في مجتمعٍ اعتاد أن يحتكم أحيانًا إلى السلاح لحسم خلافاته، يبرز سؤالٌ جوهري عن ماذا لو كانت الكلمة المغنّاة أبلغ من الرصاصة؟ ماذا لو تحوّل الخلاف إلى قصيدة والخصومة إلى لحن؟ هنا يتقدّم الدان الحضرمي بوصفه فنًا شعبيًا عريقًا يتجاوز الطرب والتسلية ليشكّل مساحةً للتعبير، ومنبرًا للنقاش وأداةً لاحتواء التوتر. ينطلق هذا المقال من فكرةٍ أساسية مفادها، أنّ الدان الحضرمي يمكن أن يكون وسيلةً فاعلة للحوار المجتمعي، وبديلًا ثقافيًا عن التصعيد والصدام بما يحمله من رمزية ونَفَسٍ شعري وأعرافٍ تنظّم جلساته.
يقوم الدان الحضرمي على بنيةٍ حوارية قائمة على تبادل القول والرد، حيث يفتتح أحد الشعراء ببيتٍ أو مقطع، فيجيبه آخر ضمن سياقٍ منضبط تحكمه الذائقة والأعراف، وهو ما يجعله أقرب إلى مناظرةٍ شعرية راقية. غير أنّ هذه المناظرة لا تخلو من حدّةٍ في اللغة أو مواجهةٍ مباشرة، لكنّها تظل محكومة بسقف الكلمة، فلا تنزلق إلى العنف، بل تعبّر عن صراعٍ رمزي تُدار فيه الخصومة بالصور الشعرية والإيحاءات لا بالسلاح. وهذا ما يدعم الادعاء بأنّ الدان يمكن أن يكون وسيلةً للحوار، حتى حين يتخذ شكل منافسةٍ حادّة.

ويظهر ذلك بوضوح في مساجلةٍ شعرية أُقيمت في مدينة المكلا بساحة مسجد عمر بمناسبة عيد العمال عام 1982، وانتهت بالصلح بين الشاعرين باحريز وناجي بن علي الحاج. إذ يبدأ باحريز بقوله: «يا ليلة الرحمن…» مستحضرًا صورة ليلةٍ تصافت فيها القلوب، ومشيرًا إلى معاناةٍ شخصية يرمز إليها بـ"السَّفَر" (بمعنى الأثر أو الحكة)، قبل أن يختم بالدعاء بتيسير الأمور، وهو خطاب يجمع بين الشكوى والتلطيف. في المقابل، يأتي ردّ ناجي أكثر حدّة، إذ يوظّف صورًا قوية مثل تشبيه خصمه بـ"الهام" و"باصوقرة" (الثعبان)، في تعبيرٍ صريح عن التفوق والرغبة في الغلبة، بل ويذهب إلى تصوير مشهدٍ تخييلي يتمنى فيه لو أنّ أهل الحارة يشهدون انتصاره.
ومع ذلك، فإنّ هذه اللغة الحادة لا تخرج عن إطار اللعبة الشعرية؛ فهي لا تؤدي إلى قطيعة، بل تنتهي بالتصالح، كما يدل توصيف باحريز للمناسبة بـ"ليلة الرحمن" حيث "كل ساري سرى" وقلوبهم متصافية. وهنا تتجلى وظيفة الدان بوصفه شكلًا من أشكال “الصراع المؤطَّر” الذي يسمح بتفريغ التوتر والتنافس ضمن حدود جمالية واجتماعية متفق عليها، فيتحول النزاع من فعلٍ مادي إلى أداءٍ لغوي، ومن مواجهةٍ مباشرة إلى حوارٍ غير مباشر تحكمه البلاغة والتقاليد.
حين يتناول الدان موضوعًا خلافيًا، فإنّه يعيد تشكيله بوصفه “صراع كلمات” لا “صراع سلاح”، حيث تؤدي الألحان دور الوسيط الذي يخفف حدّة الطرح، وتتحوّل البلاغة إلى أداة إقناع بديلة عن القوّة. وبفضل طبيعته القائمة على الأخذ والرد، يمنح الدان كل طرف فرصة التعبير ضمن إطارٍ من الإصغاء المتبادل، وهو ما يلامس جوهر الحوار الحقيقي كما تجلّى في المساجلات التي تُدار فيها الخصومة دون أن تنفلت من ضوابطها الفنية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، يبرز الرمز بوصفه أداةً مركزية في شعر الدان، خاصة عند تناول القضايا السياسية أو الاجتماعية الحساسة؛ إذ يلجأ الشاعر إلى مفرداتٍ يومية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل دلالات أعمق تسمح بتمرير النقد أو العتاب دون تصريحٍ مباشر قد يثير التوتر. وبهذا الأسلوب، يغدو الدان فضاءً يوازن بين حرية التعبير والحفاظ على السلم الأهلي، فلا يُلغي الخلاف، بل يعيد صياغته بلغةٍ قابلة للاستماع والتداول، ويحوّل التوتر إلى معنى، والمواجهة إلى تأويل.
تُعقد جلسات الدان في أجواءٍ يسودها النظام والاحترام، حيث يتحلّق الحضور في دائرةٍ تتيح الإصغاء المتبادل، وغالبًا ما يشارك فيها أهل الرأي والحكمة، فتغدو الجلسة فضاءً اجتماعيًا منضبطًا. وفي هذا الإطار، يُطرح العتاب وتُقدَّم النصيحة في قالبٍ شعري يخفّف حدّة المواجهة ويمنح الكلام قبولًا أوسع. وقد عُرف في حضرموت أنّ مثل هذه الجلسات أسهمت في تخفيف حدّة بعض الخلافات القبلية والاجتماعية، إذ يُمنح كل طرف فرصة التعبير، بينما يتشكّل حولهم رأيٌ عامّ يثمّن التعقّل ويستهجن التطرّف، فتتحول الجلسة إلى مساحة تقارب، ويغدو الفن وسيلة ضغطٍ معنوي تدفع نحو الصلح دون إكراه.
يقوم الحوار على ثلاث ركائز أساسية: التعبير، الإصغاء، والقبول بالاختلاف، وتتجسّد هذه الركائز في الدان ضمن قالبٍ جمالي منظّم؛ إذ يوفّر الشعر فرصة للتعبير، وتُرسّخ طبيعة الجلسة تقاليد الإصغاء، كما تُنمّي روح المنافسة الفنية تقبّل الرأي الآخر. وبهذا يغدو الدان ممارسةً ثقافية تسهم في تدريب المجتمع على إدارة خلافاته بالكلمة، وترسيخ قيم السلام والتعايش ضمن سياقٍ فني واجتماعي متوارث.
تفضي هذه القراءة إلى أن الدان الحضرمي ينهض بدورٍ يتجاوز حدوده الفنية، بوصفه ممارسةً تُعيد تنظيم الخلاف داخل إطارٍ تعبيري قابل للتداول، وتمنح الكلمة وظيفةً اجتماعية في تهذيب التوتر وتوجيهه. فبفضل ما يتيحه من تفاعلٍ منضبط، وتكثيفٍ دلالي عبر الرمز، وحضورٍ جماعي يراقب ويقيّم، يتشكّل فضاءٌ يُدار فيه الاختلاف بوعيٍ جمالي يحدّ من الانفلات ويعزّز التعقّل. ومن هنا، يغدو الدان أداةً ثقافية قادرة على الإسهام في بناء التفاهم، عبر تحويل لحظة الاحتكاك إلى فرصةٍ لإنتاج معنى مشترك، وترسيخ منطق الكلمة بوصفه سبيلًا مستدامًا لتدبير التباين داخل المجتمع.
المصادر والمراجع
كتاب الدان صناعه واتقان تأليف جيلاني علوي الكاف
كتاب باحريز فارس المداره بعض أسعاره تأليف مجدي سالم باحمدان
كتاب الشاعر الغزل حداد بن حسن الكاف تأليف محمد عبدالقادر بامطرف

