من أمام منزله بمديرية اللحية الساحلية، يجلس الصياد حسن، ينظر لرفاقه بحزن وهم يجهزون قواربهم ويتأهبون لرحلات الصيد، بينما يجد نفسه عاجزًا عن الحركة بعد رحلة صيد مشؤومة غيّرت مجرى حياته وعائلته، وحولته إلى ضحية.
الصياد الخمسيني حسن "اسم مستعار" مارس عملية الغوص منذ بداية شبابه، لكنه في المرة الأخيرة وجد نفسه عالقًا في أعماق البحر بعد أن أُصيب بجلطة دماغية أفقدته الحركة نتيجة استخدامه وسائل غوص تقليدية تنطوي عليها الكثير من المخاطر.
يقول حسن: كنت أنا المعيل لأسرتي، لكن بسبب المرض اضطررت إلى دفع أبنائي للعمل، وأصبحوا هم الذين يعيلونني.
وفي كل مرة يذهب أبناؤه إلى البحر يشعر حسن بالقلق من أن يتعرضوا لما أصابه، ويكرر عليهم وصيته ألّا يلجأوا إلى الغوص، وأن يكتفوا بما قسم الله لهم، ويتمنى أن تتوفر للشباب معدات الغوص اللازمة للحفاظ على أرواحهم.

مرارة الفقد
على الرغم من المأساة التي يعيشها حسن، إلا أنه يعد محظوظًا لنجاته بحياته مقارنة بضحايا آخرين عادوا إلى ديارهم جثثًا هامدة، ومنهم الشاب أحمد الربيدي الذي لم يستطع أن يتحمل ضغط البحر خلال عملية غوص فاشلة، وترك لأسرته جرحًا لم يندمل.
تحاول شقيقته صفاء أن تخفي حزنها، وتعود بالزمن إلى سبتمبر عام 2019، لتروي مأساة أخيها الذي كان المعيل الوحيد للأسرة بعد انقطاع راتب والده الحكومي.
تقول صفاء لـ"منصة اليمن": خرج أحمد كعادته إلى البحر في الساعة السادسة صباحًا بقارب أحد أصدقائه، ووعد والده ووالدته أنه سيعود إلى المنزل ظهرًا، ولكن بسبب الغوص بلا وسائل حماية فقد حياته، وفقدت الأسرة معيلها.
تضيف صفاء بمرارة: "لم يكن أحمد الفقيد الوحيد، فكثير من الصيادين يموتون بالطريقة نفسها، وفي المرة التي توفي فيها أحمد فقدت المديرية سبعة أشخاص بالطريقة نفسها.
قصص الحب والموت
تقع مديرية اللحية الساحلية على شواطئ البحر الأحمر الذي يحيط بها من ثلاث جهات، وكأنه يحتضن أبناءها ويواسيهم في آن واحد، ومن العلاقة الأزلية بين أبناء المديرية والبحر ينبع الحب الذي يتفتح مع ولادة كل طفل فيها على صوت الموج الهادئ، وعلى خيراته التي جعلت من مهنة الصيد مصدر رزق وحيد للجميع.
ومن البحر ذاته تأتي قصص الحزن التي تخيم على أبناء المديرية بين حين وآخر، لتروي مرارات فقد تتكرر في ظل غياب معدات الغوص الحديثة، واضطرار الشباب، في ظل شحة مخزون الأسماك، إلى المغامرة باستخدام خيارات بدائية تفتقر لمواصفات السلامة؛ فمنهم من ينجو، ومنهم من ينال منه "ضغط البحر" ليموت مخنوقًا في قعر البحر، ومن ينجو منهم قد يعيش حياة أليمة إذا أصيب بالشلل.
وما تزال زوجة الصياد صابر تشعر بالوجع وهي تتذكر تلك النظرة الطويلة لطفلته قبل أن يغادر البيت، وكأنه يودعها للمرة الأخيرة، ويعرف أنه لن يلتقيها مجددًا.
تحكي زوجته، والدموع تحبس أنفاسها، تفاصيل اللحظات الأخيرة، وكيف انطبعت بذاكرتها ملامح وجهه ونظرته لطفلته عند الوداع، فيخنق صوتها غصّة تختزل مرارة الفقد وثقل الحمل على عاتقها وحيدةً لطفلة تريد أن تكون لها الأم والأب.
تقول: في إحدى صباحات عام 2021م، خرج صابر كعادته إلى البحر، يحمل معه هموم عائلته وأحلامهم البسيطة لتوفير رزقهم، ولم يكن يعلم أن الغوص البدائي، في ظل غياب معدات الإنقاذ، سيؤدي به إلى الموت.
لماذا يغوص الصياد؟
الصيد الجائر للأسماك من قبل السفن التجارية، ومشاكل البيئة البحرية التي أدت إلى ضعف مخزون الأسماك في المناطق القريبة من الشواطئ، صعّبت عمليات الاصطياد على الصيادين، وحولت العمل في البحر إلى مشقة كبيرة.
ولا تتوقف تحديات ومخاطر الصياد عند البحر فقط، وامتدت إلى البر، حيث يتم التلاعب بالسوق، وتبرز عمليات الاحتكار، وتغيب وسائل حماية الصياد التقليدي.
يقول عاقل الصيادين بالمديرية هاني صديق: سوق السمك باللحية شبه ميت لعدم وجود ساحة إنزال سمكي أو سوق حراج كما في الحديدة، وهذا جعل بعض الوكلاء يحتكرون السلع مثل الحبار والجمبري والأسماك بأنواعها، مما يؤدي إلى هبوط السعر وقتل التنافس، ويؤثر سلبًا على اقتصاد المديرية.
ويضيف صديق، في حديثه لـ"منصة اليمن"، أن "الصيد العشوائي" أدى إلى شح المخزون السمكي في الشواطئ القريبة، في ظل غياب الرقابة، ووجد الصياد نفسه مجبرًا على الغوص، كما أن الاحتكار الذي يمارسه بعض الوكلاء في السوق يجرد الصياد من قدرته المادية على شراء معدات غوص جديدة أو أسطوانات أكسجين تحميهم من خطر الموت والإصابة بالجلطات.
ويتفق معه الصيادون أن الغوص وسيلة اضطرارية لمواجهة تحديات الخسارة وشحة الصيد، ومن خلاله يقوم الغواص بالعديد من المهام، منها تثبيت الشباك بدقة في أماكن مناسبة، والبحث عن الشقوق التي تكثر فيها الأسماك أو مناوشتها للتحرك نحو الشباك، وقد يكون لجمع بعض الأحياء البحرية يدويًا.

معدات خطرة
لا يمتلك صيادو اللحية المعدات اللازمة للغوص كباقي الصيادين في الدول الأخرى، كأسطوانات الأوكسجين وبدلات الغوص، ويلجؤون إلى استخدام وسائل تقليدية بدائية، أهمها "الكمبروسر" الذي يتكون من محرك يوضع على القارب لشفط الهواء من الجو وضخه في أنبوب طويل يوصل بمنظم على وجه الغواص ليمده بالأوكسجين.
وعلى الرغم من دور الكمبروسر في مساعدة الغواص، إلا أنه -بحسب الصيادين- تترتب عليه الكثير من المخاطر التي قد تؤدي إلى الوفاة، منها انقطاع الأنبوب نتيجة احتكاكه بصخرة، أو وجود تيار بحري قوي يتسبب في دفع الغواص وفصله عنه، بالإضافة إلى احتمالية إنعقاده.
ويتحدث الصيادون عن مشاكل متعددة تظهر بين حين وآخر، تتمثل في تعطل محرك الكمبروسر وتوقف ضغط الأوكسجين للغواص، أو شفط عوادم المحرك إلى الأنبوب.
وهذا ما يؤكده وائل صليفي، رئيس فرع جمعية ساحل تهامة التعاونية السمكية في اللحية، الذي يقول لـ"منصة اليمن" إن الأدوات المستخدمة حاليًا غير مخصصة للغوص، لكن الصيادين لجأوا إليها كبديل اضطراري لعدم قدرتهم على توفير الأسطوانات والمعدات الأخرى.
ويضيف: هذه الأدوات تسبب إصابات قوية ووفيات بسبب المخاطر وعدم قدرتها على ضمان سلامة الغواص في الأعماق؛ فنسبة 90% من المصابين عانوا من ضغط البحر والتجلط.
وعلى الرغم من عدم تسجيل حالات وفاة بين الصيادين نتيجة الغوص خلال العام الماضي، إلا أن الإحصائيات تشير إلى حدوث خمس إصابات خطيرة، و10 حالات بإصابات متوسطة، و30 حالة طفيفة.
أسباب الوفاة
تُرجع الدراسات الطبية حدوث حالات الوفاة أو الإصابة بالجلطات المفاجئة أثناء الغوص بالكمبروسر إلى عدة أسباب، أبرزها التغيرات الحادة في ضغط الغازات داخل الجسم، نتيجة للصعود السريع إلى السطح الذي يحول النيتروجين الذائب في الجسم إلى فقاعات غازية داخل مجرى الدم تعيق تدفقه إلى الدماغ أو الحبل الشوكي، مما يسبب الجلطة الدماغية، بالإضافة إلى تمزق الرئة بسبب حبس النفس أثناء الصعود، حيث يتمدد الهواء ويتجاوز سعة الرئة فتنفجر الحويصلات الهوائية.
وبحسب المصادر الطبية، فإن حوادث الذعر والإجهاد للغواص تحت الماء قد ترفع ضربات القلب وضغط الدم إلى مستويات كبيرة وتسبب نوبة قلبية، وفي حالات أخرى يؤدي عادم المحرك الذي يسحبه الكمبروسر إلى الخرطوم إلى إصابة الغواص بالدوار، وينتهي به المطاف إلى فقدان الوعي والموت غرقًا، علاوة على مشاكل صحية تنتج عن البرودة والإجهاد الحراري الطويل لعدم توفر بدلات الغوص.
وفي محاولة لوضع حد للمعاناة، يطرح عاقل الصيادين هاني صديق عددًا من الحلول، تبدأ بتعميق حفر خور ميناء اللحية ليتحول إلى مرسى حيوي يستوعب السفن الكبيرة، وإنشاء ساحة إنزال سمكي حرة تحرر الصياد البسيط من احتكار الوكلاء، ويسهم في رفع اقتصاد المنطقة.
ويرى رئيس فرع جمعية ساحل تهامة التعاونية السمكية في اللحية، أن أي حلول لمشاكل الصيادين يجب أن تتضمن توفير معدات غوص آمنة، وتكثيف برامج التوعية بمخاطر الغوص العشوائي.


