تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

لماذا يعد إشراك المرأة اليمنية قاعدة أساسية لا استثناء؟

في مجتمعٍ يحاول أن يمشي بساقٍ واحدة ويصفّق بكفٍّ، تبدو خطواته مثقلة بالتعثر، وصوته خافتًا لا يبلغ مداه. فنهضة الأوطان لا تُبنى بنصف طاقتها، ولا يكتمل حضورها في العالم ما دامت تُقصي نصف مجتمعها عن دوائر الفعل والتأثير. وفي اليمن، حيث تتكاثف التحديات وتتعاظم الحاجة إلى كل جهدٍ مخلص، ظلّ حضور المرأة في المشهد الثقافي والاجتماعي أقرب إلى الاستثناء، رغم ما تختزنه من كفاءة وطموح وقدرة على الإسهام. والعودة إلى التاريخ تكشف أن المرأة لم تكن غائبة تمامًا عن المجال العام، غير أن صوتها لم يُمنح المساحة التي تعكس قيمته الحقيقية. ومن هنا تنبع الإشكالية: فالتنمية والاستقرار لا يتحققان بجهدٍ أحادي، بل يتطلبان اعترافًا صريحًا بإسهامات النساء في مختلف المجالات، وإشراكًا فعليًا لهن في مواقع صنع القرار. لقد أثبتت تجارب دول عديدة أنّ تمكين المرأة ركيزة أساسية لإحداث تحول ملموس في مسارات التنمية وبناء مجتمعات أكثر توازنًا وعدالة.

إنّ التحول الحقيقي في تمكين المرأة يُقاس بمدى ترجمته إلى سياسات وتشريعات تحمي حضورها وتدعمه

وتعد رواندا مثالًا دالًا على أنّ إشراك المرأة ضرورة تنموية حاسمة. فبعد الإبادة الجماعية التي تعرضت لها عام 1994م خلق النزاع  فجوة ديموغرافية هائلة في سوق العمل ومواقع القيادة وصنع القرار، فملأت النساء هذه الفجوة؛ مما أدى إلى نتائج عظيمة انعكست على اقتصاد الدولة كان أبرزها انخفاض نسبة الفقر بـ 18 نقطة مئوية ونمو اقتصادي سنوي بنسبة 7٪، وارتفاع دخل الفرد من 188 دولار إلى 1070 دولار في 2024. لقد كان هذا التحول أثرا مباشرا لتحول النساء من فرد هامشي إلى قائد في صناعة القرار.

لقد فرضت ظروف الإبادة على المجتمع الرواندي إعادة النظر في أدوار أفراده، فأصبح إشراك المرأة خيارًا وجوديًا، في حين لا تزال بعض المجتمعات ترفض هذا الإشراك رغم حاجتها إليه. وفي ظل المألات التي انتهت إليها الأوضاع في اليمن من تراجعٍ سياسي واقتصادي واجتماعي، تبرز الحاجة إلى استدعاء طاقات النساء وأصواتهن بوصفهن شريكات في التعافي وإعادة البناء؛ فكما نهضت رواندا من ركام أزمتها عبر توسيع دائرة المشاركة، يمكن لليمن أن يستعيد عافيته حين يُفسح المجال لنصفه الآخر ليكون جزءًا أصيلًا من مشروع النهوض.

إنّ التحول الحقيقي في تمكين المرأة يُقاس بمدى ترجمته إلى سياسات وتشريعات تحمي حضورها وتدعمه. فقد امتد ذلك النموذج الذي أشرنا إليه سابقًا في رواندا إلى تعديل الأطر الدستورية والنقابية، وتخصيص ميزانية سنوية تتجاوز 230 مليون فرنك رواندي لبرامج وطنية لمناهضة العنف والتحرش ضد المرأة. يظهر هذا التوجه وعيًا بأن مشاركة النساء في التنمية تظل منقوصة ما لم تُهيأ لهن بيئة آمنة تُزيل الضغوط الاجتماعية والعوائق البنيوية التي تحدّ من فاعليتهن، وتفتح أمامهن المجال للوصول إلى مواقع التأثير وصنع القرار. في المقابل، لا تزال بعض الأسر في اليمن تحصر أدوار المرأة في نطاق المسؤوليات المنزلية، بما يقيّد تمثيلها في المجال العام. وتؤكد دراسة صادرة عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية حول دور الشبكات النسائية في التمكين الاقتصادي والاجتماعي في حضرموت أن «بعض الأعراف المحافظة لا تزال تقيد حرية المرأة وقدرتها على الحركة وتعيق مشاركتها في الاقتصاد والحياة العامة». ويشير ذلك إلى أن أي نهضة حقيقية تبدأ من إعادة النظر في هذه البنى الاجتماعية، ومن دعم الأسرة بوصفها الحاضنة الأولى لتمكين المرأة؛ إذ إن توفير الثقة والفرص والاستماع الجاد لأصوات النساء كفيل بإحداث تحول تنموي ملموس يسهم في تعافي المجتمع واستقراره.

    ويعزز هذا الطرح نموذج محلي يؤكد قدرة المرأة على إحداث أثر ملموس متى ما أُتيحت لها المساحة. ففي عام 2016 أطلقت مجموعة «نساء حضرموت من أجل السلام» وهي مبادرة ضمت ثماني نساء من حضرموت حملة مناصرة لإعادة فتح مطار الريان وطريق الضبة الشرقي في المكلا، بعد إغلاقهما بسبب الحرب. وقد مارسن ضغطًا منظمًا على السلطات المحلية والقيادات الأمنية وشخصيات المجتمع، لتُثمر جهودهن عن إعادة فتح الطريق، في تجربة تؤكد أن إشراك النساء في الفعل العام يعد ممارسة عملية قادرة على تحقيق نتائج واقعية تخدم المجتمع بأسره.

    تنبع إشكالية ضعف مشاركة المرأة في العمل السياسي من بنية ثقافية راسخة تعيد إنتاج الأدوار التقليدية وتضفي عليها طابعًا معياريًا ملزمًا. ففي تحليلٍ أجراه محمد الكثيري ونشره مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية يشير إلى أن ”الثقافة القبلية السائدة، والعادات والتقاليد، لا تعامل المرأة على قدم المساواة مع الرجل، بل تعزز الفكرة القائلة بأن لكل من الرجال والنساء مجالاتهم الخاصة، وأن الرجال هم الأكثر قدرة على التعامل في المجالات الصعبة، بما في ذلك السياسة. تكبر المرأة وهي تعلم أنّ هناك حدودًا لا يسمح لها بتجاوزها". ويكشف هذا الطرح أنّ العائق يتمثل في ترسيخ وعيٍ اجتماعي يحدّد للمرأة سقفًا مسبقًا لطموحها، ويجعل الإقصاء يبدو وكأنه نظام طبيعي لا يحتاج إلى تبرير. فحين تُنشَّأ الفتاة على قناعة بوجود حدود غير مرئية لدورها العام، يتحول التهميش إلى قناعة داخلية قبل أن يكون إقصاءً خارجيًا، وهو ما يفسر استمرار ضعف تمثيل المرأة سياسيًا رغم التحولات التي يشهدها المجتمع.

امتد الوعي بأهمية إشراك المرأة  في حضرموت إلى جذور فكرية وثقافية ربطت بين تمكين المرأة والتعليم بوصفه المدخل الأول للنهضة. ففي مراحل ماضية، كان حرمان النساء من التعليم أحد أبرز مظاهر التهميش، الأمر الذي دفع عددًا من الأدباء والناشطين الحضارم إلى المطالبة العلنية بحق المرأة في التعلم والمشاركة الاجتماعية. ومن هؤلاء الشاعر محمد الشاطري، ومحمد هاشم بن طاهر الذي نشر مقالاته بأسماء مستعارة دفاعًا عن تعليم الفتاة، وسلامة عبدالقادر بامطرف التي طالبت بتكافؤ الفرص في التعليم والابتعاث وإنصاف النساء. كما عبّر الأديب الحضرمي الراحل أحمد باكثير عن هذه القضية فنيًا في مسرحيته «في أرض الأحقاف»، حيث صوّر أوضاع المرأة الحضرمية التي عانت من التهميش، ودعا إلى إشراكها في مشروع النهضة عبر تثقيفها وتعليمها عبر قصيدته:

كيف السبيل إلى النهوض وأمهات النشء عور؟

أبدون تربية الإناث يصح تربية الذكور؟

أيلدن أحياء وهن من الجهالة في قبور؟

كلا ورب العرش كيف يكون من ظلماء نور

ولا تزال مشكلة تعليم الفتاة، رغم مرور عقود على طرحها، قضيةً حاضرة في بعض البيئات، ولا سيما في الأرياف؛ حيث تطفو رواسب أفكارٍ تقليدية على السطح لتقف عائقًا أمام مواصلة الفتيات تعليمهن. وبذلك يتعثر المدخل الأول والأساس لإشراك المرأة في المجال العام.

وتُجسد مسيرة الأديبة والشاعرة والمذيعة السابقة في إذاعة المكلا وتلفزيون الجمهورية اليمنية، ميمونة أبوبكر الحامد، نموذجًا لقدرة المرأة على ترك أثر ثقافي وفني ملموس عند إتاحة الفرصة لها، بما يعزز ما أشرنا إليه سابقًا حول ضرورة إشراك النساء في مختلف فضاءات الفعل العام. فقد أصدرت خمسة دواوين شعرية، وبرزت في الشعر الغنائي حيث غنّى لها الفنان الحضرمـي عبد الرحمن الحداد بعض أعمالها، كما غناها فنانون يمنيون وعرب آخرون، وساهمت في إثراء المكتبة الغنائية بعدة أعمال، ومثّلت اليمن في عدة دول عربية وأجنبية. يكشف هذا النموذج أن الإبداع النسائي يمتد ليؤثر في الأدب والموسيقى والإعلام على حد سواء، وأن غياب المعرفة والإدراك العام لإسهامات النساء يحرم المجتمع من طاقات قادرة على إثراء الثقافة والفكر. ومن ثمّ، يصبح تمكين المرأة في المجال الفني خطوة ضرورية لبناء مجتمع متنوع ومبدع، يستفيد من كل إمكاناته، ويخلق نموذجًا حيًا لفاعلية المشاركة النسائية في التنمية الاجتماعية والثقافية.

لذلك يصبح من الضروري إعادة النظر في إسهامات النساء في الماضي وإدراج نماذج رائدة منها في المناهج الدراسية، لترسخ وعي الأجيال القادمة بقدراتهن التي لا تقل عن شركائهن من الرجال فالمرأة شريك أساسي لا مورد بشري في سوق العمل وأماكن صنع القرار، وكما يؤكد الفيلسوف الألماني الشهير كارل ماركس "إنّ تقدم المجتمعات يُقاس بتقدم النساء".

في الأخير يمكن القول بشيء من التأكيد إنه من أجل رحلة التشافي والنهوض والنمو في اليمن، ينبغي الوعي بأهمية الاعتراف بإسهامات الماضي كخطوة لتعلّم الدروس والاستفادة منها، وفهم أن الإسهام والتغيير لا يقف على جنس محدد. وقد أثبتت التجارب العملية مثل التجربة الرواندية، ومبادرة نساء حضرموت من أجل السلام، وتجربة الشاعرة والمبدعة ميمونة أبوبكر الحامد، أن التمكين والإشراك الفعّال للمرأة يؤدي إلى نتائج ملموسة على المستويين الاجتماعي والثقافي، ويعزز قدرة المجتمع على مواجهة التحديات. فالمرأة فرد يعايش القضايا اليومية بنفس عمق الرجال، ما يجعلها عنصرًا فاعلًا وأساسيًا في نهضة الوطن.

لا يفوتك هذه المقالات..

[1] سام الغباري، "توضيحًا عن عمران عادت إلى حضن الدولة"، منشور على فيسبوك، مايو 2026 (ضمن مجموعة المنشورات التي جمعها الباحث)

[2]  المرجع السابق

[3] مروان الغفوري، 17 عاما من العبودية، منشور على صفحته (فيسبوك)، مايو 2026 (ضمن المنشورات التي جمعها الباحث)

[4]  هادي: رئيس معجون بالحقد والقروية الصغيرة وبائع للوطن"، منشور متداوَل على وسائل التواصل، مايو 2026.

[5] يحيى بن حسين العرشي، "الرئيس الشرعي في ذمة الله"، منشور على وسائل التواصل، 30مايو 2026م.

[6]   أحمد الشلفي، "هادي… حديث إلى رئيس يقاوم الهزيمة"، الجزيرة نت، 12 أبريل 2016، قسم الشؤون اليمنية.

[7]  سام الغباري، مرجع سابق.