تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

"الفضول" المحبوب في اليمن

رغم رحيله قبل 44 عاماً، إلا أنه يبدو ملاصقاً لأرواحنا، قريباً منا، فكلماته العاطفية والوطنية ما زالت عالقة في الأذهان والمشاعر، فقد تربينا على حبها، وعشنا مراحل عمرنا وهي حاضرة في كل وقت وحين.

هنا نتحدث عن الشاعر والصحفي اليمني الكبير الراحل عبد الله عبد الوهاب نعمان المعروف بـ "الفضول".

ولعل الفضول هو من بين الأسباب التي دفعتني للبحث أكثر عن هذا الشاعر الكبير ومن ثم كتابة هذا المقال عن شخصية يمنية جمعت بين الأدب والفن والثقافة والصحافة والسياسة والنضال.

ولد شاعرنا الكبير في سبتمبر عام 1917 بمنطقة ذبحان التابعة حالياً لمديرية الشمايتين في محافظة تعز.

عاش الطفل عبد الله سنواته الأولى في ذبحان ضمن قضاء الحجرية آنذاك، ودرس على يد ابن عمه أحمد محمد نعمان، وبعد ذلك انتقل إلى مدينة زبيد التابعة لمحافظة الحديدة غربي اليمن وتعلم على يد عبد الله المعزبي الذي يوصف بأنه من أشهر علماء زبيد المصنفة ضمن قائمة منظمة اليونسكو للتراث العالمي.

بدأ الفضول علاقة وثيقة مع الفنان الكبير أيوب طارش العبسي وشكلا ثنائياً فريداً خلق صداقة لافتة بين القصيدة والأغنية العاطفية والوطنية في اليمن

لم تكن نشأة نعمان بعيدة عن لهيب السياسة والصراعات، فقد ولد في بيئة مثقلة بالهمّ الوطني، لكن المحطة الأبرز في تشكيل وعيه "المستنير" بدأت في أوائل الأربعينيات، وحينها كان في عمر 23 عاماً تقريباً.

في ذلك الوقت، كانت مدينة تعز تضج بحركة فكرية وسياسية وتطلعية تسعى إلى الفكاك من أغلال العزلة التي خلقها الحكم الإمامي، وكان "الفضول" وعدد من زملائه في قلب هذا الحراك المحاط بمخاوف كبيرة تقابلها أحلام عريضة.

بين عامي 1941 و1944، انخرط هذا الشاب في سلك التدريس بـ "المدرسة الأحمدية" الشهيرة في تعز؛ ولم يكن فقط مجرد معلم للمواد الدراسية، بل كان ملهماً للطلبة، يبث في نفوسهم روح التطلع نحو التغيير والخروج من حالة العزلة والجهل والفقر والمرض.

كانت المدرسة الأحمدية بمثابة بيئة ملهمة وحماسية صقل فيها الفضول مهاراته التعليمية واللغوية مع طموحاته السياسية والثقافية، وهناك أدرك بيقين عالٍ أن القلم هو الأداة الأقوى للشباب الحر في مواجهة الجهل والاستبداد.

وبسبب مضايقات الحكم الإمامي الذي عزم على اعتقاله، قرر عبدالله الهروب إلى عدن، لينضم بعد ذلك إلى مجموعة الشباب ليكون من بين مؤسسي حزب الأحرار اليمنيين.

وعمل في عدن معلماً لمادة اللغة العربية في مدرسة بازرعة الخيرية، ولم يكتفِ بذلك بل كان فكره يلهج بحب الصحافة والكتابة، والسعي إلى التأثير وخلق الوعي عبر الكلمات.

قاده هذا الطموح وتلك الرغبة الجامحة إلى المشاركة في نشاط صحيفة (صوت اليمن) الناطقة باسم الجمعية اليمنية الكبرى عام 1947، وكانت مقالاته الناقدة فيها تنثر الوعي السياسي وترد على جريدة "الإيمان" الإمامية التي تهاجم الأحرار وتحذر الناس منهم. كما كان آنذاك يكتب مقالات صحفية سياسية في صحيفة (فتاة الجزيرة) باسم مستعار (يمني بلا مأوى).

انطلقت "فتاة الجزيرة" في يناير 1940 كأول صحيفة مستقلة في اليمن والجزيرة العربية، إذ أسسها الصحفي الأديب محمد علي لقمان، وانتشرت في أجزاء واسعة من الوطن العربي، واستمرت في الصدور حتى عام 1967.

بعد فشل ثورة 1948 التي اندلعت ضد حكم الإمام يحيى حميد الدين، وإعدام قادة الثورة ومنهم والده عبد الوهاب نعمان، أصدر عبد الله نهاية هذا العام صحيفة "الفضول" التي كانت واحدة من أهم المحطات في حياته الثقافية والصحفية والثورية. وتعود هذه التسمية إلى الحلف الذي كان قائماً في الجاهلية قبل الإسلام ومهمته إنصاف المظلومين، وكان يسمى "حلف الفضول".

وقد اشتهر الشاعر والصحفي عبد الله عبد الوهاب وعرف في الأوساط الأدبية بلقب "الفضول" نسبة إلى صحيفته؛ بل هناك من قال إن هذا اللقب قد طغى على اسمه الفعلي.

لم يدم هذا المشروع الصحفي طويلاً، ففي نهاية العام 1953 قامت سلطات الاستعمار البريطاني بإغلاق صحيفة "الفضول" من خلال رفض تجديد ترخيصها بضغوط من النظام الإمامي في شمال الوطن نتيجة المواقف الناقدة التي اتخذها عبد الله عبد الوهاب في هذه الصحيفة المثيرة للجدل.

بعد ذلك واصل الفضول رفض الحكم الإمامي وسياسات القمع والتجهيل عبر مقالات نشرها في صحيفة الكفاح تحت عمود يحمل اسم "البسباس".

في اللهجة اليمنية، كلمة "بسباس" تعني الفلفل الحار، وتُستخدم أيضاً مجازاً إشارة إلى الحماس الملتهب أو النشاط الدؤوب، وهدف في عموده إلى إشعال الحماس وإيقاظ الوعي الشعبي، خصوصاً بين المتعلمين والشباب من أجل خلق واقع مؤثر ومناهض للحكم الإمامي.

عمل الفضول في عدن معلماً لمادة اللغة العربية، ولم يكتفِ بذلك بل كان فكره يلهج بحب الصحافة والكتابة، والسعي إلى التأثير وخلق الوعي عبر الكلمات

بداياته الشعرية

لا يوجد تاريخ محدد لبداية كتابته الشعر، لكن مصادر متعددة ترجح أن الانطلاقة الفعلية له في هذا الجانب بدأت مع عمله الصحفي مطلع الأربعينيات وهو شاب عشريني، حيث أصبحت قصائده الوطنية متزامنة مع كتاباته الصحفية الناقدة.

وقد كتب قصيدة لافتة في عام 1944 أشاد فيها بنشاط المعارضين الأحرار المعتقلين لدى الحكم الإمامي وكانت سبباً في هروبه بعد ذلك إلى عدن، قال فيها مخاطباً المعتقلين:

سيروا فما الأغلال في أعناقكم

إلاّ لمجدكم العظيم شعـارٌ

أو أنها سبح الطهارة والتُّقى

سلكت بها ملائك أطهارُ

ما العار في لبس الحديد وقاية

للعرض إذ يمشي إليه صغارُ

ما العار إلاَّ أن يُرى لكم على

ضيم القساة العابثين قرارُ

والسجن أشرف من تنسم جيفة

نفح الخنا من جوفها والعارُ

الشعر الغنائي والعلاقة مع أيوب

في ستينيات القرن الماضي بعد ثورة سبتمبر 1962 انخرط الفضول في كتابة القصائد الغنائية وكتب قصيدتين لحنهما الفنان الكبير محمد مرشد ناجي (توفي عام 2013)، وسجل كلمات الأغنيتين في إذاعة عدن باسم ابنه مروان، فلم يرغب أن يعرف الناس عودته لكتابة الشعر، بحسب بعض المصادر.

الأغنيتان هما (شبان القبيلة) وغناها الفنان المرحوم محمد صالح عزاني والفنانة فتحية الصغيرة، وأغنية ثانية غناها الفنان المرحوم أحمد علي قاسم.

وعقب ذلك بدأ علاقة وثيقة مع الفنان الكبير أيوب طارش العبسي وشكلا ثنائياً فريداً خلق صداقة لافتة بين القصيدة والأغنية العاطفية والوطنية في اليمن.

وكانت أغنيات (يا من رحلت إلى بعيد)، (دق القاع دقه)، و(عدن عدن)، من أوائل القصائد الغنائية التي شكلت بداية التعاون بينهما. وغنى له أيوب طارش العديد من الأغاني العاطفية والوطنية، ونشر "موقع الفضول" على الإنترنت عناوين نحو خمسين أغنية غناها الفنان أيوب من كلمات الشاعر.

ومن بين أبرز الأغاني: النشيد الوطني (رددي أيتها الدنيا نشيدي) وأغنية (املأوا الدنيا ابتسامة) كعلامتين بارزتين، إلى جانب أناشيد وطنية بارزة مثل (يا سماوات بلادي باركينا) و(هذه يومي).

وهناك العديد من الأغاني العاطفية التي أصبحت محل شهرة كبيرة في اليمن مثل: (هيمان)، (قلبي بمن والى هيامه)، (يا حب يا ضوء القلوب)، (يا من رحلت إلى بعيد)، (محلى هواك)، (لك أيامي)، (هات لي قلبك)، (رشوا عطور الكاذية)، (طاب البلس)، (مدارب السيل) و(فتشت لك).

كما غنى من قصائده الفنان عبد الباسط عبسي بعض الأغاني مثل: (حسنك لعب بالعقول)، (يا حب يا سمائي)، وأغنية (من الضحى). وغنى له الفنان عبد الباسط عبسي والفنان محمد حمود الحارثي أغنية (يا حب يا ضوء القلوب) التي غناها أيضاً أيوب طارش.

أما قصيدته الوطنية البارزة "رددي أيتها الدنيا نشيدي" فقد اتفقت قيادتا شطري اليمن في محادثات الكويت عام 1979م على اعتمادها نشيداً وطنياً لدولة الوحدة، وتم ذلك عملياً في عام 1990 عندما أٌعلن قيام الجمهورية اليمنية بعد ثماني سنوات من وفاة الفضول.

اعتقاله من قبل المصريين

في عام 1966 تعرض الفضول للاعتقال مع مجموعة من السياسيين أثناء وجود القوات المصرية في اليمن (1962-1967) وذلك لمعارضتهم التدخل المصري في اليمن.

وهو في المعتقل كتب بعض قصائد الشعر الوطني والسياسي ومنها قصيدة "أرض المروءات"، وفيها شكوى للسلطات المصرية يشير فيها إلى رفضه مسألة الاعتقالات.

غادر عبد الله نعمان المعتقل في سنة 1967، وهو العام الذي غادرت فيه القوات المصرية اليمن وفيه حدثت نكسة العرب في مواجهة إسرائيل.

وتم تعيينه في 1969 وزيراً للإعلام ضمن تشكيلة حكومة عبد الله الكرشمي التي لم تستمر سوى أشهر، ثم مستشاراً لرئيس المجلس الجمهوري لشؤون الوحدة بين شطريْ اليمن، وبقي في هذا المنصب حتى وافته المنية.

"شياسة" الفضول

اطلعت على عدة نسخ من صحيفة الفضول، ووجدت فيها العديد من المقالات التي يغلب عليها السخرية والنقد السياسي لأوضاع اليمن والوطن العربي.

و في عام 1953 نشر مقالاً افتراضيا ساخرا في هذه الصحيفة بعنوان "شياسة"، مزج فيه بين السرد الصحفي والسخرية اللاذعة من بعض الممارسات الدبلوماسية في جامعة الدول العربية. بدأ الفضول المقال بذكر حادثة اعتداء اليهود بالمدافع على قرية أردنية قال إنهم مسحوها كما تمسح "الكاوية" البنطلون.

تحدث الكاتب الساخر حول ردود الأفعال العربية واجتماع مجلس الجامعة العربية "مقصوفة العمر" حسب قوله، وحضر الاجتماع مندوبو الحكومات بعد أخذ كل واحد منهم "قرطاس ملح إنجليزي" لتهدئة الأعصاب.

إلا مندوب اليمن ابتلع نصف رطل من الملح وكان في الاجتماع يقوم ويقعد.

في مقاله الساخر نقل الفضول بعض الحوارات الساخرة بين المندوبين العرب: مندوب الأردن حث مندوب اليمن على قراءة تقرير حول الأوضاع فأجاب مندوب اليمن( ممثل النظام الإمامي) "أنا لست على وضوء"! أما مندوب العراق قال: "يا جماعة لازم نؤدب اليهود".

وبعد مناقشة الحادثة قال مندوب مصر "كلنا مستعدون للفداء"، فرد مندوب اليمن قائلاً "ما هو؟.. للغداء كلنا مستعدين"!

بعدها علق مندوب سوريا قائلاً: "يا سيدنا إحنا هنا نبحث معركة حرب وليس حفلة ترفيه عن كرشك"، في تشبيه ساخر داخل الاجتماعات الدبلوماسية للجامعة العربية التي تعقد عديداً من الاجتماعات والقمم دون جدوى!

الحرية والسعادة من منظور الفضول

الفضول له فلسفته في الحياة، فهو يسعى دوماً في سبيل الحرية والسعادة، وهي قيم نبيلة نسعى لها جميعاً. في مقال نشره عبر صحيفة الفضول قال عبد الوهاب نعمان: "يمكنك أن تعيش في هذا العالم، ولكن بشرط أن تكون حراً. فإذا كنت حراً، فإنك سوف تعيش حياة هنيئة، وسوف تعيش سعيداً. أما إذا كنت عبداً، فإنك سوف تعيش في الظلام، وسوف تعاني من الظلم. وفي حال كنت حراً، فإنك سوف تعيش في النور، وسوف تعيش في العدل والمساواة".

ويعتقد الفضول بأن" الحرية هي التي تجعلك سعيداً ومرتاحاً، وهي التي تجعلك في سلام. فإن كنت حراً، فإنك سوف تعيش في نور، ولن ترى الظلام أبداً".

توفي النعمان في شهر رمضان عن عمر يناهز 64 عاماً، بسبب سكتة قلبية مفاجئة أثناء نومه في مدينة تعز، وشكل رحيله صدمة لأهله ومحبيه والوطن أجمع

موت الفضول

في الخامس من شهر يوليو عام 1982، توفي النعمان في شهر رمضان عن عمر يناهز 64 عاماً، بسبب سكتة قلبية مفاجئة أثناء نومه في مدينة تعز، وشكل رحيله صدمة لأهله ومحبيه والوطن أجمع.

يقول الشاعر الراحل الدكتور عبد العزيز المقالح(توفي عام 2022)، إن موت الشاعر الفضول كان مفاجئاً، فقد قيل إنه قبل أن يودع هذه الدنيا بساعة وربما أقل قليلاً كان قد اتصل بأحد أصدقائه إلى صنعاء يحدثه عن مشاريعه وأحلامه القادمة، لكن الموت هو الحقيقة الوحيدة في عالمنا التي لا تقبل الشك.

يضيف المقالح في مقال نشره "موقع الفضول" على الإنترنت: "كنت معه منذ بضعة أسابيع وكان معنا الصديق العزيز الشاعر الكبير عبد الله البردوني وكان يدعونا لنكون ضيوفه في تعز.. لكن المفاجأة الأخيرة غير المتوقعة أذهلتني، فقد رحل الشاعر الداعي ورحلت معه صور الشعر وألحان الكلمات".

لا يفوتك هذه المقالات..