تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

البرع في الحُجرية: من رقصة احتفالية إلى جسر للتكافل الاجتماعي

​تحت غبار الميادين في قلب قرى الحُجرية، يرتفع صوت الطاسة ليُعلن عن بدء طقس لا يُشبه غيره، إنه البرع، الرقصة التي تختزل كبرياء الأرض وهويّتها. وفي هذه المنطقة الواقعة جنوب تعز، تذوب الفوارق الطبقية، ظاهريًا، في حلقة دائرية واحدة، حيث يتلاشى التراتب أمام سطوة الإيقاع. ومع ذلك، يطرح هذا المشهد المهيب تساؤلًا جوهريًا حول حقيقة هذا التلاحم؛ إذ يمثّل البرع في الحجرية حالة من المساواة المؤقّتة التي تنتهي بانتهاء قرع الطبول، مما يجعل الاستهلاك الثقافي لفئة المهمّشين مجرد تقدير للفنّ مع استمرار إقصاء الفنان عن حقوقه الإنسانية والمدنية.

​​تُعدّ رقصة البرع وسيلة فريدة لتعزيز الترابط الاجتماعي، ففي حلقة الرقص، تتشابك أيدي القبيلي والمهمّش بعيدًا عن القيود التقليدية، حيث يفرض الإيقاع لغة جسدية موحّدة. يظهر هذا الجذب بوضوح في المناسبات التي تجمع الطرفين في صف واحد وتلاحم بالأكتاف، مما يُشير إلى أنّ الفن الشعبي يمتلك قدرة مؤقتة على إذابة الحواجز التي تعجز السياسة عن كسرها، لكنها تظلّ إذابة مرتبطة باللحظة الاحتفالية فقط، ولا تمتدّ لتشكل وعيًا اجتماعيًا مستدامًا.

​يعيش المهمش داخل هذه الحلقة حالة حادّة من التشويش بين زهو المبدع وانكسار الواقع. فبينما يرى نظرات الذهول تلاحق حركات قدميه، يدرك بمرارة أنّ هذا القبول مشروط بزمن الرقصة. يقول أحد مؤدي الإيقاع من فئة المهمّشين واصفًا هذا الشعور​ في الميدان: "أشعر أنني مَلِك، والجميع ينظر إليّ بإجلال، لكن ما إن أضع الطاسة جانبًا، أعود في نظرهم ذلك الشخص الذي لا يُسمح له بمصاهرتهم أو الجلوس في صدر مجالسهم". هذا الربط السببي بين صمت الإيقاع وعودة التهميش يؤكّد أن المجتمع يمنح المهمش لحظة عبور مؤقّتة تنتهي صلاحيتها بمجرد صمت المرافع، مما يجعل الاندماج مجرد عرض مسرحي، لا واقعًا معاشًا.

يتحوّل هذا الوجع إلى استغلال حقيقي حين يقتصر التعامل مع هذه الفئة على الاستهلاك الثقافي من دون منحهم أبسط حقوق المواطنة. نحن نفخر بمنتجاتهم من فخار ومنسوجات، ونُشيد بأصالة مهاراتهم، بينما يُحرم هؤلاء من العقود الرسمية أو التأمين الصحي. وتؤكّد دراسات سوسيولوجية حول الرأسمال الثقافي أنّ المجتمعات التقليدية غالبًا ما تستولي على القيمة الرمزية للفنون الشعبية مع تجريد صانعيها من القيمة المادية والاجتماعية. هذا التناقض يُثبت أنّ المجتمع يستهلك الإبداع سلعةً رخيصةً، بينما يترك المبدع في مواجهة مباشرة مع الفقر، مما يحوّل التراث إلى عبء على صانعيه، بدلًا من أن يكون رافعة لحياتهم.

​إنّ الطريق نحو تغيير هذا الواقع يبدأ من تحويل الرموز الثقافية إلى التزامات أخلاقية ومؤسسية فاعلة. ويبرز هنا دور القدوة، مثل زيارة الفنان أيوب طارش لعازف الإيقاع غيلان، أو حضور الشخصيات الاجتماعية أعراس المهمّشين، وهي رسائل قوية تكسر جدران العزلة، لكن هذه المبادرات تظلّ منقوصة ما لم تُترجَم إلى ميثاق أخلاقي يتضمّن تمكينًا اقتصاديًا ودمجًا حقيقيًا، فالمشاركة الإنسانية الصادقة هي التي تبدأ بعد انتهاء الرقصة، لا في أثنائها فقط. وتشدّد تقارير المنظمات الدولية المعنية بحقوق الأقلّيات على أنّ الاعتراف بالحقوق الثقافية يجب أن يتوازى مع العدالة التوزيعية لضمان كرامة العُمال الثقافيين.

لا يفوتك هذه المقالات..

[1] سام الغباري، "توضيحًا عن عمران عادت إلى حضن الدولة"، منشور على فيسبوك، مايو 2026 (ضمن مجموعة المنشورات التي جمعها الباحث)

[2]  المرجع السابق

[3] مروان الغفوري، 17 عاما من العبودية، منشور على صفحته (فيسبوك)، مايو 2026 (ضمن المنشورات التي جمعها الباحث)

[4]  هادي: رئيس معجون بالحقد والقروية الصغيرة وبائع للوطن"، منشور متداوَل على وسائل التواصل، مايو 2026.

[5] يحيى بن حسين العرشي، "الرئيس الشرعي في ذمة الله"، منشور على وسائل التواصل، 30مايو 2026م.

[6]   أحمد الشلفي، "هادي… حديث إلى رئيس يقاوم الهزيمة"، الجزيرة نت، 12 أبريل 2016، قسم الشؤون اليمنية.

[7]  سام الغباري، مرجع سابق.