تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

القعقاع من وجهة نظر تولستوي: الأفعى هي الغصن

لم يتقبل الجمهور موت البطل بعثرة يد أنشبت أظافرها كالكلابيب في صخرة شديدة الانحدار، ولا بغدرة من  كُسارة حجر انشقت عن ظهر الجلمود، وألقت به إلى قعر البئر، بل بالأصح إلى قاع العدم من أجل الوجود.

لا بد من " مثلجة " نهاية تليق بالبطل فتحضر الأسطرة الشعبية على التو، وفي مرويات التراث العربي يتم استدعاء عنصر خارجي لمنح البطل عصمة من أي هامش خطأ ذاتي، في آخر لحظة من حياته.

لذلك لن يموت عنترة بن شداد بكبوة من جواده، ولن يموت أبو الطيب المتنبي فاراً من قطاع الطرق، بل سيرده بيت من شعره إلى المواجهة، ليموت واقفا ولتكتمل أسطورة الشاعر المعتد بصلابته، والذائع ملء الأصقاع.

قبل المتنبي كان مالك بن الريب، الشاعر الأموي الفاتك الذي كان قائدا لمجموعة من الصعاليك، قطاع الطرق، واسمه تجفل منه القوافل على مسافة أيام، ثم تاب وانخرط في جيوش الفتح، ليموت في خراسان، لكن بعد أن أطلق أعظم قصيدة، في رثاء النفس وفنون البلاغة الشعرية " ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة .. " .

المرثية التي وثقت مشهد الموت لحظة لحظة في 58 بيتا، ليس فيها ما يشير إلى " لدغة الأفعى" تلك التي مازال يستدعيها التراث العربي ليعلق عليها جثة البطل المغدور.

أفعى القعقاع .. غصن تولستوي

ليس اعتباطا استدعاء الجمهور برامج الذكاء الاصطناعي لنحت أفعى نافرة على الصخرة التي سقط منها متوقل الجبل " القعقاع بن عنتر العبسي".

أن يموت البطل الرياضي الذي حفظ الصخور عن ظهر قدم، وألفته صاعدا هابطا مئات المرات حتى صار جزءا من تضاريسها، بعثرة يد أو كسرة حجر، فتلك نهاية تسلبه في الوعي الشعبي مجد السنين، بل تجرده من لقب " سبايدر مان اليمن"، الذي حازه لحظة موته.

في إحدى أمثولات الروائي العالمي ليو تولستوي يسقط رجل في بئر عميقة، لكنه عند المنتصف يجد غصنا فيشّبث به، رغم رهافته وطراوته. ثم يبدأ في اكتشاف الرعب الوجودي لذاته المعلقة في المنتصف.

في الأعلى يربض تنين على فوهة البئر، الغصن يقرضه بهدوء فأران، ربما أبيض وأسود كلون الزمن، وفي قعر البئر يقعي غول الماء الضاري، بانتظار سقوط الفريسة، انكسار الغصن.

وظل القعقاع يتدلى بين موتين.

تبدو حرضة دمت أكثر مثالية لتجسيد المشهد، إذ هي مكان بركاني مقلوب، يتسع من الأعلى بما يكفي حجم التنين، وتضيق من الأسفل بما يلائم ضريح الضحية.

الضحية التي تعي أنها ستهوي حتما كأي مصير.

لكن تولستوي وقد استبدل الغصن بالأفعى سيحدثنا عن قطرة عسل وحيدة، ستسقط في فم رجل البئر، العالق في هوة العدم.

قطرة سريالية من كأس الوهم.

ذلك ما كان يتقاضاه " سبايدر مان اليمن" من نشوة يومية عابرة، القات  والساعة السليمانية والإعجاب، وريالات معدودة من المتفرجين مقابل عروض خطرة بين أنياب موت مؤجل سيجيء.

" فيا موت زر إن الحياة دميمة" ، هذا يمن الحصى، الوطن قطرة مريرة والغصن انكسر.

الحرضة والقعقاع .. الجرس الدلالي للاسم

الحرضة، طبق " السلتة " الحجري، وسميت البئر الكبريتية الكبرى، في منطقة دمت بالحرضة، ويالدقة الاسم، فقد كان سبايدر مان اليمن ينتزع قوت عائلته اليومي من مخالب التنين ويأكل من فم البركان.

ولو أنك سألت ملايين اليمنيين في 10 حزيران 2026، ماذا تعرف عن القعقاع بن عنتر العبسي، لردوك إلى العصر الجاهلي، ففي اليمن فقط إذا كنت موهوبا، عليك أن تموت أولاً، ليعترفوا بك ويراك العالم.

لا يفوتك هذه المقالات..