تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

حنان العريقي.. امرأة تعيد الحياة للمناطق الملوثة بألغام الموت

"السلام يبدأ حين نُنقذ حياة واحدة"، بهذه المفردات تصف الشابة اليمنية حنان ثابت العريقي فلسفة عملها في مجال التوعية ونزع الألغام، وعضو في فريق المسح غير التقني والتوعية بمخاطر الألغام ومخلفات الحرب في بلدٍ يختبئ الموت تحت التراب، وتنتظر العبوات الفردية ضحاياها بصمت دون أن تفرق بين الأطفال والنساء.

هكذا قررت حنان أن تمشي عكس الخوف، وتتجول في حقول الموت لتُنقذ حياة المدنيين، واختارت أن تواجه الخطر وجهًا لوجه بالوعي والمعرفة، لتكون جزءًا من معركة إنقاذ الأرواح من الألغام ومخلفات الحرب التي تحاصر حياة اليمنيين يوميًا.

ترى العريقي أن نزع الألغام لا يعني إزالة خطر مادي فحسب، بل استعادة حق الناس في الحياة الآمنة والكرامة. والتصدي  لخطر  خفيّ لا يُسمع صوته، لكنه حاضر في كل خطوة غير محسوبة، وفي كل أرض لم تُستعاد للحياة بعد، مؤكدة أن دورها ينبع من مسؤولية إنسانية في إنقاذ الأرواح وتوعية المجتمعات المحلية، والمساهمة في تحويل المناطق الملوثة إلى مساحات أكثر أمانًا.

ترى العريقي أن نزع الألغام لا يعني إزالة خطر مادي فحسب، بل استعادة حق الناس في الحياة الآمنة والكرامة

بداية المشوار

منذ عام2012، بدأت رحلة حنان في مجال التوعية بمخاطر الألغام ومخلفات الحرب، من خلال عملها مع منظمة المجلس الدنماركي للاجئين (DRC)، في مرحلة حرجة كانت تشهد تصاعدًا غير مسبوق في موجات النزوح الداخلي، وتحوّل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والأحياء السكنية إلى بيئات ملوثة تشكل خطرًا مباشرًا على حياة المدنيين.

تؤكد العريقي أنه في تلك الفترة لم تكن الألغام مجرد بقايا حرب، بل تهديدًا يوميًا يلاحق الأسر النازحة في أماكن لجوئها المؤقتة.

ولهذا تنقلت بين عدة محافظات، مستهدفة النازحين والأسر التي اضطرت للعيش أو العودة إلى مناطق ملوثة بالألغام ومخلفات الحرب، وركّزت في عملها الميداني على الأنشطة التوعوية والعمل على تغيير السلوكيات الخطرة، خصوصًا بين الأطفال والنساء والمزارعين. وبناء علاقات ثقة مع المجتمع المحلي، بما يساعد على تقليل الحوادث والإصابات، وحماية الفئات الأكثر تضررًا من آثار الحرب غير المرئية.

وفي جلسات التوعية، تستخدم العريقي، وسائل بصرية مبسطة، ورسائل سلوكية واضحة تراعي الواقع المحلي ومستويات التعليم المختلفة، بهدف ترسيخ مفاهيم السلامة، وتعزيز القدرة على التمييز بين الأجسام الخطرة، وتجنب السلوكيات التي قد تؤدي إلى إصابات أو وفيات.

ولم تتوقف عند المجال التوعوي حيث انتقلت إلى العمل ضمن فرق جمع المعلومات ورصد المخاطر، حيث شاركت في تحديد المواقع المشتبه بتلوثها بالألغام ومخلفات الحرب، وجمع وتحليل المعلومات ودعم عمليات تقليل المخاطر وتوثيق البلاغات الواردة من السكان المحليين، وإجراء مقابلات مع الشهود وقادة المجتمع، للمساهمة في بناء قاعدة معلومات دقيقة تساعد فرق المسح والتطهير على التدخل، لتحويل المناطق الملوثة إلى مساحات آمنة صالحة للعيش والتنقل.

ومنذ عام 2025، تواصل حنان مسيرتها الإنسانية من خلال عملها مع منظمة المساعدات الشعبية النرويجية للألغام (NPA) في محافظة عدن، كعضو في فريق المسح غير التقني (NTS) والتوعية بمخاطر الألغام (EORE)، وتشارك في توثيق الإحداثيات والسمات الخطرة للمواقع الملوثة، وإعداد تقارير فنية وخرائط توضيحية، تكون أساسًا لعمليات التقييم والتطهير اللاحقة التي تساهم في تقليص المخاطر وتحويل المناطق الملوثة إلى مساحات أكثر أمانًا للسكان.

تحديات بناء الثقة

عمل المرأة في مجال نزع الألغام ليس بالأمر السهل نتيجة للمخاطر المترتبة عليه وارتباطه بالمجال العسكري  والنظرة المجتمعية التقليدية

تقول العريقي في حديث خاص لـ "منصة اليمن"،  إن دخول المرأة في مجال إزالة الألغام ومخلفات الحرب ما يزال نادراً في اليمن مما جعلها تواجه في بداية عملها تحديات عدة، لا سيما أن المجتمع ينظر إلى وجود النساء في هذا الميدان غير مناسبًا، ويرفض فكرة تقبلها في هذا المجال، ويطرح تساؤلات حول قدرتها على التعامل مع المخاطر الميدانية..

وعن تجربتها تفيد: "في البداية كان الناس يتساءلون عن سبب اختياري للعمل الميداني في مجال الألغام، وعندما أحاول الإجابة لا يتقبلون حديثي؛ لكن مع الاستمرار ورؤية النتائج التي تتحقق، خصوصًا في تقليل الإصابات وحماية الأرواح، أصبح عملي محل تقدير واحترام".

تؤكد أن وجود المرأة في هذا المجال كان عامل قوة حقيقي، خصوصًا في الوصول إلى النساء والأطفال، الفئات التي يصعب على الرجال التواصل معها في بعض المجتمعات المحافظة، مشيرة إلى أن دور النساء يتجاوز مجرد التنفيذ الميداني، فهو يشمل نقل المعلومات ونشر الوعي لدى جميع شرائح المجتمع، معتبرة أن هذا الدور مهم في المجتمع اليمني، حيث تكون المرأة أداة أساسية للوصول إلى الأسر والمجتمعات المحلية بطريقة أكثر فعالية وسلاسة.

ذاكرة الضحايا

تحمل هذه الشابة في ذاكرتها مشاهد مؤلمة من الميدان لا تُمحى بسهولة، حيث شهدت أطفالًا مصابين بألغام، ونساء فقدن أطرافهن.. تروي لـ "منصة اليمن": "في إحدى جلسات التوعية مع النساء، حصل موقف شكل تهديدًا حقيقيًا لحياتي، إذ أقدمت إحدى النساء على التعامل مع جسم من مخلفات الحرب، غير مدركة أن أي حركة خاطئة قد تؤدي إلى انفجاره".

وتضيف بأن هذا الموقف، شكّل لحظة حرجة هددت سلامة الجميع، لكنه في الوقت نفسه كشف أهمية التوعية المباشرة، فسرعان ما استوعبت النساء خطورة الموقف وتجاوبن مع الرسائل التحذيرية، وتؤكد أن هذه التجربة وغيرها عززت قناعتها بأن نشر الوعي هو خط الدفاع الأول، وأن تقبّل المجتمع لجلسات التوعية يُسهم بشكل مباشر في حماية الأرواح وتقليل المخاطر اليومية.

وتذكر أن أول يوم لها في الميدان كان صدمة إنسانية، حيث واجهت الخطر عن قرب ورأت حجم المعاناة التي يعيشها المدنيون، ورغم ذلك فإن هذه المشاهد المؤلمة لم تثنها عن العمل، بل كانت حافزًا للاستمرار، وزيادة الالتزام بتعليم الناس كيفية حماية أنفسهم وتجنب المخاطر، فكل جلسة توعية أو تحذير للأهالي، يعني بالنسبة لها فرصة لإنقاذ حياة قبل فوات الأوان.

رسالة أمل

تشعر حنان بالفخر ينبع من التأثير الإيجابي على حياة الناس اليومية، ورؤية الأطفال يعودون للعب في ساحة كانت ملوثة، والمزارعين يستأنفون العمل في أراضيهم، والنساء والأسر تعود إلى روتين حياتها الطبيعي.. هذه اللحظات تجسد معنى النجاح الحقيقي في هذا المجال، حيث يتحول العمل الإنساني إلى واقع ملموس ينعكس على المجتمع بأسره.

وترى أن العمل في نزع الألغام ومخلفات الحرب لم يغيّر حياة الآخرين فحسب، بل شكّل أيضًا رحلة صقل لقوتها الداخلية وقدرتها على التحمل واتخاذ القرار في أصعب الظروف، فالعمل الميداني جعلها أكثر إيمانًا بأن السلام يبدأ بخطوة صغيرة، وأن حماية الأرواح مسؤولية أخلاقية وإنسانية تقع على عاتق كل فرد، سواء كان متطوعًا أو مواطنًا في مجتمع متأثر بالحرب.

وبحسب كثيرين فإن حنان العريقي تُعد نموذجًا حيًا للمرأة اليمنية الشجاعة التي اختارت أن تكون في الصفوف الأمامية للأعمال الإنسانية، متحدية المخاطر اليومية، ومؤمنة بأن التخلص من مخلفات الحرب لا يعني فقط إزالة خطر مادي، بل استعادة الأمل وحق الناس في الحياة الآمنة والكرامة الإنسانية.