تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

الدان الحضرمي في تريم: هل نحمي اللحن أم نحمي المجتمع؟

الدان أنغام إبداع ××× عشاق له جم واتباع

وله مقامات أنواع ××× سماع أيضًا وإيقاع

للدان في المجتمع شأن ××× وله قواعد وأوزان

أسمار أشعار ألحان ××× يذوقها كل فنان

تلخص هذه الأبيات التي أوردها الشاعر والباحث جيلاني علوي الكاف في كتابه منظومة الدان، مكانة الدان الحضرمي في الوجدان الجمعي لأبناء حضرموت، ولا سيما في مدينة تريم. وقد تعزّزت هذه المكانة حين أُدرج الدان في ديسمبر 2025م ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، ليصبح اعترافًا عالميًا بفنٍ يمثل هوية مجتمعٍ كامل، لا مجرد لونٍ غنائي.


غير أنّ هذا الاعتراف لا يمنح الدان شهادة تقدير فحسب، بل يحمّله مسؤولية الصون والتفعيل، بوصفه جسرًا للتواصل بين الأجيال وأداةً لبناء العلاقات الاجتماعية. فالدان في تريم ليس فنًا يُؤدّى في الأمسيات فقط، بل منظومة اجتماعية تُسهم في تعزيز الحوار وترسيخ قيم التماسك والسلام المجتمعي.

نشأ الدان في البيئة الصحراوية، حين كان الجمّالون يحدون الإبل في حلّهم وترحالهم، فتولّد من إيقاع الخطو صوتٌ غنائي بسيط حمل مشاعر التعب والحنين والتأمل. ومع الزمن، تحوّل هذا الصوت إلى ممارسة اجتماعية راسخة، انتقلت من الصحراء إلى الحواضر، وخصوصًا في مدينة تريم.

وتعود جذور الدان إلى القرن الخامس عشر الميلادي، إذ وردت لفظة “الدان” في قصائد الشاعر والعالم الصوفي عمر بن عبدالله بامخرمة، المتوفى سنة 952هـ بمدينة سيئون، وذلك حسب دراسات بحثية متعددة عن تاريخ الدان والتي منها دراسة للأستاذ المؤرخ: جعفر السقاف.

ومع انتقاله إلى المدن مثل سيئون وشبام، تشكّل ما يُعرف بالدان الحضري، الذي استلهم ألحان البادية وأضاف إليها تنويعات لحنية أوسع. وأسهم شعراء وملحنون في تطويره، من بينهم سعيد مبارك مرزوق، وحداد بن حسن الكاف، مستور حمادي، سالم عبدالقادر العيدروس، وسليمان بن عون وغيرهم، حتى أصبح الدان أكثر ثراءً في البناء اللحني والموضوعات، مع احتفاظه بروحه الجماعية.

جلسات الدان في تريم: مدرسة اجتماعية مفتوحة

تُعد جلسات الدان في مدينة تريم التاريخية حاضنة العلم والثقافة والفنون، مساحة اجتماعية فاعلة، يجتمع فيها الشعراء والمغنون وعشاق الفن من مختلف الفئات: الحرفيون، البناؤون، طلبة العلم، وكبار السن. وتعد هذه المجالس فضاءً لإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية وتعزيز لغة مشتركة بين أفراد المجتمع.

كانت الجلسات تُعقد بروح عفوية؛ يبدأ المغني، فيرتجل الشعراء الأبيات، ويتفاعل الحاضرون معها.

ويعتمد نجاح الجلسة على عناصر أساسية:

المغني: الذي يفتتح اللحن.

الشعراء: الذين ينسجون الأبيات.

الملّقن: الذي يساعد على تذكّر النصوص وضبط الإيقاع.

مع التطور العلمي التقني الفني والموسيقي ظلت جلسات الدان مُحافِظةً على طابعها الأصلي وذلك لعدم دخول أية آلة إيقاعية أو موسيقية في الجلسة خاصةً في المدن الرئيسية (تريم – سيئون – شبام) والواقع إنّ هذه الجلسات لفتت أنظار الكثير من السياح والزوار العرب والأجانب لتفرد طقوسها، بل اعتبرها البعض شكلاً من أشكال الغِنَاء غير المصاحب لأي آلة سواء كانت إيقاعية أو موسيقية في الجزيرة العربية في العصور السابقة في الإسلام، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الدان لون شعبي قديم في المجتمع.

من أبرز الشخصيات التي لعبت دورًا محوريًا في إحياء جلسات الدان في تريم هو الشاعر والمُلحن والأديب العلامة عمر بن حسن بن عبدالله الكاف، الملقب بـ "حداد" أحد أعمدة الدان الحضرمي في المدينة، حيث كان بيت حداد ملتقى للشعراء والفنانين، وتُعقد فيه جلسات الدان، ويُقدم الدعم للفنانين الناشئين من مختلف الأعمار. وكان حداد بن حسن، إلى جانب كونه شاعرًا ومُلحنًا، يشجع الهواة ويدعمهم، بالإضافة إلى أنّه كان يُقدّم كل الموارد اللازمة لإنجاح الجلسات من طعام وراحة (حسب ما أورده لنا حفيد الشاعر السيد زين حامد الكاف).

تُعد جلسات الدان وسيلة فعّالة لبناء الروابط بين أفراد المجتمع، وتعمل على تعزيز الحوار بين الأجيال المختلفة. حيث أُسست مؤخرًا فرق ثقافية في تريم مهتمة بالدان وجلساته مثل "فرقة الغّناء للدان الحضرمي" و"منتدى قل دان الثقافي"، الذي ينظم فعاليات محلية ودولية.
( التي أخبرنا بها الأستاذ عيدروس العيدروس رئيس فرقة الغّناء للدان الحضرمي).

الدان كحوار ناعم وضابط اجتماعي

ويُمكن القول: أنّ الدان أداة حوار مجتمعي راقٍ. فعندما تُطرح قضايا مثل تكاليف الزواج، أو قيم التكافل، أو الأخلاق العامة، تُصاغ شعرًا في أجواء ودية، فيتحول الفن إلى وسيلة معالجة بلا صدام.

قال الشاعر والملحن أحمد عمر شماخ:

لغصان يشكين من ثقل العناقيد محنيه

كله سببها السَّتر لي هي على الحيط ملويه

لو كان ليد تصل كل يد وصلت الى عنقود

تشير هذه الأبيات برمزية إلى تكاليف الزواج الباهظة في مدن حضرموت، التي عبّر عنها الشاعر بالسَّتر ( جمع سُتْرة ) وهي الأسوار المقامة حول البساتين.

بهذه اللغة الشعرية، كان الدان يُعالج القضايا الدينية والاجتماعية، فيرسّخ القيم الأخلاقية ويعزز الوعي الجماعي دون توتر. إنّه «حوار ناعم» يُعيد ضبط الإيقاع الاجتماعي من الداخل، ويمنح المجتمع فرصة التعبير والتصحيح بروح جماعية.

وقد ارتبط الدان الحضرمي بعدد من المناسبات الدينية والروحية، حيث يُستخدم لنشر القيم الأخلاقية والاجتماعية. وكان يُستخدم أيضًا لتكريم الشخصيات البارزة في الفن والشعر، مثل جلسة الدان التي أُقيمت في ذكرى وفاة مغني الدان عوض بن يسلم بريك في عام 2016م بمدينة تريم. هذا الارتباط الروحي منح الدان بُعدًا أخلاقيًا يتجاوز الطرب، ليُصبحَ أداة تذكير بالقيم الجامعة، وحارسًا للهوية الدينية والاجتماعية.

في العصر الحديث، أسهمت وسائل الإعلام في توسيع دائرة انتشار الدان. فقد نقلته القنوات الفضائية، مثل قناة حضرموت وتلفزيون حضرموت، إلى جمهور أوسع، كما لعبت منصات التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا في تعريف أجيال جديدة به داخل اليمن وخارجه. إنّ انتقال الدان من المجلس إلى الشاشة لم يُلغِ جوهره الجماعي، بل أتاح له فضاءً أوسع للتعريف بالهوية الحضرمية وتعزيز حضورها عالميًا. غير أنّ التحدي يبقى في الحفاظ على روحه الحيّة، حتى لا يتحول إلى عرضٍ بلا سياق اجتماعي.

وتعد الاستدامة الثقافية حجر الزاوية في الحفاظ على فن الدان الحضرمي، فبفضل نقل هذا الفن بين الأجيال، يمكن ضمان استمراريته، وهذا سوف يساهم في تعزيز الهوية الثقافية المحلية وحمايتها من التحديات المعاصرة، وسيسهم أيضًا في تعزيز مكانة حضرموت الثقافية على مستوى العالم.

لا يمكن التعامل مع الدان الحضرمي بوصفه مادة فولكلورية للزينة الثقافية. إنّ إدراجه في قائمة التراث العالمي يضع المجتمع أمام خيار واضح: إما أن يحافظ عليه ممارسةً اجتماعية حيّة، أو يفرغه من معناه ويحوّله إلى مشهدٍ احتفالي بلا روح.

في تريم، أثبت الدان قدرته على إنتاج الحوار، وضبط الخلاف، وبناء المعنى المشترك بين الناس. وفي زمن تتفكك فيه الروابط، يصبح التمسك به موقفًا ثقافيًا وأخلاقيًا، لا حنينًا إلى الماضي.

إنّ حماية الدان ليست حماية لحنٍ جميل فحسب، بل حماية لمدرسة اجتماعية علّمت أبناء حضرموت أن يتحاوروا شعرًا، ويتقاربوا إيقاعًا، ويبنون وحدتهم صوتًا بعد صوت. ومن هُنا، فإنّ السؤال الحقيقي ليس: هل نحمي اللحن أم نحمي المجتمع؟

بل إنّ اللحن ذاته هو أحد أشكال حماية المجتمع، وحفظ ذاكرته، وصون وحدته.

المراجع والمصادر:

  1. الكاف. جيلاني علوي. منظومة الدان . طبعة 2011م
  2. الكاف، جيلاني علوي. الدان صناعة وإتقان. الطبعة الأولى،  2017م.
  3. بامطرف، محمد عبدالقادر. الشاعر الغزل حداد بن حسن بن عبدالله الكاف. الطبعة الأولى، 1928م.
  4. الكاف، جيلاني علوي. عميد الدان عاشق النغم حداد بن حسن الكاف. الطبعة الأولى، 2003م.
  5. الكاف، جيلاني علوي.  الدور الاجتماعي لفن الدان. ورقة بحثية، 2019 م.
  6. عبد الرب إدريس.  تقييم نقدي للأغنية اليمنية. رسالة دكتوراه،  1988م.

اللقاءات:

  1. لقاء مع السيد زين بن حامد بن حداد الكاف، حفيد عميد الدان الحضرمي والمسؤول عن توثيق وأرشفة حياة جده حداد بن حسن الكاف العملية والفنية.
  2. لقاء مع الباحث والمؤرخ في الدان الحضرمي، الفنان والملحن جيلاني علوي الكاف.
  3. لقاء مع الأستاذ عيدروس العيدروس، رئيس فرقة الغنـّاء للدان الحضرمي.
  4. لقاء مع الإعلامي والناشط في نشر فن الدان الحضرمي، الأستاذ حسن علوي الكاف.
  5. لقاء مع الشاعر الشاب كرامة عبيد بريك، أحد شعراء الدان الحضرمي.

لا يفوتك هذه المقالات..

[1] سام الغباري، "توضيحًا عن عمران عادت إلى حضن الدولة"، منشور على فيسبوك، مايو 2026 (ضمن مجموعة المنشورات التي جمعها الباحث)

[2]  المرجع السابق

[3] مروان الغفوري، 17 عاما من العبودية، منشور على صفحته (فيسبوك)، مايو 2026 (ضمن المنشورات التي جمعها الباحث)

[4]  هادي: رئيس معجون بالحقد والقروية الصغيرة وبائع للوطن"، منشور متداوَل على وسائل التواصل، مايو 2026.

[5] يحيى بن حسين العرشي، "الرئيس الشرعي في ذمة الله"، منشور على وسائل التواصل، 30مايو 2026م.

[6]   أحمد الشلفي، "هادي… حديث إلى رئيس يقاوم الهزيمة"، الجزيرة نت، 12 أبريل 2016، قسم الشؤون اليمنية.

[7]  سام الغباري، مرجع سابق.