تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

بدائل الإعلام في اليمن: من يمتلك الحق في الكلام؟

بعد تحقيق الوحدة اليمنية (1990–1994)، صدر القانون رقم (25) بشأن الصحافة والمطبوعات، الذي كفل في مادته (33) حق المواطنين والأحزاب المرخصة والكيانات العامة والمنظمات الإبداعية والجهات الحكومية في إصدار الصحف والمجلات وامتلاكها وفق القانون. أتاحت هذه الظروف السياسية نشوء إعلام حر بضمانات دستورية. ومع ذلك، لم تكن هذه المرة الأولى لاستقلال وسائل الإعلام عن رقابة السلطة، فقد عرف اليمنيون أشكال متنوعة من الإعلام اللامركزي.

لقد تأسست الجمهورية اليمنية عام 1962 على أنقاض مملكة متخلفة تنتمي في بنيتها السياسية والاقتصادية إلى العصور الوسطى، إذ لم يكن هناك مؤسسات تعليم أو صحة أو إعلام كما يصف لنا الرحالة أمين الريحاني في رحلته الشهيرة إلى شبه الجزيرة العربية التي كتب عنها "ملوك العرب". ومع خروج الأتراك العثمانيين من شمال اليمن عام 1918، ورثت اليمن مطبعة واحدة، كان من الممكن تطويرها لدعم الصحافة والطباعة ونشر الكتب، إلا أن الإمام يحيى استخدمها لإصدار صحيفة الإيمان التي مجّدت الطغاة، وبذلك لم تمتلك الجمهورية الوليدة أي خبرة أو تراكم في مجال الإعلام.

لقد عرف اليمنيون وسائل الإعلام في القرن العشرين بسبب احتلال بريطانيا لبلادهم. بدأ الاحتلال من مدينة عدن، ذات الأهمية المركزية في طرق التجارة الأوروبية مع الخليج وشرق إفريقيا والمستعمرات الأوروبية في الهند، بسبب إطلالها على المحيط الهندي والبحر الأحمر وبحر العرب. وأدى الاحتلال الى ظهور مؤسسات حديثة ونقابات وهيئات سياسية ومجلات وصحف وأنشطة مختلفة.

إلا أن هذه الأنشطة النقابية والصحفية بقيت تعمل تحت ضوابط سياسية معينة. وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، ظلت الحرية السياسية محدودة قياسا بالأنشطة الفنية والثقافية تحت حكم الإدارة البريطانية في جنوب اليمن. ومع عودة النشاط التجاري، حظي الإعلام المستقل في جنوب اليمن بدعم يختلف عما عرفته بقية بلدان العالم، التي تفرعت التجارب الإعلامية المستقلة عنها من حركات الحقوق المدنية، والتجمعات الطلابية، وثقافة الأندرغراوند المضادّة، والحركات النسوية، وغيرها. وجميع ما سبق أمّن المحتوى، التشبيك، الحماية الاجتماعية، والدعم المالي، والمواقع الآمنة، كما في حالة الأندية الأدبية في اليمن التي شكلت مساحة حاضنة للإعلام المستقل والبديل، والتي ارتبط قيامها بدعم التجار المحليين والمغتربين اليمنيين في الحبشة والهند وأمريكا وبريطانيا ودول الخليج.

ففي منتصف عشرينيات القرن الماضي، ظهرت الأندية الأدبية في عدن، وهي تعاونيات أهلية، لعبت دورًا بارزًا في الحركة المدنية والنقابية، ودعمت النشاط الثقافي، واستقطبت الشباب المتعلم. ناقشت هذه الأندية قضايا اجتماعية وسياسية حساسة، مثل تعليم البنات، وحقوق المرأة، والحريات العامة. كما اهتمت بشكل خاص بدعم مشاريع تنموية في الأرياف كالتعليم والصحة وتعبيد الطرقات سعياً نحو إلغاء التفاوت الحضاري بين عدن والمناطق المحيطة بها. ثم انتشرت أندية مشابهة في ضواحي عدن.

لم تُثر هذه الأنشطة قلق الإدارة البريطانية التي اعتبرتها جزءًا من الحراك التجاري في عدن، فقد كانت عدن ثاني أو ثالث أهم ميناء في العالم خلال ذلك الوقت. أما الأحزاب السياسية فقد حوربت، مثل حزب الأحرار، الذي مُنع من ممارسة نشاطه في عدن، ثم جرى حلّه وتحويله إلى الجمعية اليمنية الكبرى، التي نجحت في استقطاب رجال الإمام في الشمال إلى صفّ المعارضة، بمن فيهم إبراهيم ابن الإمام يحيى.

لعبت هذه الأندية دورًا بديلا عن الأحزاب في تشكيل الخطاب الصحفي الناشئ، وتمثيل الفضاء العام، إذ لم تكتفِ بدعم الصحافة المكتوبة فحسب، بل على النقاش والتفاعل المباشر والتعاون الاجتماعي.

استمرت أنشطة الأندية حتى قيام ثورتي سبتمبر وأكتوبر في شطري البلد لأسباب متقاربة، منها غياب العمل السياسي، إذ ساد حكم الحزب الواحد في الجنوب، بينما حظرت الحزبية في الشمال خلال سنوات حكم عبدالرحمن الإرياني، وعُلق الدستور في زمن الحمدي، وشُيطنت الممارسة السياسية خارج إطار منظومة السلطات التي تعاقبت على الحكم في السنوات اللاحقة.

أدى هذا المناخ السياسي إلى تنشيط منظمات المجتمع المدني، خصوصا الأندية التي امتلكت قبولا اجتماعيا في اليمن. وبحسب مذكرات سلطان زيد "محطات من تاريخ حركة اليسار في اليمن"، فقد افتُتح أول نادي خلال سنوات حكم الرئيس ابراهيم الحمدي، تحت عيون ضابط الأمن سيء السمعة محمد خميس، وحينها اعترض وكيل وزارة الثقافة على فكرة "الاتحاد" واعتبره مشروعا شيوعيًا خطيرًا من خلال خبرته في سنوات عيشه في ألمانيا الشرقية كما يورد سلطان، فاقترح تسميته "نادي" وليس اتحادا. ثم تأسس النادي، ونظّم فعاليات، محاضرات، ندوات، نقاشات، وأنشطة سياسية واقتصادية، واحتضن وقتها جلّ الناس.

لكن السلطة ضاقت بأنشطته، فقامت في 28 سبتمبر عام 1977 بحملة اعتقالات سياسية وحزبية، ثم اتخذت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والشباب قرارًا بإيقاف النادي ومصادرة ممتلكاته، وشُكّلت لجنة مدعومة أمنياً لإنهاء نشاط الأندية. أما بحسب مذكرات محسن العيني، "خمسون عامًا في الرمال المتحركة"، فلم يكن الإغلاق من قبل جهاز الأمن التابع لمحمد خميس فقط، بل خطط له كل من المشائخ وضباط الجيش، باعتبار أن أنشطة النادي شيوعية.

ورغم انتهاء العزلة الإعلامية في الشمال والرقابة السياسية على الإعلام في الجنوب بعد زوال الاستعمار البريطاني والإمامة، يندر الحديث عن نشوء مؤسسات إعلامية مستقلة؛ إذ أسهمت مجموعة من العوامل في تغييب هذا الإعلام، منها ترسّخ الانقلابات العسكرية كتقليد ثابت في الحكم، وغياب آليات التداول السلمي للسلطة، وشيطنة العمل الحزبي، وإقصاء الأصوات المعارضة، وتهميش الفاعلين المستقلين، فضلًا عن تخلّف البنية المؤسسية للإعلام.

في منتصف السبعينيات، شهدت البلاد موجة إعمار واسعة شملت الطرق والمدارس والمستشفيات والجامعات والمؤسسات الحكومية، وظهر كل ما نعرفه اليوم، أو ما تبقى منه اليوم بسبب الحرب التي التهمت الحياة المدنية ومظاهرها. وأزاح صعود الطبقة الوسطى حينها أهم شروط ظهور الأندية التي وُجدت لدعم الفئات المعدومة، ثم غابت رسميا بعد حلها سياسيا بقرار سبتمبر 1977.

وعلى مدى سنوات بقي العمل الحزبي محظورا، حيث كانت اللقاءات بين أعضاء الأحزاب والمنظمات السياسية تتم بشكل سري، وظلت البدائل الإعلامية المستقلة شبه معدومة حتى قيام الوحدة كما أشرنا سابقا، حيث اتّسع هامش الحريات، وفي غضون سنوات قليلة، كانت الأنشطة السياسية والحزبية تفوق ما تم في العقدين الماضيين، ولكن، كما نعلم جميعا، اختفى كل ما سبق مع اجتياح نظام علي صالح وحليفه القبلي-الإسلامي حزب الإصلاح جنوب اليمن في صيف 1994.

وضاعف من غياب بدائل الإعلام المستقل اتحاد القمع السياسي مع الديني في هرم السلطة الجديدة، بحيث، وإن تكونت لاحقا عدد من المبادرات والبدائل الإعلامية المحدودة، فإنها لم تتمكن من إحداث حراك مستمر أو مستقر يمكن البناء عليه ومواصلته.

وأدّت هيمنة السلطة على وسائل الإعلام إلى تصاعد الرقابة وتراجع ثقة الجمهور بالإعلام الرسمي. ففي عام 2009، اتجهت السلطات إلى خنق حرية التعبير عبر إنشاء محكمة لملاحقة الصحفيين ووسائل الإعلام، واقتحام وإغلاق مقرات بعض الصحف. ورغم أن المادة 148 من الدستور اليمني تنص على أنه "لا يجوز إنشاء محاكم استثنائية تحت أي ظرف من الظروف"، فقد أعلن المجلس القضائي الأعلى إنشاء المحكمة المتخصصة للصحافة والنشر، وهي محكمة استثنائية للفصل في جرائم الإعلام والنشر، ثم استخدمتها لفرض عقوبات، وحظر النشر السياسي ضد رئيس الجمهورية، وفتح قضايا جنائية ضد صحف وكُتّاب انتقدوا السلطة.

وتزامن ذلك مع ظهور الإنترنت في العقد الأول من الألفية الجديدة، الذي بقي محصورا الى حد كبير في حدود بعض المؤسسات الحكومية وبعض الفئات الاجتماعية النافذة، قبل أن ينتشر على نطاق واسع بين الجمهور مع اكتساح وسائل التواصل عقب ثورة 11 فبراير في 2011.

ومع استمرار الثورة، صارت وسائل التواصل أحدث وجوه إعلام الجماهير، الذي نشأ بعيدًا عن دعم السلطة أو الطبقى الوسطى أو المنظمات غير الحكومية أو شروط الاستقرار السياسي. أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي، عبر محلات الإنترنت المنتشرة، للأفراد بالتعبير عن آرائهم ومواقفهم حول مختلف القضايا العامة، والوصول مباشرة إلى الجمهور دون تقييد. وهكذا انتقل الإعلام اللامركزي في اليمن من أشكال محدودة وعفوية وسرية إلى منصات رقمية أكثر تأثيرًا وانتشارًا وذيوعا محليا وعربيا وعالميا.

مكّنت هذه الوسائط فاعلين جدد، من صحفيين مستقلين وإعلاميين وناشطين ومدونين ومنظمات مجتمع مدني، من إنتاج محتوى إعلامي خارج الأطر الرسمية والحزبية، وأسهمت في إعادة تعريف من يمتلك "حق" الكلام ومن يسيطر على المجال العام. ورغم غياب التشريعات الضامنة لحرية التعبير، واستمرار القمع والانقسام السياسي، فقد احتلت هذه المنصات مكان المؤسسات الإعلامية التي اختفيت لأسباب سياسية أو مالية.

وإذا كانت الأندية الأدبية في عدن خلال النصف الأول من القرن العشرين قد أدت دورًا يشبه الفضاء العام البديل للنقاش السياسي والاجتماعي، فإن منصات التواصل الاجتماعي أدت وظيفة مشابهة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لكنها بقيت عرضة للرقابة والملاحقة في ظل الحرب.

فخلال سنوات قليلة، فقد الجمهور حق الكلام مجددًا مع انقلاب الحوثيين في سبتمبر 2014، إذ أقفل الحوثيون الصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعات والأحزاب السياسية، وباشروا حملة اعتقالات واسعة بحق صحفيين وإعلاميين على أساس عملهم، ثم امتد القمع إلى المجتمع المدني.

وعلى مدى سنوات، ارتكب كل من الحوثيين والسلطات الأخرى في اليمن، خصوصا "المجلس الانتقالي الجنوبي" والحكومة اليمنية، انتهاكات حقوقية عديدة ضد الصحفيين والناشطين والمدونين. وتشمل الانتهاكات الاحتجاز التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، والمعاملة اللاإنسانية، والقتل بحق الصحفيين. كما ارتكبت جميع هذه السلطات انتهاكات أوسع ضد حرية التعبير، بما يشمل الاستيلاء على المؤسسات الإعلامية والترهيب والمضايقة ضد الصحفيين والمؤسسات الإعلامية وعرقلة حركة الصحفيين وعملهم.. ونتيجة لذلك، تقلّصت المساحات المتبقية للإعلام المستقل إلى حدّها الأدنى، ولم يعد يمارسها فعليًا سوى أفراد يعملون من خارج البلاد، أو من داخلها في ظروف شديدة الخطورة.

لا يفوتك هذه المقالات..