ليست الخسائر المادّية والبشرية وحدَها ما خلّفته الحرب في اليمن في العشر سنوات الأخيرة، فإلى جانب ذلك، أحدثت شروخًا وتصدّعات عميقة في النسيج المجتمعي. تجسّد ذلك في تفشّي الانقسامات المناطقية، وتحديدًا داخل المجتمع المحلّي في محافظة تعز، مدفوعة بجُملة من العوامل، في مقدّمتها الحصار المفروض على المدينة منذ ما يربو على عقد من الزمن، والذي تسبّب بإغلاق الطرق الرئيسية التي تربط أحياء المدينة ومناطقها الريفية بعضها ببعض، بعد أن كانت تمثّل فضاءات للتفاعل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
ومع إغلاق تلك الطرق، تشكّلت حالة من العُزلة القسرية بين مناطق كانت تاريخيا متداخلة ومتماسكة، فالحصار لم يخلق حدودًا جغرافية فحسب، بل خلق معها حدودًا اجتماعية ونفسية داخل المجتمع الواحد والمدينة الواحدة، حين عزل مناطق مثل "الحوبان" (يسيطر عليها الحوثيون) عن مركز المدينة (تسيطر عليها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً)، وليس بينهما سوى بضعة أمتار.
تختلف ظروف الحياة اليومية والأمنية بشكل كبير في كلا الجانبين، وهو ما ساهم مع مرور الوقت في تفكّك الروابط العائلية والاقتصادية، وتوقّف الأعمال التجارية التي كانت تربط أجزاء المدينة المختلفة، ما أفسح المجال لنموّ تصوّرات نمطيّة عن "الآخر" الذي أصبح بعيدًا جغرافياً ونفسياً، وقد أضعف ذلك من التماسك المجتمعي وأنتج انقسامًا في نمط الحياة اليومية، وأفسح المجال لظهور مسمّيات تمييزية، ولغة فرزٍ مناطقية بات الناس يتداولونها بشكل اعتيادي، ومن دون وعي في كثير من الأحيان؛ ليصل الأمر إلى خلق هويّات مكانية متناقضة وإصدار أحكام مسبقة بناء على الانتماءات المناطقية، وتعميم سلوكيات فردية على مناطق بأكملها، الأمر الذي خلّف أثراً نفسياً عميقاً، وتسبّب بإحداث انقسامات داخل المجتمع التعزي.

تعكس تعز، إلى حدّ ما، نمطًا شهدته عدد من التجارب الدولية، فقد أظهرت الصراعات السياسية والعسكرية قدرة واضحة على تحويل الاختلافات الجغرافية إلى انقسامات ثقافية واجتماعية عميقة. وفي كثير من الحالات، لم تكن الحدود والمناطق بحدّ ذاتها سببًا مباشرًا للصراع، بل تحوّلت مع مرور الوقت إلى رموز لهويّات متقابلة يُعاد إنتاجها بالخطاب الإعلامي والسياسي. وتُشير دراسات في علم الاجتماع السياسي إلى أنّ الصراعات الممتدّة تُعيد تعريف المكان والجغرافيا بوصفهما حدودًا ثقافية واجتماعية بين الجماعات. وقد ظهر هذا النمط بوضوح في تجارب دولية مثل إيرلندا الشمالية والبوسنة، حيث أسهم طول أمد الصراع في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، لتتحوّل الجغرافيا تدريجيًا إلى علامة على الانقسام الثقافي والاجتماعي، حتى في مجتمعات عُرفت تاريخيًا بدرجة عالية من التعايش والتداخل.
وإذا كانت التجارب الدولية تُظهر كيف يمكن للصراع أن يُعيد تعريف الجغرافيا بوصفها حدودًا رمزية بين الجماعات، فإنّ الخطر الأكبر يكمن في ما يحدث بعد ذلك داخل النسيج الاجتماعي نفسه. فعندما تتحوّل المناطق إلى علامات على الانتماء، تبدأ أنماط جديدة من التمييز والاصطفاف في الظهور داخل الحياة اليومية، مِن طريقة توصيف النّاس بعضهم لبعض، إلى انتشار الصور النمطية والنكات الساخرة، وصولا إلى إعادة تشكيل شبكات العلاقات الاجتماعية على أُسس مناطقية تمييزية، وهذا ما نراه اليوم حاصلا في تعز.
لقد انعكست تلك الانقسامات المناطقية في عدد من المظاهر الاجتماعية، أبرزها تراجع مستوى الثقة الاجتماعية بين أبناء المجتمع الواحد، نتيجة انتشار صور نمطية ذات دلالات مناطقية تحمل في بعض الأحيان طابع الكراهية والتحريض. وقد أسهمت هذه التصورات في ترسيخ ثقافة "نحن وهم"، وذلك بتعميم سلوكيات فردية على قرى ومناطق بأكملها، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التعامل بحذر مفرط مع من ينتمي إلى منطقة بعينها، استناداً إلى تلك الأحكام المسبقة. وقد بلغ الأمر إلى حدّ امتناع بعض ملاك البيوت في المدينة من تأجير منازلهم لأشخاص ينتمون لمناطق معينة، أو فرض شروط مسبقة عليهم.
ويعكس هذا التطور حجم التصدّعات التي أصابت النسيج الاجتماعي في المحافظة؛ إذ يعزّز ذلك مشاعر الإقصاء والظلم لدى الفئات المستهدفة، ما يؤدّي بدوره إلى زيادة حِدّة الاستقطاب وتقويض فرص الحوار والتفاهم، ويُضعف إمكانية ترسيخ ثقافة التعايش داخل المجتمع.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول: إنّ أخطر ما في الانقسامات المناطقية لا يقتصر على آثارها الراهنة فحسب، بل تأثيراتها العميقة على التماسك المجتمعي على المدى البعيد؛ إذ تطال تلك التأثيرات الأجيال الجديدة أيضا، فالأطفال والشباب الذين نشؤوا في ظلّ هذه الظروف قد يتبنّون هذه التصنيفات المناطقية كحقائق بديهية، وهو ما يُنذر بإعادة إنتاج للانقسام والتشظّي لسنوات قادمة. وهذا ما تحدّثت عنه أبحاث ودراسات أُجريت حول مجتمع ما بعد الحرب في البوسنة، وذكرت أنّ الأطفال الذين نشؤوا في بيئات اجتماعية منقسمة تَعزّزَ لديهم إدراك مبكّر بالهويات العرقية بوصفها حدودا فاصلة بينهم وبين الآخرين، الأمر الذي أسهم في استمرار الانقسامات الاجتماعية حتى بعد توقّف الحرب.
وعلاوة على ذلك، لا تقتصر آثار هذه الانقسامات على النسيج الاجتماعي وحده، لكنها تمتدّ لتؤثر في الإبداع الثقافي والفنّي في المدينة. فتعز، التي عُرفت تاريخياً بالحراك الثقافي والمسرحي والموسيقي، تحتاج إلى بيئة منفتحة تُشجّع على التلاقي والتفاعل بين مختلف فئات المجتمع. وعندما يسود مناخ الشكوك المتبادلة، تتقلّص المساحات المشتركة، ويتراجع الإنتاج الثقافي الذي يعكس الهوية الجامعة.
وهنا لا يمكن إغفال الدور الذي أدّته وسائل التواصل الاجتماعي في هذا السياق، فقد أسهمت في تضخيم الخطاب التمييزي عبر تداول النكات الساخرة والتعليقات المستفزّة، والمسمّيات التي تحمل دلالات سلبية وتكرّس الصور النمطية. فالسردية التي تُكرّر يومياً تتحوّل مع الوقت إلى "حقيقة اجتماعية" يصعب إلغاؤها، وهو ما تُشير إليه أدبيات الإعلام الرقمي وتقارير اليونسكو، التي تؤكّد أنّ التكرار المستمرّ للصور النمطية والخطابات التمييزية في الفضاء الرقمي يمكن أن يحوّلها مع الوقت إلى ما يشبه "الحقيقة الاجتماعية" في وعي الجمهور، ما يُفاقم الانقسامات ويُعيد إنتاجها في الواقع الاجتماعي. لذلك يبقى إدراك خطورة هذه الكلمات هو الخطوة الأولى والأهم نحو التغيير. فالمجتمع لا يتفكّك دفعة واحدة، بل بكلمات تتكرّر، ونكات تمرّ بلا مساءلة، وتصنيفات تُقال بلا تفكير، وبدون وعي في كثير من الأحيان.
وأمام هذه التحولات الاجتماعية التي أفرزتها الانقسامات المناطقية، يصبح من المهم العودة إلى التاريخ لفهم طبيعة المجتمع التعزّي واستحضار ملامح هويته الأصلية، فقد عُرفت تعز عبر تاريخها الثقافي العريق بتنوّعها الاجتماعي وانفتاحها على مختلف البيئات اليمنية. وحين نقرأ تاريخ المدينة، تتّضح صورة مغايرة تماما لما هو عليه الواقع اليوم، فقد كانت عبر قرون ملتقى للتجار والعلماء والطلاب والناشطين القادمين من مختلف مناطق اليمن. واحتضنت مؤسّسات تعليمية وثقافية أدّت دورا وطنياً يتجاوز حدود المحافظة. لقد شكّلت نموذجا للمدينة المدنيّة، التي تتعايش فيها خلفيات متعدّدة ضمن إطار ثقافي مشترك، حيث اختلطت العائلات من أصول مختلفة من دون أن يشكّل الانتماء المناطقي عائقًا أمام العلاقات الاجتماعية. ومن هنا، يصبح استحضار هذه السرديات التاريخية ضرورياً لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، فحين يتذكّر المجتمع تاريخه المشترك ويدرك أبناء تعز أنّ هويتهم الجامعة أقوى وأعمق من أيّ انتماء فرعي، يُصبح أكثر قدرة على مقاومة خطابات الانقسام. وفي هذا السياق يرى عالم الاجتماع موريس هالبفاكس أنّ استحضار الذاكرة الجماعية للمجتمعات يساعد على إعادة بناء التضامن الاجتماعي وتعزيز الهوية المشتركة، خصوصاً في المجتمعات التي تمرّ بمرحلة انقسامات أو توترات اجتماعية.
وبناء على ذلك، يصبح من الضروري إدراك أنّ المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع أفراداً وإعلاميين ومثقّفين ومؤثّرين، في نبذ هذا الخطاب، والعمل على ترسيخ قيم المواطنة المتساوية ومبدأ التعايش. ويتطلّب ذلك رؤية شاملة تتجاوز المعالجات السطحية، بدءاً مِن تعزيز مفاهيم المواطنة والتنوّع واحترام الآخر في المناهج التعليمية والأنشطة المدرسية، مرورًا بدعم المبادرات المشتركة بتشجيع الأنشطة الثقافية والرياضية والتنموية التي تجمع أفرادًا من مختلف المناطق، وتُعيد بناء الثقة عبر العمل المشترك، وليس انتهاء بتبنّي خطاب ديني وإعلامي واعٍ ومسؤول تجاه المجتمع، يُعزّز الأواصر الاجتماعية ويقوّي تماسكه المجتمعي.
في نهاية المطاف، تمثل الانقسامات المناطقية في تعز واحدة من أخطر الظواهر التي أفرزتها سنوات الحرب وتمسّ عمق المجتمع، وتؤثّر على العلاقات اليومية فيه، فالحرب قد تتوقّف يوما ما بتوقيع اتفاق أو هدنة، لكن الشروخ الاجتماعية، إن تُركت دون معالجة، قد تمتدّ لعقود، وتنتقل من جيل إلى آخر. ما يجعل من الضروري استعادة هوية تعز الثقافية الجامعة وبناء جسور الألفة والثقة بين أبنائها، لضمان تعافي المجتمع وإقامة مجتمع متماسك يسوده التعايش ويجمعه المصير المشترك.

