إذا كانت السياسة ترسم المصير، فإنّ الثقافة تشكّل ملامح المجتمع. ومِن تداخل الثقافة والسياسة، يُولَد مستقبل البلدان، فتنشأ الصورة الذهنية عند الآخر. هذا الثقل الذي تمثّله الثقافة، وعلى رأسها الفنون والإنتاجات الإبداعية، بات يتضاعف يومًا بعد آخر؛ لأنّها من أهم العوامل التي تُعطي انطباعا عامّا عن الشعوب. ففي التاريخ القديم، كانت سُمعة الإمبراطوريات ترسمها المعارك البطولية وشكل القصور التي يعيش فيها الملوك، والهيبة الوهمية التي صاغتها القصص الأسطورية. تطوّرت المجتمعات، ومع كل خطوة تقطعها البشرية، تتغيّر الذهنية التي يُنظر منها إلى البلدان، حتى باتت الإنتاجات الثقافية والإبداعية، هي المسألة الطاغية في تشكيل الهوية؛ إذ تمثّل التعبير الأبرز عن شعب معين، فقد لا يعرف الشخص أي تفاصيل عن كولومبيا، لكنه سبق أن سمع، بشكل أو بآخر، باسم ماركيز أو شاكيرا، ولا يمكن للفرد أن يسافر إلى باريس من دون زيارة متحف اللوفر، وما مصر في وجداننا لولا تراكمها الفني؟! أما فلسطين قد تحضر كثيرًا في عقول العرب، لكن إذا أراد أحدهم التعريف بها، فلا يمكنه التغافل عن استحضار شعر درويش، حتى بيروت عندما أرادت التعريف بجمالها، أرسلت صوت فيروز تحيةً وصلت إلى كلّ منزل. كم شخصا في العالم يحفظ اسم رئيس البرتغال؟ لكن الجميع يعرف كريستيانو رونالدو، كذلك اليمن، لا يمكن النظر إليها بعيدًا عن إرثها الجمالي. هذه الأهمية التي اكتسبتها الثقافة، بما في ذلك الفنون، إلى الحدّ التي أصبحت تُحدّد قيمة البلدان في الحياة المعاصرة، فهل بإمكانها تشكيل فارق ملموس؛ من أجل حماية المجتمع من التفكك؟

قبل بدء البحث عن إجابة، وجب التوضيح أنّ القصد بالثقافة الإنتاجات الإبداعية والفنية التي تندرج ضمن المجال الثقافي، الإنتاجات التي تُسهم في تشكيل تراكم ذهني يتحكّم في وجدان المجتمعات، ويخلص مع الوقت إلى حصيلة ثقافية متصلة بمعظم التفاصيل الهيكلية في المجتمع، من أصغر جزء في البنية الداخلية إلى أبرز ملمح في الشكل الخارجي، ومن السلوك الشخصي البسيط إلى عموم الوعي الجمعي، بل تحدّد كلّ اتجاه يتم المضي فيه بالتحديد في الحياة الحديثة، فالثقافة ركن أساسي في التركيبة الفكرية للشعوب، هذا الاشتباك، أو بالإمكان التعبير عنه: بالاختراق العميق في قوام المجتمع من قبل العناصر الثقافية، لا بد أنّه يستطيع المساهمة في تماسك الأمم، مهما تعرّضت لأضرار جسيمة كالحروب الأهلية مثلًا.
تعيش اليمن أسوأ أزمة إنسانية في العالم، ضربت عُمق المجتمع ونسيجه، ووصلت إلى وسطه الأُسري، ونالت من تقسيمه الجغرافي. ففي الأسرة قد تجد هناك شخصًا ضد أخيه. بينما توزّعت المحافظات تحت سلطات مختلفة، وشمل الانشقاق كُلّ البنى، بما فيها التنوّع الطائفي الطفيف، أو حتى التفرقة بالنَّسَب أو باللهجات. لكن ثمّة مشتركات ثقافية ما زالت تُسيطر على إحساس الكيانات المتناقضة والأشخاص المختلفين، فالعائلة التي توزّعت أيديولوجيًا، وأصبح فيها كل شخص مع طرف، يقيم أحدهم في مدينة، بينما الآخر في مدينة أخرى، قليلة هي الأشياء التي ما زالت تجمعهم، من بينها تلك الأغنية الجميلة لعليّ الآنسي أو أبو بكر سالم، والتي تنال من مشاعرهم العاطفية بالمستوى نفسه، وطبعًا، هذا ليس بجديد، أو خصوصية تحمله الحالة اليمنية، فالارتباط الفني استمر في مجتمعات أشد تجزؤا، مثل لبنان مثلًا، الذي انقسم فيها المجتمع بشكل طائفي مرعب إزاء الحرب الأهلية، بينما لم يكن يجمع الفرقاء المتحاربين شيء، سوى الاستماع لأغاني فيروز.
المشهد الحربي أيضًا، أحال الجغرافيا اليمنية إلى مناطق نفوذ وجهات وعصبيات، ومع ذلك، ثمة محافل فنية جميلة، تُعيد جمع المساحة تحت راية واحدة منها كرة القدم، فما إن يسجل ذلك الشبل الذي يمثل المنتخب اليمني هدفًا في مرمى منتخب آخر حتى يحتفل الجميع من دون السؤال عن منطقة اللاعب. وبينما يرفع منتخب الناشئين الكأس، تخرج كلّ المدن إلى الشوارع للاحتفال، وهو ما حصل سابقًا في احتفاء شبابي مهيب، تجاوز الانقسام الذي كان يراد ترسيخه استغلالًا لوضع مفكّك. وهذه أيضًا ليست المرة الأولى في الحياة، بل سبق أن فعلت كرة القدم ما هو أعظم، فقد كانت سببًا في إنهاء حرب طويلة في ساحل العاج. فمن لا يعرف القصة الشهيرة التي كان بطلها دروجبا، حين استغلّ تأهل بلده للمشاركة في كأس العالم 2006م، ووجّه خطابا جامعا للشعب والأطراف المتحاربة، يتمنّى منهم بأن يتوحّدوا خلف المنتخب، في حديث أثار شجون محلّية وضجة عالمية، لتُقام بعدها مباراة في إحدى مدن البلاد لأول مرة، وكانت البذرة التي أرست السلام، وأنهت حربا استمرت لسنوات.
الشواهد التي تقول: إنّ المجالات الثقافية قد تُزيل التمزّق، ولو مؤقتًا أو بشكل جزئي، عدة، فمثلًا بالفن، استطاع المؤلف الموسيقي محمد القحوم، صاحب فعاليات السمفونيات التراثية، في حفلاته أن يجمع كل المجتمع متجاوزًا الفرز الجهوي والمناطقي في الداخل، فاليمني الذي حضر ذهب؛ لكي يطرب بالفن اليمني، والأجنبي الذي أتى استمع إلى معزوفات تمثّل الثراء المتنوع في البلد. أيضًا، هناك مشاركون يمنيون سواء كانوا شعراء، أم فنانين غنائيين، يذهبون للبرامج العربية باسم اليمن، يحتشد خلفهم دعم يمني، ينشدون بوصفهم يمنيين، ويتلقون المدائح باسم اليمن، ناهيك عن المتنافسين بالجوائز الأدبية والثقافية، سواء مَن يحوزون عليها، أم مَن يكتفون بالترشّح لها. كل هؤلاء وغيرهم لا أحد منهم يجرؤ على القول بأنه يمثل فئة معينة، أو منطقة محدّدة، ليس لوعي ذاتي بأهمية الوطن، ولا لأنّ الجهات الخارجية لا تعترف سوى بهوية واحدة، بل لأنّ التمثيل الثقافي يُجبره على الترفّع عن العصبيات الصغيرة. وهذا التمثيل لا يتم أمام الآخر، بل مع الداخل أيضًا، فمن الصعب قبول شاعر عنصري، أو فنان مناطقي، وفيما إذا كان هناك فرد فئوي، فمهما بلغ إبداعه، فلن يكون سوى شخص فئوي، قبل أي تعريف آخر. أيضًا، في سياق الثقافة والمجتمع، لا يمكن تجاهل أنّ أول خطوة توحيدية بين شطري اليمن كانت عبر اتحاد الأدباء والكتاب الذي جمع الأدباء في الشطرين قبل سنوات من الوحدة، ولا يمكن نسيان أنّ أهم محطّتين يمنيتين عبّرتا عن تطلعات المجتمع ثورتا سبتمبر وأكتوبر، وقد أسهم في نجاحهما وخلودهما فيما بعد الإنتاج الفني والأدبي الذي رافقهما.
التعبير الفني ومساهمته في تماسك المجتمع، له دلائل لا حصر لها، من أبرز تلك القرائن لوحة "غرنيكا" في الحرب الأهلية الإسبانية، والتي أصبحت مقدّسة عند الإسبان، ومنها يمكن معرفة وزن الفنان، وأثره على المجتمع في مقابل كل قياداته ونخبته. ففي ثلاثينات القرن الماضي، وبينما اشتعلت حرب أهلية في إسبانيا، انتهت بوصول فرانكو للحكم، واستمر لقرابة أربعة عقود، أي ما يقارب حياة جيل ونصف، لكن ما إن أفل، حتى بات اسمه مقرونًا بالعار، للحد الذي باتت أبرز أندية كرة القدم الإسبانية المتنافسة تتصارع في إثبات أن فرانكو كان داعمًا لخصمها، وتنفي أي صله لها بالحاكم الإسباني الشهير وفترته. بينما الإسبان لا يمجدون شيئا من فترة الحرب، أو ما بعدها، سوى لوحة "غرنيكا" الخالدة، التي رسمها بيكاسو بعد قصف منطقته، وسمّاها باسم تلك المنطقة، لتعرف فيما بعد باللوحة التي جمعت الإسبان؛ لأنهم أصبحوا يجدون أنّها تعبّر عن تلك المأساة، وتجسّد حقبة من المعاناة، بينما يتّخذونها مرجعا للاتفاق، فكلّما بدر اختلاف نخبوي أو شعبي، التفت الإسبان إلى تلك اللوحة، وتذكروا بأن عليهم أن لا يقتتلوا مرة أخرى.
صحيح أنه في اليمن، وفي هذه الحرب المستمرة منذ أعوام، لم تولد مادة فنية رفيعة تجسّد الواقع، ويجدها الجميع بأنها عمل يعبّر عن توق مشترك، وتحاول الدفع نحو الانتقال إلى مرحلة تالية، ما زال هناك تراكم سابق يجمع حوله المجتمع، ومحمي من التدمير الحربي، فبعد سنوات من فرض خطابات من خلف التاريخ، وصعود الأصغر إلى المنصات، ما زال المجتمع يفاخِر بأنه من بلاد عبد العزيز المقالح، ويتبادل أبيات البردوني، ويجد بأن أحمد فتحي يمثله، ومتمسكًا بأصول بلقيس وأروى، وفي المساء يقترح أغاني محمد سعد لفنانة شابة في البعيد، تبحث عن شيء يمني؛ كي تعيد غناءه على حسابها في تيك توك. وما إن تحضر أغنية "دا اللي حصل لي" حتى يحاول التعريف من جديد بكاتبها وملحنها الحضرمي الذي جاب الأرجاء، بينما يشعر بالخجل ما إن يتلقى مجاملة صغيرة من أجنبي يشير إلى ما هو ضئيل، وما يجب أن لا يطغى، ولا أن يظهر باسم اليمن، هذا الاحتشاد خلف ما هو فني وإبداعي، يكفي للقول بأنه يجعل المجتمع متماسكا، ولو رمزيًا أو وجدانيًا.
طبعًا، لا شك بأن هناك مشتركات ثقافية تحافظ على المجتمعات من التفكّك، لكن قد يكون ذلك لصالح "الشوفينية" الوطنية. وهنا قد تستجد مشكلة، وكشخص يشعر بأنه يجب تجاوز حتى الهوية الوطنية، إلى فضاء أمدّ من الحدود المحلّية، فالاحتشاد الوطني ليس المبتغى الذي يفترض التوقّف عنده، بل الانتماء الإنساني الواسع. لكن هذه الأخيرة تأتي في مرحلة تعقب الوطنية، فلا يمكن الانتقال من العصبيات الضيقة، إلى نظرة متساوية لكل المجتمعات في خطوة واحدة، بل كمرحلة أولية يبدأ الإنسان بالتخلّص من المحدّدات الصغيرة لصالح التفكير الوطني العام. وذلك سيسهّل فيما بعد لانتقاله إلى مرحلة أخرى، ويجعله ينظر للعالم بتفهم أكبر. فالشخص قبل أن يذهب للإعجاب بلوحات دا فينشي، يفترض أولًا أن يرى إنتاجات هاشم علي بمعزل عن منطقته وتفكيره وتوجهه، وهكذا مع كل الفنون. بالمقابل، عندما تشدّك لوحات هاشم علي لقيمتها الإبداعية، ستذهب تلقائيًا للإعجاب بلوحات دا فينشي بعيدًا عن أي تفاصيل. أي أن الامتلاء بالثقافة المحلية يأتي مبدئيًا لجعل المجتمع متماسكا من التجزؤ الداخلي، ومن ثم، بالإمكان الذهاب به إلى إنسان ينحاز إلى الإنتاج الإبداعي العالمي. فالوطنية ليست المرحلة الأخيرة، بل خُطوة تُسهم في صناعة إنسان سويّ إلى حد ما، وجاهز للمرحلة التالية. وبالتالي، عند الوصول إلى شخص بهذا الوعي، يمكن أن تأتي النجاة، ليس الحفاظ على التماسك الاجتماعي فحسب. فالإنسان الذي يقدّر أديسون لما قام به تجاه الحياة، سيكون من الصعب عليه العودة والتمترس حول خطاب يصعّد من فكرة متشدّدة ومظلمة؛ لأن ذلك سيجعله يشعر بالتضاؤل أمام نفسه، بالإضافة إلى أنّ النهج الكوني الذي اختاره سيجعله محل إدانة، وفي أسوأ الأحوال، لن يكون أكثر من شخص دَعِي وحسب.

