في حي سقطرى، جنوب العاصمة صنعاء، وخلف بوابة بسيطة لا توحي بما تخبئه في الداخل، تمتد مساحات مقسّمة لممارسة عدد من أنواع الرياضة، أبرزها الفروسية، بعيداً عن واقع الحياة القاسي في بلد أنهكته الحرب منذ أكثر من عشر سنوات.
داخل أكاديمية العروبة للفروسية، تخفت أصوات الناس، ويعلو بدلاً عنها صوت آخر: وقع حوافر الخيول على الرمال، وصهيلها قبل أن تخرج من الإسطبلات التي تضم أكثر من ثلاثين حصاناً مختلفاً في أنواعها وأشكالها، يحمل كل منها اسماً يميّزه، من بينها: الأميرة والنجم وشهامة والسيف وماهر.

وتُعد أكاديمية العروبة أول أكاديمية للفروسية في صنعاء تخصص مساحة خاصة للنساء، مع كادر تدريبي نسائي متخصص.
في الساحة المخصصة للنساء، والمنفصلة بحاجز عن ساحة الشباب، تتوزع المتدرّبات اليمنيات على مستويات مختلفة. بعضهن يقفن مترددات قرب الخيول، يمددن أيديهن بحذر لملامسة أعناقها في محاولة لكسر حاجز الخوف الأول، فيما تسير أخريات بخطوات واثقة، يعتلين السروج بسهولة، وينطلقن في الفروسية الحرة، بل ويجربن القفز فوق الحواجز بثبات وحرفية.
في هذه الساحة، لا تُقدَّم مهارات ركوب الخيل فحسب، بل تُعاد صياغة العلاقة بين المرأة والخوف، وبين الجسد والثقة، وبين الحلم والواقع.
وسط هذا المشهد، تقف الشابة اليمنية دعاء (27 عاماً)، وهي ترتدي خوذتها قبل أن تصعد إلى حصانها، وتقول بثقة: "قد يبدو المكان عادياً، لكن وجودي هنا يشعرني بأنني أملك كل شيء… أشعر أنني حرة، قوية، وأطير وأنا على الأرض".
لم تكن دعاء تخطط لأن تصبح فارسة. فبعد إنهائها المرحلة الثانوية، التحقت بدورات في التصوير والتصميم، وكانت تميل دائماً إلى خوض تجارب جديدة. وتقول: "ركوب الخيل كان مجرد تجربة في البداية، لكنني أحببتها وقررت ممارسة الفروسية وإتقانها".

لم يكن القرار سهلاً في مجتمع محافظ يرى كثيرون فيه أن الفروسية رياضة غير مألوفة للنساء. واجهت دعاء رفضاً أسرياً في البداية ونظرات استغراب، لكنها لم تتراجع. وتضيف: "الفروسية تُخرجني من الضغط والسلبية والظروف الصعبة، وتأخذني إلى عالم هادئ ومريح ومليء بالمتعة، لذلك أصريت على الاستمرار ومواجهة التحديات".
اليوم، أصبحت دعاء مدرّبة ومتدرّبة في الوقت نفسه، تساعد فتيات أخريات على تجاوز مخاوفهن، بما في ذلك الخوف الأول من الخيول، فيما تواصل هي تطوير مهاراتها في الفروسية الحرة والقفز. وتقول: "ما زلت أتعلم كل يوم، ولم أصل بعد إلى ما أحلم به، لكنني مستمرة في السعي والتدريب".
وتشير إلى أثر مدربها مراد في تجربتها، قائلة: "كان يمتلك طاقة إيجابية كبيرة، رفع معنوياتي، ومنحني ثقة بنفسي، وساعدني على إخراج إبداعي في هذه الرياضة".
في زاوية أخرى من الساحة، تركض رغد السواري (19 عاماً) بخفة فوق الرمال، تقود حصانها بثقة استعداداً لتجاوز بعض الحواجز. وتقول: "لم أتوقع يوماً أن أصبح فارسة. البداية كانت صدفة، مجرد تجربة، ثم بدأت أشق طريقي في هذه الرياضة".
تضيف رغد: "الفروسية غيّرت أشياء كثيرة في حياتي، أولها طريقة تفكيري ونظرتي للحياة". وتتذكر كيف أصابها اليأس في بداية مشوارها، لكنها مع الاستمرار والتدريب شعرت بتحول داخلي كبير. وتقول: "اليوم أنا راضية عن نفسي وفخورة بها"، مؤكدة أن الفروسية ليست مجرد رياضة، بل مساحة لاكتشاف الذات. وتضيف: "نحن نملك حياة واحدة، ويجب أن نعيشها كما نشاء وبما يرضي الله، ومن حقنا أن نجرب كل شيء".
أما رهف السواري (16 عاماً)، فتقف قرب أحد الأحصنة وتربت على عنقه برفق قبل أن تعتليه بثقة. وتقول: "اخترت هذا المجال عن حب، أشعر أن الخيل روح أنتمي إليها"
بدأت رهف ركوب الخيل في طفولتها في أماكن عامة، ثم التحقت لاحقاً بالنوادي مع انتشارها. وتقول: "ارتباطي بالفروسية لم يغيّر شيئاً واحداً فقط، بل ولّد داخلي الكثير من الشجاعة والثقة بالنفس". واجهت صعوبات عدة، لكنها تجاوزتها بالعزيمة والإصرار. وتضيف: "بدأت التدريب الجاد عام 2023، ووصلت اليوم إلى مستوى أفتخر به، وأطمح لتحقيق فوز في بطولات داخلية وخارجية".

متدرّبات في طريق الفروسية
في اليمن، حيث لا تزال العادات والتقاليد الاجتماعية تفرض قيوداً كبيرة على النساء وخياراتهن، خصوصاً في الرياضة والترفيه، تبدو رؤية فتيات يمتطين الخيل مشهداً جديداً نسبياً. فكثير من الأسر كانت ترفض أن تتدرّب بناتها في نوادٍ مختلطة، أو أن تمارس المرأة رياضة تُعد، وفق نظرتها، حكراً على الرجال.
ومع الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية والنفسية، تقلصت المتنفسات وأصبحت الأماكن الترفيهية والرياضية شبه معدومة. لذلك، يمثّل وجود أكاديمية تخصص ساحة منفصلة للنساء، مع مدرّبات وبيئة هادئة بلا جمهور، نقطة تحوّل مهمة.
تقول دعاء إن كثيراً من المتدرّبات كنّ في البداية يخشين حتى لمس الخيل، لكنهن اليوم يطلبن تجربة الفروسية الحرة والقفز. وتضيف: "هناك إقبال جيد من النساء. بعضهن يكسرن خوفهن لأول مرة هنا، وأخريات أصبحن محترفات بالفعل".
وتوجّه دعاء رسالة إلى الأسر اليمنية، تدعوهن فيها إلى تشجيع بناتهن على ممارسة الفروسية لما لها من فوائد بدنية ونفسية كبيرة، خصوصاً في بلد مثقل بالحروب والأخبار القاسية. وتضيف: "هناك يمنيات شجاعات وفارسات يستحققن المشاركة في البطولات الدولية، وأنا متأكدة أنه إذا توفرت الفرصة سيرفعن اسم بلادهن عالياً".
وتشير إلى أن ممارسة الفروسية للنساء بدأت تنتشر، ولو بشكل محدود، مع افتتاح عدد من نوادي الفروسية، حيث يوجد حالياً نحو سبعة نوادٍ في صنعاء، إلا أن معظمها لا يخصص مساحات خاصة للنساء مع كادر نسائي.

متنفس وشعور بالحرية
في الساحة، تتباين أصوات حوافر الخيول بين خطوات مترددة لفتيات في بداياتهن، وخطوات ثابتة قوية لفارسات محترفات، وكأن الأرض نفسها تحفظ إيقاع تطورهن. ومع كل قفزة فوق حاجز خشبي، وكل دورة ناجحة حول الساحة، تنكسر قيود غير مرئية طالما كبّلت أحلام كثيرات.
في بلد أنهكته الحرب وضاقت فيه الحياة، تحولت الفروسية إلى متنفس نفسي نادر، ومساحة لاستعادة الشعور بالحياة والقدرة والسيطرة على الذات. هنا، داخل الأكاديمية، لا تتحرك الخيول وحدها، بل تتحرك معها أحلام نساء قررن ألا يستسلمن للواقع، وأن يصنعن لأنفسهن مساحة للحرية.
تقول أمل منصور، إحدى المتدرّبات: "كان الخوف يسيطر عليّ لمجرد الاقتراب من الخيول، لكن منذ أن وجدت هذا المكان، قررت كسر الخوف وممارسة الفروسية، وها أنا في بداية المشوار".
وتؤكد منصور أن وجود مثل هذه الأكاديميات يساعد النساء والرجال على إيجاد مساحة يعيشون فيها بعيداً عن مأساة الوطن. وتقول: "هنا نقرر أن نمارس هوايتنا، نضحك، نحلم، ونبذل جهداً في شيء إيجابي بعيداً عن ضجيج الحرب، وعن فراغ البطالة، وعن جلسات مضغ القات".
وتضيف: "هنا نشعر أننا على قيد الحياة، نركض نحو حلم أو هدف، أو نحاول أن نقذف بأوجاعنا بعيداً مع كل حركة على سروج الخيول".
وتختم بالقول: "لم تعد الفروسية مجرد رياضة، بل أصبحت فعلاً ناعماً للمقاومة، ورسالة تقول إن المرأة اليمنية، رغم كل القيود، ما زالت قادرة على الحلم… والسعي لتحقيقه".
وتؤكد المدربات في الأكاديمية أن الإقبال النسائي جيد، وهو ما يعكس حاجة المرأة اليمنية إلى المكان والفرصة لتحويل أحلامها إلى واقع.

