخلي بسيط لدى الطفل، ثم تتسع دائرة تأثيرها؛ فحين يستعيد شعوره بالأمان والثقة بالنفس ضمن المساحات الآمنة التي يمارس فيها مهاراته الإبداعية، يصبح أكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع الأسرة والأقران، وأقل ميلًا إلى السلوكيات العدوانية أو الانسحابية الناتجة عن الصدمات. وينعكس هذا التحول بدوره على المدرسة والمجتمع المحلي، ليشكّل خطوة نحو ترميم النسيج الاجتماعي المتصدع بفعل الأزمات.
يشكّل دمج الأنشطة الفنية في برامج الدعم النفسي والاجتماعي داخل المدارس والمراكز الثقافية، وتأهيل الكوادر التربوية على مبادئ المساحات الآمنة، وإحياء التراث المحلي بما يحمله من قيم مشتركة، خطوة عملية نحو بناء جيل أكثر وعيًا بذاته وأكثر قدرة على التعايش مع الآخرين. كما أن تعزيز الشراكات بين المؤسسات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني، وإشراك الأسر في الفعاليات الفنية، يوسّع دائرة الأثر من الطفل إلى المجتمع بأكمله. فبناء السلام يبدأ من مساحات صغيرة آمنة تُزرع فيها الثقة، ومن حكايات تُروى وأصوات تتلاقى لإعادة ترميم ما تصدّع وفتح آفاق لمستقبل أكثر تماسكًا.
ويبقى التعافي الحقيقي رحلة لا تتوقف عند حدود الفرد؛ فعندما يُمنح الطفل مساحة آمنة للتعبير واستعادة ثقته بنفسه وبمجتمعه، نضع حجر الأساس لمجتمع أكثر تماسكًا وإنسانية. ومن هنا، يصبح الاستثمار في المساحات الثقافية والفنية استثمارًا في السلام، وفي مستقبل تتقدم فيه قيم الحوار والانتماء على مشاعر الخوف والانقسام. فالفن لا يغيّر الواقع بين ليلة وضحاها، لكنه يغيّر طريقة رؤية الناس بعضهم لبعض، ومنه تبدأ أولى خطوات السلام الحقيقي.

