تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

حين يتحول التراث من جزءٍ من حياتنا إلى مجرد ذاكرة

كان التراث يومًا جزءًا من الحياة، لا يحتاج إلى تعريف ولا إلى تذكير؛ لم يكن كلمة في الصحف ولا عنوانًا لمهرجان، بل حضورًا يسكن تفاصيل الأيام العادية: في البيوت، ورائحة القهوة، والمجالس التي تمتد فيها الحكايات، والأسواق التي يعرف فيها الناس بعضهم قبل أن يعرفوا ما يبيعون ويشترون. عاش هذا الحضور في إيقاع الحياة البسيط، في أشياء تبدو عادية إلى درجة أننا لا ننتبه إليها، لأنها تحيط بنا كشيء مألوف لا نشعر بقيمته إلا حين يبدأ في الاختفاء.

ومع تغيّر الإيقاع وتسارع الحياة، بدأ هذا الحضور يتراجع بهدوء. انتقل جزء من التراث من الممارسة إلى الاستذكار، ومن العيش إلى الحنين. لم يعد حاضرًا في التفاصيل اليومية كما كان، وأصبح كثير منه ذكرى تُروى أكثر من كونه تجربة تُعاش. لهذا لم يعد التحدي اليوم في حفظ التراث بوصفه ذاكرة فقط، بل في إعادة إدخاله إلى نسيج الحياة اليومية حتى لا تتسع الفجوة بين الأجيال أكثر. وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا يبقى من التراث حين يغيب الفعل؟ وكيف تُصان الهوية إذا لم تُعش؟

في حضرموت، عاشت هذه الموروثات بصورة طبيعية وهادئة. يغنّي الفلاح وهو يعمل في الأرض، ويردّد الراعي أهازيجه في المراعي البعيدة، فتختلط الأصوات بنسيم الصباح وخطوات الحياة اليومية. لم تكن تلك الأهازيج مجرد غناء، بل جزءًا من العمل والتعب والفرح معًا، وعلامة على علاقة وثيقة بين الإنسان وما يصنعه بيديه وما يعيشه في يومه.

وكانت الحكايات أيضًا امتدادًا طبيعيًا للذاكرة، تنتقل بين الأجيال من دون تخطيط أو قصد. الجدة تروي للأحفاد قصصًا عن الماضي كما لو أنها تتحدث عن يومها، والطفل يسمع ويتخيل عالمًا يربط بين الأمس والغد. لم يحتج أحد وقتها إلى إعلان حملة للحفاظ على هذا التراث؛ لأن الناس أنفسهم كانوا يحملونه وينقلونه من جيل إلى آخر. كان التراث طريقة للعيش، وجسرًا يربط الإنسان بمحيطه، ويذكّره بأن الهوية لا تبقى ثابتة في الكتب، بل تنمو وتتجدد مع الناس.

ومع الوقت، بدأت التفاصيل الصغيرة التي كانت تشكّل نسيج الحياة اليومية في التراجع. قلّت المجالس التي تجمع الناس بلا موعد، وأصبح الوقت أكثر ارتباطًا بالالتزامات والعمل ونمط الحياة الحديث، بدلاً من أن يكون مساحة للحضور العفوي. الحِرف التي كانت تتوارثها الأيدي داخل البيوت بدأت تنتقل إلى الذاكرة، وتتحول من ممارسة حيّة إلى حكاية تُروى عن الماضي. وحتى في أسواق حضرموت القديمة، التي كانت تضج يومًا بأصوات الحرفيين، يمكن ملاحظة تراجع حضور بعض المهن التقليدية أو اقتصارها على عدد محدود من كبار السن.

ويشير الواقع إلى تراجع ملموس في بعض عناصر التراث الثقافي غير المادي، خصوصًا حين يضعف انتقالها من جيل إلى آخر. وتنبّه اليونسكو إلى أن استمرارية هذا النوع من التراث ترتبط أساسًا بقدرة المجتمعات على نقله وممارسته بصورة متواصلة. كما أن تغير أنماط العيش والتحضر المتسارع لعبا دورًا مهمًا في إعادة تشكيل العلاقة مع الموروثات المحلية؛ فمع انتقال نسبة متزايدة من سكان العالم إلى المدن، تقلصت في كثير من المجتمعات بعض المساحات التي كانت تسمح بممارسة التراث بوصفه جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية.

ومن هذا الابتعاد تشكّلت فجوة بين الأجيال؛ ليست بالضرورة فجوة صراع، بل فراغ خلّفه غياب المساحات التي كانت تجمع الناس تلقائيًا. حين تخفت المجالس، وتتراجع الحِرف، ويقلّ العمل المشترك، يصبح الحوار بين الأجيال أقل حضورًا رغم بقاء الرغبة فيه. يختفي المكان الطبيعي الذي تُقال فيه الحكايات وتُتبادل فيه الخبرات، فلا يسمع الطفل القصص كل مساء، ولا يشارك في تفاصيل الحياة الجماعية التي تعلّم من دون أن تتحول إلى درس مباشر.

ويظهر أثر ذلك بوضوح في الحِرف التقليدية، حيث تواجه كثير من المجتمعات تحديًا في جذب الأجيال الجديدة إلى بعض المهن والحِرف القديمة، في الوقت الذي يتقدم فيه عمر عدد من الممارسين الحاليين. وهذا لا يعني أن الشباب لا يهتمون بتراثهم، بقدر ما يكشف عن مشكلة في طريقة انتقال المعرفة والمهارة إليهم، وفي قدرة هذه الحِرف على إيجاد مكان لها داخل الحياة الحديثة.

تكبر بذلك مسافة غير مرئية بين الأجيال، مسافة لا تُقاس بعدد السنوات فقط، بل بغياب التجارب المشتركة. ومن هنا يبرز السؤال: ما الذي سيبقى، وكيف يمكن أن يُنقل؟ نتحدّث كثيرًا عن التاريخ، لكننا لا نعيش تفاصيله كما كان يعيشها من سبقونا. فكيف ستنتقل هذه الهوية إلى الجيل القادم إن لم يعشها معنا؟ كيف سيحفظ الطفل حكاية لم يسمعها، أو يتعلّم حِرفة لم يرها، أو يشعر بالانتماء إلى طقوس لم يشارك فيها؟

فالهوية لا تُورَّث بالكلمات وحدها، بل تنتقل بالتجربة والممارسة والمشاركة. يمكن أن نحدث أبناءنا عن الموروثات ونريهم صورها، لكن ذلك يظل مختلفًا عن أن يروها أمامهم، أو يمارسوها بأنفسهم، أو يعيشوا اللحظة التي وُلدت فيها الحكاية أو الأغنية أو الحرفة.

ولكي يعود التراث إلى موقعه الطبيعي في الحياة، لا يكفي أن نستحضره بوصفه ذكرى دافئة تُروى، بل نحتاج إلى أن نهيّئ له سبلًا جديدة ليُعاش في زمن تغيّر إيقاعه. فإحياء الحِرف يبدأ من أن تجد أيديًا جديدة تتعلّمها، وإعادة المجالس تكون بفتحها لوجوه جديدة تحمل أسئلة الحاضر وهمومه، لا بمجرد محاولة استنساخ الماضي كما كان.

كما يمكن لأدوات العصر أن تلعب دورًا مختلفًا؛ فلا تكتفي بتوثيق الممارسة بعد اختفائها أو حفظها داخل الأرشيف، بل تساعد على تقديمها بصورة جديدة، وعلى إيصالها إلى أجيال ربما لم تعد تصل إليها بالطريقة التقليدية. عندها لا يصبح الماضي شيئًا نتأمله من بعيد، بل خبرة يمكن أن تُجرّب، وحياة يمكن أن تتجدد بأشكال جديدة.

ولا يعني ذلك أن يعود كل شيء كما كان. فالمجتمعات تتغير، وأنماط الحياة تتبدل، والتراث نفسه لم يكن يومًا جامدًا. ما نحتاجه هو أن يحتفظ بقدرته على العيش والتطور، وأن يجد مكانًا في الحاضر بدل أن يبقى محصورًا في صور المناسبات أو صفحات الكتب.

ومع ذلك، لا تزال الذاكرة تحتفظ بتفاصيل كثيرة قادرة على العودة متى عاد المكان الذي تُقال فيه الكلمات، والوقت الذي يسمح بأن تُسمع. فالحكايات والأمثال والأغاني تحمل خبرات طويلة، والعادات والطقوس الجماعية تعيد الشعور بالعمل المشترك والانتماء، وفي الحِرف القديمة قصص تُروى بالأيدي قبل الكلمات، وتمنح من يتعلمها إحساسًا بالامتداد والاستمرار.

وتبقى الأسواق والمجالس مساحات يمكن أن يعود إليها اللقاء والحوار متى أُعطيت فرصة جديدة للحياة. كما تبقى كفوف الحناء، حين تجتمع حولها الأصوات والضحكات، تذكيرًا بأن بعض الطقوس لم تنقطع، وأن ما يجمع الناس قادر على العودة كلما وجدوا مساحة ومعنى مشتركًا يجتمعون حوله.

فالدفء الذي كان يملأ البيوت لم يختفِ تمامًا، لكنه يحتاج إلى من يمنحه مساحة جديدة. والتراث لا يحتاج فقط إلى من يتذكره، بل إلى من يعيشه ويمنحه فرصة أخرى للاستمرار.

المراجع

  1. منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ما هو التراث الثقافي غير المادي؟
    https://ich.unesco.org/en/what-is-intangible-heritage-00003
  2. البنك الدولي، السكان الحضريون (كنسبة مئوية من إجمالي السكان).
    https://data.worldbank.org/indicator/SP.URB.TOTL.IN.ZS
  3. مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، برنامج الاقتصاد الإبداعي.
    https://unctad.org/topic/trade-analysis/creative-economy-programme

لا يفوتك هذه المقالات..

[1] سام الغباري، "توضيحًا عن عمران عادت إلى حضن الدولة"، منشور على فيسبوك، مايو 2026 (ضمن مجموعة المنشورات التي جمعها الباحث)

[2]  المرجع السابق

[3] مروان الغفوري، 17 عاما من العبودية، منشور على صفحته (فيسبوك)، مايو 2026 (ضمن المنشورات التي جمعها الباحث)

[4]  هادي: رئيس معجون بالحقد والقروية الصغيرة وبائع للوطن"، منشور متداوَل على وسائل التواصل، مايو 2026.

[5] يحيى بن حسين العرشي، "الرئيس الشرعي في ذمة الله"، منشور على وسائل التواصل، 30مايو 2026م.

[6]   أحمد الشلفي، "هادي… حديث إلى رئيس يقاوم الهزيمة"، الجزيرة نت، 12 أبريل 2016، قسم الشؤون اليمنية.

[7]  سام الغباري، مرجع سابق.