تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

شاشة عدن.. حين كانت السينما تجمع المدينة

هل يمكن لقاعة سينما أن تتحوّل إلى مساحة تجمع مدينة كاملة رغم اختلافاتها؟ في مدينة عدن، كانت السينما تجربة اجتماعية وثقافية عكست روح الانفتاح والتنوّع التي عُرفت بها المدينة عبر عقود. وبين ذاكرة الماضي التي ما تزال حاضرة في وجدان سكّانها، والتحديات التي تواجه هذا الفنّ اليوم، يبرز سؤال مهم حول قدرة السينما على استعادة دورها الثقافي والاجتماعي. وتتمثل الفكرة الأساسية في أنّ السينما في عدن يمكن أن تكون أداة فاعلة لتعزيز التعايش والحوار المجتمعي إذا توفرت لها البيئة والدعم المناسبان.

شكّلت السينما في عدن جزءًا مهمّا من الحياة الثقافية والاجتماعية للمدينة، وأسهمت في ترسيخ صورتها مدينةً منفتحةً على العالم. فقد عرفت المدينة دُور العرض السينمائي منذ وقت مبكّر مقارنة بعدد من مدن المنطقة، وكانت صالات، مثل: سينما ريجيل وسينما هريكن وسينما أروى من أبرز المعالم الثقافية التي يقصدها الجمهور. يوضح المخرج مروان مفرق أنّ الذهاب إلى السينما كان في الماضي نشاطًا اجتماعيًا يجمع العائلات والأصدقاء، حيث كانت صالات العرض تستقطب أفراد المجتمع على اختلاف خلفياتهم في تجربة ثقافية مشتركة. وهذا يُظهر جانبًا من الحياة المدنية في عدن، حيث تحوّلت قاعات السينما إلى فضاء اجتماعي مفتوح يلتقي فيه سكان المدينة رغم تنوّعهم الثقافي والاجتماعي، وهو ما عزّز الإحساس بالانتماء المشترك داخل المجتمع العدني.

ولا تقتصر أهمية السينما على الترفيه فحسب، بل تمتدّ لتشمل دورًا ثقافيًا واجتماعيًا يمكن أن يُسهم في بناء جسور التفاهم بين أفراد المجتمع. وفي المدن التي تشهد تنوّعًا ثقافيًا أو تمرّ بظروف اجتماعية معقّدة، يمكن للفنّ السينمائي أن يفتح مساحات للحوار والتقارب. وفي هذا السياق يرى مختصّ علم الاجتماع عبد الكريم غانم أنّ السينما تساعد على تعزيز التعايش بتقديم تجارب إنسانية متنوعة تُتيح للمشاهد التعرّف على الآخر المختلف ثقافيًا أو اجتماعيًا. ويُشير إلى أن هذا النوع من السرد السينمائي يُسهم في إبراز القيم المشتركة بين الناس، ويُقلّل من الصور النمطية التي قد تتشكّل في فترات النزاع أو التوتر. وهذا يُبرز أهمية السينما في مجتمعات مثل عدن، حيث يمكن للأفلام أن تُسهم في تعزيز فهم أعمق بين أفراد المجتمع وإعادة بناء جسور الثقة بينهم.

ويمتلك الفنّ عمومًا، والسينما خصوصًا، قدرة كبيرة على التأثير في نظرة المجتمع إلى القضايا الإنسانية والاجتماعية. فالأفلام تُتيح للمشاهد تجربة عوالم مختلفة وفهم تجارب إنسانية قد لا يلتقي بها في حياته اليومية. يؤكّد شعيب العفيف، مدير مشاريع ثقافية، أنّ الأفلام مرآة تعكس واقع المجتمع، وتطرح أسئلته وقضاياه. ويُضيف أنّ وضع المتلقي داخل قصة إنسانية يجعله أكثر قُدرة على التعاطف مع الشخصيات وفهم تجاربها المختلفة، حتى لو كانت تنتمي إلى خلفيات ثقافية مُغايرة. وعلى الرغم من هذا التاريخ الثقافي، تواجه السينما في عدن عددًا من التحديات التي حدّت من نشاطها في السنوات الأخيرة. ويتمثّل أبرز هذه التحديات في تراجع دُور العرض السينمائي وضعف البنية التحتية للإنتاج الفني، إضافة إلى محدودية الإمكانيات التقنية ونقص الكوادر المتخصّصة. وحول هذا الأمر، يُشير شعيب العفيف إلى أن القطاع يعاني أيضًا من غياب الدعم المادي وقِلّة المؤسسات التعليمية المتخصصة في تدريب صناع الأفلام، فضلًا عن بعض القيود الاجتماعية أو السياسية التي قد تحدّ من حرية الطرح الفنّي. وتوضح هذه التحديات أنّ تطوير السينما في المدينة لا يتطلّب الحماس الفردي وحسب، بل يحتاج إلى بيئة مؤسّسية تدعم الإنتاج الفني وتوفّر فرص التدريب والتأهيل لصناع الأفلام الشباب.

وعلى الرغم من التحديات القائمة، ما تزال هناك محاولات لإعادة إحياء النشاط السينمائي في عدن من مبادرات ثقافية وفنّية مختلفة تسعى إلى إعادة الجمهور إلى قاعات العرض وإحياء هذا الإرث الثقافي. فقد بدأت بعض الجهات بتنظيم فعاليات سينمائية محدودة تعتمد على عرض أفلام عربية وعالمية، في محاولة لإعادة إحياء العلاقة بين الجمهور والسينما. وحول هذا الموضوع يؤكّد مدير فرقة خليج عدن فهد شريح أنّ الفنّ قادر على فتح نقاشات مجتمعية مهمّة حول القضايا الإنسانية والاجتماعية. ويعمل شريح حاليًا على مشروع ترميم سينما أروى تمهيدًا لإعادة افتتاحها، وهي خطوة يأمل القائمون عليها أن تُسهم في إعادة الحياة إلى أحد الفضاءات الثقافية التي شكلت جزءًا من ذاكرة المدينة.

ويمثّل دعم الشباب أحد المفاتيح الأساسية لتطوير صناعة السينما في عدن واستعادة حضورها الثقافي. فتمكين الجيل الجديد من اكتساب المهارات الفنية يمكن أن يفتح آفاقا جديدة أمام صناعة سينمائية محلّية تعكس واقع المجتمع وقضاياه. ويمكن تحقيق ذلك بتنظيم ورش تدريبية في مجالات الإخراج والكتابة السينمائية والتصوير، إضافة إلى تشجيع إنتاج الأفلام القصيرة والمستقلة. ويرى مهتمون بالشأن الثقافي أن إقامة مهرجانات وعروض سينمائية مجتمعية قد تُسهم في نشر ثقافة الحوار، خاصّة إذا رافقتها جلسات نقاش مع الجمهور حول القضايا التي تطرحها الأفلام. كما تبرز فكرة "السينما المتنقلة" كإحدى المبادرات الممكنة للوصول إلى الأحياء الشعبية والمناطق البعيدة، بما يُتيح عرض أفلام هادفة تلامس واقع المجتمع وتفتح مساحات جديدة للنقاش الثقافي.

وختاما، يمكن القول إن تجربة السينما في عدن تُظهر كيف يمكن للفنّ أن يتجاوز حدود الترفيه ليصبح مساحة للحوار والتفاعل بين أفراد المجتمع. فقد أسهمت دُور العرض السينمائي في الماضي في خلق فضاء اجتماعي يجمع الناس على اختلاف خلفياتهم، بينما تُشير آراء المختصين والمبادرات الثقافية الحالية إلى أنّ هذا الدور ما يزال ممكنًا رغم التحديات. ومع توفير بيئة ثقافية داعمة وتمكين الشباب من تطوير مهاراتهم الفنية، يمكن للسينما أن تستعيد مكانتها أداةً ثقافيةً تُسهم في تعزيز التفاهم والتعايش داخل المجتمع. وهكذا تبقى السينما في عدن حكاية مدينة تحمل في ذاكرتها تاريخًا ثقافيًا غنيًا، وفي مستقبلها فرصة لإحياء هذا الإرث وبناء جسور جديدة للحوار الإنساني.