في أعقاب الأحداث السياسية الأخيرة التي جرت في محافظة حضرموت، برزت حالة من الانقسام السياسي انعكست آثاره على المجتمع المحلي، وأمدت أوج الخلافات إلى العلاقات الاجتماعية ومساحات الحوار العامة، وقد أثار ذلك مخاوف بشأن تراجع حالة التماسك التي عُرفت بها حضرموت تاريخيًا، الأمر الذي دفع مهتمين بالشأن الثقافي إلى التأكيد على أهمية استعادة دور الثقافة بوصفها مساحة جامعة قادرة على التقريب بين الناس وتعزيز قيم التعايش والتسامح والحفاظ على الهوية المشتركة، خاصة في أوساط الشباب، إذ برزت في لحظةٍ تتسع فيها مسافات الخلاف جلسات الصالون الأدبي في مدينة سيئون التي يحتضنها مركز سيئون الإبداعي، كمبادرة ثقافية تسعى إلى نقل التراث الأدبي والحكايات الشعبية إلى الأجيال الجديدة، وخلق منصة مفتوحة للحوار تجمع الأدباء والمثقفين والشباب من مختلف مناطق وادي وصحراء حضرموت، لتطرح هذه التجربة نموذجًا لدور المبادرات الثقافية في التخفيف من آثار الانقسام السياسي والإسهام في تعزيز التماسك المجتمعي والهوية الجامعة.

وفي إطار تعزيز التماسك الاجتماعي وبناء السلام في اليمن والذي ترعى برامجه منظمة اليونسكو للحفاظ على التراث الثقافي، يسهم الصالون الأدبي الذي بدأ جلساته الأولى في العام 2024م في فتح نوافذ للحوار وتبادل الأفكار وإحياء الموروث الأدبي المحلي، من خلال جلسات تعتمد على قراءة النصوص الأدبية واستحضار الحكايات الشعبية والتجارب التي شكّلت وجدان المجتمع الحضرمي عبر عقود طويلة لتقديمه بأساليب حديثة تجعل منه قريبًا من اهتمامات الشباب وأكثر حضوراً في حياتهم اليومية لتتحول جلسات الصالون إلى مساحة تفاعلية يتبادل فيها المشاركون النصوص والآراء، ويستعيدون من خلالها قصصًا وحكاياتٍ شعبية تُعبّر عن الهوية المحلية، في محاولة للحفاظ على التراث الشفهي من الاندثار، وتعريف الأجيال الجديدة بجذورها الثقافية.
ومع الأحداث التي شهدتها بعض مناطق حضرموت خلال شهري ديسمبر ونوفمبر من العام المنصرم 2025م، والتي أثارت مخاوف من تأثيرها على حالة الاستقرار التي عُرفت بها المحافظة، يكتسب الصالون الأدبي أهمية إضافية إذ يحرص المشاركون على التطرق إلى هذه الأحداث من زاوية ثقافية ومجتمعية عبر نقاشات تسلط الضوء على أهمية الحوار ونبذ العنف وتعزيز قيم التعايش بين أبناء المجتمع، كما يؤكد "فهمي عرفان" أنّ الثقافة يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في مواجهة الانقسامات من خلال توفير مساحة آمنة للنقاش وتبادل الآراء وتشجيع الشباب على تبني مبادرات إيجابية تركّز على البناء والإعمار بدلًا من التخريب وتعيد توجيه الاهتمام نحو تنمية المجتمع وتعزيز استقراره .
أكثر من عام حتى الآن والصالون الأدبي بجلساته المستمرة بشكلٍ شهري منتظم في مركز سيئون الإبداعي، ما أسهم في ترسيخ الصالون الأدبي كأحد أبرز الأنشطة الثقافية في محافظة حضرموت، بحضور عدد من المشاركين من مديريات ساه والقطن وشبام المتاخمة لمديرية سيئون مركز وادي حضرموت. إضافة إلى توسّع الصالون الأدبي لتشمل جلساته مديرية القطن لبعد المسافة على المشاركات الحضور إلى مدينة سيئون لحضور الجلسات ما أضفى هذا التعدد ثراء واضح على النقاشات والقراءات الأدبية، إذ تحوّلت الجلسات إلى مساحة تلتقي فيها تجارب مختلفة ورؤى متعددة ما أسهم في تعزيز الحوار الثقافي وتبادل الخبرات ورسّخ روح التفاعل والتقارب بين أبناء مديريات وادي حضرموت ضمن إطارٍ أدبي يجمعهم على الاهتمام بالكلمة والتراث والهوية.
وتُعد جلسات الصالون الأدبي فرصة لتعزيز تبادل الأفكار والرؤى بين المشاركين، حيث تتيح النقاشات المفتوحة للحضور التعبير عن آرائهم ومشاركة تجاربهم الأدبية، ما يسهم في خلق حوار ثقافي متنوع يعكس اهتمامات المجتمع المحلي وتطلعاته وأضفى تعارف بين مجموعة من الشباب الذين يكتبون في عدة مجالات، وساهم بشكل كبير في ربط أعضاء الصالون الأدبي بأساتذة في مجال الكتابة للتطوير من كتاباتهم، في حين تتنوع موضوعات الجلسات بين الأدب والشعر والسرد القصصي وخواطر متناثرة، إلى جانب مناقشة القضايا الثقافية والاجتماعية التي تمس المجتمع، وهو ما يجعل من الصالون منصة حية للحوار الثقافي، تتجاوز حدود النشاط الأدبي التقليدي.
ولعل مساحة النقاش الثقافي الذي أسهم في توفيره الصالون الأدبي في مدينة تفتقر إلى الملتقيات الأدبية المنتظمة، خلق بدرجة كبيرة التعرف على مجموعة من الشباب والفتيات الكتّاب في مجالات مختلفة من القصة القصيرة والشعر والرواية والخواطر المتناثرة، وأعطي مجال كبير للمشاركين بإلقاء مشاركاتهم الأدبية في بيئة مشجعة على الإبداع، حيث شهد الصالون تدشين إصدارين أدبيين جديدين للأديب والكاتب مبارك بن جوهر، أحدهما رواية أدبية والآخر كتاب في أدب الرسائل، حيث جرى توقيع النسخ وتوزيعها على الحاضرين، في أجواء احتفاءية عكست روح الألفة بين الكاتب وجمهوره، وأعادت إحياء تقاليد اللقاءات الأدبية المباشرة بين الأُدباء والقرّاء.
وتؤكد منسقة الصالون الأدبي في سيئون (نورة الجهمي) أنّ الصالون يُركّز على هذه الفئات من خلال الأنشطة الثقافية؛ لتشجيعهم على تقديم النصوص الأدبية والمشاركات الفنية، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن أفكارهم وإبداعاتهم في بيئة داعمة ومحفزة.
ويبدو أنّ هذا التوجّه يعكس وعيًا بأهمية احتضان الطاقات الشابة وإتاحة المساحة أمامها للتعبير والإبداع، كما أنّ توفير بيئة مشجعة وداعمة للمشاركين يساعد على بناء جيلٍ أكثر ارتباطًا بالأدب والفنون وأكثر قدرةً على التعبير عن قضاياه وهويته الثقافية، وهو ما يمنح الصالون الأدبي قيمةً تتجاوز النشاط الثقافي إلى الإسهام في تعزيز الوعي المجتمعي وتنمية الحس الإبداعي لدى الشباب ليصبح الصالون حاضنةً ثقافية تسهم في اكتشاف المواهب وتنميتها.
ويمكن القول: إنّ الصالون الأدبي يشكل أداة فاعلة ومحتملة للتأثير في واقع المجتمع المحلي بما يتيحه من فضاء مفتوح للحوار وتبادل الأفكار وتعزيز الروابط الثقافية بين مختلف فئاته، إذ يشارك هذا التصور الروائي "مبارك بن جوهر" الذي يرى أنّ الصالون الأدبي يمكن أن يتحول إلى منصة مجتمعية مؤثرة يمتد دورها ليشمل الإسهام في تعزيز التماسك المجتمعي وترسيخ قيم الحوار والتسامح خصوصًا مع توسيع دائرة المشاركة واستمرار انعقاد الجلسات بصورة منتظمة.
في أكبر محافظة في الجمهورية اليمنية أصبحت الثقافة قادرة على جمع ما فرّقته السياسة لتصبح كل جلسة من جلسات الصالون الأدبي صرخة هادئة في وجه الانقسامات ودعوة صريحة للحوار والتقارب والتعايش، فهو جسر يربط الماضي بالحاضر ويعيد للمجتمع حضوره وهويته، ومع استمرار انعقاد الجلسات وتوسيع دائرة المشاركة يكون للصالون مبادرة ثقافية نموذجية تجمع بين الحفاظ على الموروث الأدبي وتعزيز قيم التسامح والتعايش، لتصبح حضرموت مثال حي على قدرة الأدب والثقافة على مواجهة الانقسامات وإحياء الروح المجتمعية.

