تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

كيف تنقذ الوجاهة الاجتماعية السلم المجتمعي في حضرموت؟

في العاشرة من عمري، اقتفيتُ أثر والدي نحو تلك المجالس المهيبة، لأتلقى درسًا مبكرًا في فلسفة الاحتواء هناك رأيتُ خصوماتٍ بلغت حد القطيعة، ونزاعاتٍ على حدود الأرض، وحقوق التجارة تكاد تشعل فتيل أزماتٍ كبرى، لكنها كانت تتلاشى وتذوب أمام هيبة كلمة أو إيماءة وقار من وجيهٍ يمتلك من الرصيد الأخلاقي ما لا تملكه نصوص القانون الجافة. لقد أدركتُ حينها أنّ ما تمنحه الوجاهة الاجتماعية لحضرموت هو "نظام تشغيل أصيل" للتماسك الاجتماعي ففي حين يسعى القانون للفصل الحدي بين الغالب والمغلوب، تسعى الوجاهة لترميم العلاقة بين الخصوم محولةً النزاع من مواجهة قانونية باردة إلى صلحٍ إنساني مستدام.

هذا التوجه الحضرمي يتقاطع بعمق مع مفاهيم "العدالة التصالحية" التي هي استراتيجية قانونية تعتمدها دول كبرى ومؤسسات حقوقية مثل الأمم المتحدة، وتهدف إلى إصلاح الضرر بدلاً من مجرد معاقبة الجاني. وبينما يركز القانون التقليدي على الذنب والعقاب تركز العدالة التصالحية على المسؤولية والترميم، وتنادي بها كبرى المعاهد الحقوقية اليوم، ومن أبرز تجارب العدالة التصالحية تجربة رواندا (محاكم الجاتشا). فبعد الإبادة الجماعية لجأت رواندا للمحاكم التقليدية المجتمعية لحل ملايين القضايا التي عجز عنها القضاء الرسمي؛ مما ساهم في دمج المجتمع مجددًا. وفي جنوب أفريقيا اعتمدت لجنة الحقيقة والمصالحة على مبدأ أوبونتو (الإنسانية تجاه الآخرين) وهو ما يشبه تمامًا مبدأ الجبر والمروءة الحضرمي. وتشير بعض الأبحاث لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أنّ أكثر من 80% من النزاعات في الأرياف اليمنية تُحل عبر الوساطات القبلية والاجتماعية لسرعتها وانخفاض كلفتها وقدرتها على إنهاء الثأر.

سلطة الوجيه في حضرموت لا تأتي من تعيين رسمي إنّما من مشروعية القبول التي تُبنى على ثلاثة ركائز وهي الحياد التاريخي، حيث يكون الوجيه من أسرة أو خلفية معروفة بعدم الانحياز لمصلحة ضيقة، والحكمة، والخبرة إذ لابد أن يملك القدرة على تفكيك جذور المشكلة وربطها بالمصلحة الجماعية، وأيضًا الضمان المعنوي. فالوجيه عندنا يصدر حكمًا  يضمن بياض الوجه للمتنازل ويحول التنازل من ضعف إلى كرم ومروءة.

وتظهر قوة هذا المنطق بوضوح حين تعجز النصوص عن مداواة القلوب، فالمحاكم وإن أنهت القضية ورقيًا فإنّها غالبًا ما تترك وراءها ندوبًا عائلية لا تندمل بسهولة، بينما يرتكز عمل الوجيه على إقناع الأطراف بأن التنازل عن جزء من الحق المادي هو استثمار في "الستر والجيرة"، حيث يضع قيم قرابة الدم والعيش والملح في كفة، والمطالب المادية في كفة أخرى، ليخرج الجميع بوجوه بيضاء وقناعة تامة بأن ما يربطهم أثمن من أي تعويض.

ولعلَّ الذاكرة لا تزال تحتفظ بمشهدٍ هزَّ وجداني وأنا أراقب أحد تلك المجالس، حين احتدم الخلاف بين ابني عمومة على قطعة أرض موروثة، حتى وصل الأمر إلى شحن السلاح وتبادل التهديدات، وفي اللحظة التي ظن الجميع أنّ الدم سيسيل تدخلت شخصية اجتماعية وقورة  ذكّرتهما بملامح وجه جدهما المشترك وبمستقبل أبنائهما فقط، وبذكاء تلك السلطة الأخلاقية رأيتُ السلاح يوضع جانبًا وانقلاب المشهد إلى موقفٍ أبكاني حيث ارتمى الاثنان في أحضان بعضهما يجهشان بالبكاء أمام عيني، في صلحٍ عجزت سنوات التقاضي عن تحقيقه.

إنّ هذا النوع من التحكيم يظل الملاذ الأكثر أمانًا للباحثين عن الحق والعدل، خصوصًا في المنعطفات التاريخية التي تضعف فيها مؤسسات الضبط الرسمي،  ومع ذلك ثمة فوارق جوهرية بدأت تطفو على السطح اليوم، ففي الماضي كانت كلمة الوجيه بمثابة مرسوم أخلاقي لا يقبل النقض بينما نشهد الآن حالة من التفلت وتقديم المصالح الشخصية الضيقة على التقدير الاجتماعي مما يهدد ركائز الأمان التي عاشت عليها حضرموت لقرون.

لذا فإنّ الحفاظ على مكانة الوجاهة الاجتماعية هو ضرورة أمنية ووجودية لحماية مستقبلنا. وهذا يتطلب بناء جسور ثقة حديثة بين الوجاهة والدولة، بحيث تُعطى هذه المرجعيات غطاءً معنويًا يسند أحكامها، مع ضرورة إبقائها بعيدة عن التسيس ومطامع السلطة. إننا اليوم أمام مسؤولية استعادة روح الكلمة وتعزيز دور الكبار في حل مشكلاتنا، فإما أن نحمي هذا النظام الذي أثبت نجاحه في أحلك الظروف، أو نترك النزاعات تتضخم لتتحول إلى صراعات تمزق نسيجنا الذي بنيناه عبر الأجيال بـالجبر والمروءة.

لا يفوتك هذه المقالات..

[1] سام الغباري، "توضيحًا عن عمران عادت إلى حضن الدولة"، منشور على فيسبوك، مايو 2026 (ضمن مجموعة المنشورات التي جمعها الباحث)

[2]  المرجع السابق

[3] مروان الغفوري، 17 عاما من العبودية، منشور على صفحته (فيسبوك)، مايو 2026 (ضمن المنشورات التي جمعها الباحث)

[4]  هادي: رئيس معجون بالحقد والقروية الصغيرة وبائع للوطن"، منشور متداوَل على وسائل التواصل، مايو 2026.

[5] يحيى بن حسين العرشي، "الرئيس الشرعي في ذمة الله"، منشور على وسائل التواصل، 30مايو 2026م.

[6]   أحمد الشلفي، "هادي… حديث إلى رئيس يقاوم الهزيمة"، الجزيرة نت، 12 أبريل 2016، قسم الشؤون اليمنية.

[7]  سام الغباري، مرجع سابق.