تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

وسط رقابة غائبة.. إعلانات تجارية تروج لذبح صغار الماشية

"أشتي ربع حنيذ لحم رضيع لباني، كل يوم بنبسرها في الانستغرام شكلها خلقه" بثقة كبيرة كان أحد الزبائن يطلب وجبة الغداء بمطعم في صنعاء وهو يتصفح قائمة الطعام الإلكترونية.

لم يعد هذا الطلب استثناء بل بات يتكرر في عدد من المطاعم التي تروج لحم الرضيع عبر منصات التواصل في مؤشر على تحول الإعلانات الرقمية إلى محرك للطلب على ذبح صغار المواشي.

والطلب الذي يبدو عادياً يكشف تحولاً مقلقاً في السلوك الاستهلاكي إذ تحولت الصغار إلى مادة دعائية تقدم بوصفها رمزاً للرفاهية وجودة المذاق بينما تمثل في الواقع استنزافاً صامتاً للثروة الحيوانية وتهديداً لاستدامة الإنتاج والأمن الغذائي.

التسويق الرقمي لمثل هذا النوع من اللحوم باعتبارها منتجاً استثنائياً من خلال الإعلانات اليومية ومنشورات المؤثرين ساهمت في زيادة الإقبال عليها وتحويله إلى سلوك استهلاكي متزايد

مبررات

التسويق الرقمي لمثل هذا النوع من اللحوم باعتبارها منتجاً استثنائياً من خلال الإعلانات اليومية ومنشورات المؤثرين ساهمت بشكل كبير في زيادة الإقبال عليها وتحويله إلى سلوك استهلاكي متزايد.

وخلال جولة بين عدد من الملاحم برر أحد الجزارين ذبح صغار المواشي بقوله " نحن فقط نلبي احتياجات السوق والطلب كبير من المطاعم والزبائن ويدفعوا أكثر لشراء لحم الرضيع"

ليكشف هذا التبرير أنه كلما ازداد الترويج لهذا النوع من اللحوم ارتفع الطلب عليه ما يدفع المربين والجزارين إلى بيع وذبح المواليد لتحقيق أرباح سريعة بدلاً من تربيتها حتى تبلغ أوزاناً إنتاجية أعلى ترفد السوق بكميات أكبر من اللحوم.

اقتصادياً يمثل ذبح صغار المواشي قبل اكتمال نموها خسارة إنتاجية مضاعفة

خسارة مضاعفة

اقتصادياً يمثل ذبح صغار المواشي قبل اكتمال نموها خسارة إنتاجية مضاعفة فالخروف الذي يذبح بوزن لا يتجاوز بضعة كيلوغرامات من الممكن أن يتضاعف وزنه خلال أشهر قليلة ليصل إلى أكثر من 20 أو 25 كيلوغراماً مما يعني فقدان جزء كبير من العائد الإنتاجي الذي كان يمكن تحقيقه.

ولا تعد استهلاك الم بل تمتد إلى مورد وطني يمثل أحد أهم ركائز الأمن الغذائي في البلاد لتعكس بيانات كتاب الإحصاء الزراعي لعام 2023م حجم هذه الثروة إذ تضم اليمن أكثر من 10.7 ملايين رأس من الضأن و10.3 ملايين رأس من الماعز ونحو مليوني رأس من الأبقار إضافة إلى 462 ألف رأس من الجمال بإجمالي يتجاوز 23.4 مليون رأس بزيادة بلغت 10.3% مقارنة بعام 2014م.

ويوضح وكيل قطاع الثروة الحيوانية بوزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية الدكتور عبدالرؤوف الشوكاني أن هذا النمو جاء نتيجة حزمة من الإجراءات أبرزها تشجيع الإنتاج المحلي وتكثيف حملات التوعية بمخاطر ذبح إناث وصغار المواشي وهي خطوات أسهمت في حماية الأصول الإنتاجية وتعزيز نمو الثروة الحيوانية.

غير أن هذا التحسن يواجه اليوم تهديداً متصاعداً إذ تعيد موجة الإقبال على لحوم اللباني استنزاف جزء من هذه المكاسب والإضرار بالثروة الحيوانية.

ويرى المواطنون أن القضية تمس الأوضاع الاقتصادية في اليمن في ظل غياب البدائل التي تمكن المزارعين من الاحتفاظ بمواشيهم حتى اكتمال نموها.

يؤكد المواطن سلطان النوم أن حماية الثروة الحيوانية ضرورة وطنية لا خلاف عليها لكنه يتساءل عن جدوى فرض القيود دون توفير بدائل اقتصادية توازن احتياجات السوق.

ويقول النوم: "طالما ونحن دولة تصدر وتستهلك المواشي يجب الإسراع في تنظيم الاستيراد الخارجي لتغطية العجز والتغلب على النقص في السوق المحلي لتوفير اللحوم بأسعار مناسبة والحفاظ على الثروة الحيوانية"

ويضيف: "قبل منع ذبح الصغار والإناث يجب مراعاة المزارع الذي يربي المواشي ويحتاج لبيعها لسد حاجته الحياتية بدلاً من تركها تموت جوعاً."

يعكس هذا الطرح الحاجة إلى معالجة متوازنة تجمع بين حماية الثروة الحيوانية وتوفير حلول اقتصادية للمربين من خلال تنظيم الاستيراد وتوفير الأعلاف ودعم المنتج المحلي بما يمكنه من الاحتفاظ بمواشيه حتى بلوغ السن القانونية.

ويرى المواطنون أن القضية تمس الأوضاع الاقتصادية في اليمن في ظل غياب البدائل التي تمكن المزارعين من الاحتفاظ بمواشيهم حتى اكتمال نموها.

قانون معطل

على الرغم من وجود النصوص القانونية الواضحة في حماية صغار وإناث المواشي إذ تحظر المادة (5) من قانون تنظيم وحماية الثروة الحيوانية رقم (17) لسنة 2004م ذبح صغار وإناث المواشي غير المستوردة قبل بلوغها السن والوزن المحددين.

إلا أن النص القانوني يصطدم بواقع مختلف إذ تذبح صغار المواشي وتسوق علناً تحت مسمى "لحم الرضيع واللباني" بل وتتحول إلى مادة دعائية تتباهى بها بعض المطاعم عبر منصات التواصل في ظل ضعف الرقابة الميدانية وغياب المساءلة ما جعل أحكام المادة الخامسة أقرب إلى نص قانوني غير مطبق.

ولا تقتصر الإشكالية على ضعف الرقابة فقط بل تمتد إلى فاعلية العقوبات المنصوص عليها في القانون إذ تحدد المادة (38) من القانون ذاته، غرامة مالية قدرها خمسة آلاف ريال عن  ذبح رضيع رأس من الأغنام أو الماعز بغرض الاتجار مع مصادرة الذبيحة.

غير أن هذه الغرامة تبدو محدودة الأثر الردعي في ظل ارتفاع أسعار اللحوم إذ يتجاوز سعر الكيلو الواحد من هذه اللحوم قيمة الغرامة نفسها ما يجعل العائد التجاري من المخالفة في بعض الحالات أعلى من كلفة العقوبة.

ومع مرور أكثر من عقدين على صدور القانون وتغير الظروف الاقتصادية وقيمة العملة تبرز الحاجة إلى مراجعة العقوبات بما يضمن قدرتها على الردع وحماية الثروة الحيوانية من الاستنزاف.

المسؤولية المشتركة

تقع مسؤولية حماية الثروة الحيوانية على عاتق الجميع فالقضية ليست مجرد قرار يتخذه مربي أو جزار وإنما نتيجة سلسلة مترابطة تبدأ بالإعلان ولا ينتهي عند رقابة غائبة وقانون لا يجد طريقه إلى التنفيذ وبين هذه الحلقات تتآكل الثروة الحيوانية بصمت بينما تتسع الفجوة بين النصوص القانونية والواقع.

ليبقى وقف هذا النزيف مسؤولية مشتركة تبدأ بتفعيل أحكام القانون وتمر بضبط المحتوى الإعلاني الذي يشجع على ذبح الصغار ودعم المربين اقتصادياً وصولاً إلى وعي المستهلك بأن اختياره اليوم قد يرسم ملامح الأمن الغذائي غداً.

فهل يتحرك الجميع قبل أن تتحول هذه الظاهرة من "ترند" عابر إلى خسارة يصعب تعويضها؟