تتعاقب الأجيال وتتبدل الظروف والأحوال، وتبقى أغاني الأمهات لأطفالهن حية في معظم بيوت اليمن، حضرها وريفها، ويزداد حضورها ألقًا، كما تقول الباحثة في التراث اليمني أروى عبده عثمان، مع تقادم السنين.
في البيوت اليمنية لا تبدأ علاقة الطفل بالعالم بالكلمات، بل بصوت الأم وهي تغني له في المهد بكلمات بسيطة ونغمات هادئة تحمل في طياتها حبًا وطمأنينة وحكايات غير مكتوبة.
هذه الأغاني، وفقًا لوزيرة الثقافة الأسبق الدكتورة عثمان، جزء من ذاكرة اجتماعية وثقافية تعكس ملامح الحياة اليومية ومشاعر الأمومة في المجتمع اليمني.

تعد أغاني الأمهات للأطفال، أو ما يعرف بـ"أغاني التهويدة"، واحدة من أقدم الفنون الشعبية في اليمن وأكثرها ارتباطًا بالبيت اليمني والطفولة المبكرة، وتعبر عن حالة وجدانية من الحنان والخوف والدعاء، وترافق الطفل منذ لحظات نومه الأولى داخل المهد.
وتضيف الدكتورة أروى عثمان، في حديثها لـ"يمن بلاتفورم"، أن هذا التراث الشفهي يعد تعبيرًا عميقًا عن الحالة النفسية والاجتماعية للأم، وغالبًا ما يطغى عليه مشاعر الحب والأمل وطابع الحزن والشجن نتيجة للظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة في البلاد منذ أمد بعيد، جراء الحروب والصراعات الداخلية والغربة.
جزء من الأغنية الشعبية
تؤكد دراسات التراث الغنائي في اليمن أن "التهويدات" تعد جزءًا من منظومة أوسع للأغنية الشعبية التي ترافق الإنسان في مختلف مراحل حياته، وعلى الرغم من بساطتها فإنها استطاعت أن تبقى حية ومتجددة، وتنتقل عبر الأجيال مع بعض التعديلات الطفيفة، ما يجعلها إحدى أهم وسائل حفظ الذاكرة الشعبية وتعزيز الهوية الثقافية داخل المجتمع اليمني.
تصف الدكتورة أروى عثمان التهويدات بأنها «موسيقى الأمهات والطبيعة والحياة»، والحضن الدافئ الذي يرافق الطفل منذ لحظاته الأولى، وتظل راسخة في الذاكرة، يحن إليها الإنسان حتى بعد أن يكبر، رغم كل ما فرضته التكنولوجيا من بدائل حديثة.
وتشير عثمان إلى أن التهويدات ظلت جزءًا أصيلًا من حياة الأمهات اليمنيات، تمامًا كالحكايات الشعبية، وبرغم ما كانت تعانيه الأمهات من إرهاق يومي بين أعمال الحقل والبيت وجلب الماء وتربية الأبناء، وقيام بعضهن بدور الأب في ظل غياب المعيل.

وتستعيد عثمان نماذج من هذه التهويدات الشعبية، مثل:
«هويت لك وأنا لك
والشر لا ينالك...»
وغيرها من العبارات التي كانت تقال أثناء العناية بالطفل والاستحمام، في تعبيرات بسيطة لكنها عميقة الأثر.
تهويدات المهد
تختلف أغاني المهد في اليمن باختلاف البيئات الجغرافية، فهناك تنوع واضح بين المناطق الجبلية والساحلية والريفية، إلا أن القاسم المشترك بينها هو الإيقاع الهادئ والكلمات البسيطة المرتبطة بالحياة اليومية.
في المناطق الجبلية، مثل صنعاء وما حولها، تنتشر تهويدات قصيرة تعتمد على الدعاء والحنان، مثل:
نام يا صغيري نام
الله يحفظك في المنام
يا نور عيني يا غرام
كبرت في حضن السلام
أما في المناطق الساحلية، مثل الحديدة، فتظهر تهويدات تحمل طابعًا ساخرًا أحيانًا أو قصصيًا بسيطًا، من أشهرها:
يا وليد يا جاهل
أمك في الساحل
وأبوك في الدارة
يرعى أبقاره
ولا تقتصر هذه الأغاني على التسلية أو النوم فقط، وإنما تؤدي وظائف اجتماعية ونفسية مهمة، أبرزها، كما تقول الدكتورة عثمان، تهدئة الطفل وإدخاله في حالة من الاسترخاء، وتعزيز الرابط العاطفي بين الأم والطفل، ونقل اللغة والقيم بطريقة غير مباشرة.

تراث يتجدد
وتشير عثمان، في حديثها لـ"يمن بلاتفورم"، إلى أن هذه الأغاني ما زالت حاضرة في كثير من البيوت اليمنية، خصوصًا في المناطق الريفية، رغم التغيرات الاجتماعية ودخول الوسائط الحديثة وتغير أنماط التربية، وما تزال أغاني الأمهات للأطفال جزءًا من الذاكرة الثقافية اليمنية، حيث تتجدد بصيغ مختلفة وتُعاد صياغتها باستمرار، لكنها تحتفظ بروحها الأصلية القائمة على البساطة والدفء الإنساني.
وتؤكد أن بعض الشعوب نجحت في حفظ هذا الموروث وتوثيقه وتحويله إلى أعمال فنية خالدة، كما في تجربة الأغنية العربية الشهيرة "يلا تنام".
وتبقى أغاني التهويدة في اليمن لغة حب أولى بين الأم وطفلها، وجسرًا ثقافيًا يمتد عبر الزمن ليحفظ ملامح المجتمع اليمني وذاكرته الشعبية، ويؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى تعقيد، بل إلى صدق الشعور وبساطة التعبير.


