تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

ولادة في العراء.. نازحات يواجهن المخاض بلا مأوى بريف تعز

بعد رحلة فرار شاقة تحت نيران المواجهات العسكرية في الساحل الغربي بين قوات الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي، هربت العشرينية بكرية وهي في آخر أيام الحمل مع أسرتها سيرًا على الأقدام، دون أن تحمل معها غذاءً يقيها الجوع أو مياهًا نظيفة.

وصلت بكرية إلى مخيم القحفة الحمراء للنازحين في مديرية الشمايتين بالريف الجنوبي لمحافظة تعز، بعد ساعات طويلة من السفر تشكو من الإرهاق والإعياء الشديد، لتجد المكان يفتقر إلى خيام الإيواء والخدمات المنقذة للحياة وأبسط مقومات العيش.

وفي ليلة ماطرة، بعد أيام من الوصول، باغتها ألم مخاض ولادتها الأولى، وهي ممددة على قطعة فراش مهترئة تفصلها عن التراب، ودون سقف يسترها أو قابلة تمد لها يد العون.

تحولت الولادة إلى كابوس امتد لساعات طويلة تحت البرد القارس، كانت ترى فيها نفسها في صراع مع الموت، بينما كانت قريباتها يحاولن صد الرياح.

وكغيرها من النساء الحوامل في المخيم، مرت بكرية بتجربة مريرة لولادة في العراء، غابت فيها الرعاية الطبية والغذاء ووسائل التدفئة، ولم تكن حولها سوى عدد من النساء الكبيرات في السن يحاولن المساعدة وسط خذلان الدولة والمنظمات الإنسانية.

يضم مخيم القحفة الحمراء خمسين أسرة نازحة، إلا أن تجدد المواجهات في الساحل الغربي تسبب بموجة نزوح جديدة، ووصلت عدد العائلات إلى 200 أسرة.

مخيم في منطقة نائية

تأسس مخيم "القحفة الحمراء" بالشمايتين منذ بداية الحرب في العام 2014، كملاذ لعائلات هربت من جحيم المواجهات، وخلال تلك السنوات وصل عدد العائلات النازحة إلى خمسين أسرة، إلا أن تجدد المواجهات في الساحل الغربي تسبب بموجة نزوح جديدة، حيث وصل عدد العائلات إلى 200 أسرة.

وسط المخيم يعيش النازحون ظروفًا بالغة القسوة في العراء التام، دون خيام تقيهم تقلبات الطقس، وانعدام منظومات الطاقة الشمسية والمياه النظيفة وشبكات الصرف الصحي، في ظل شحة في التدخلات الإنسانية الأساسية.

وبحسب النازحين الذين التقتهم "يمن بلاتفورم"، تقتصر المساعدات التي قدمتها بعض المنظمات الإنسانية على تدخلات بسيطة وغير كافية، شملت توزيعًا محدودًا لمواد غذائية، وبطانيات وفرش، وحقيبة الكرامة لبعض الأسر، بينما لم تحصل الغالبية العظمى على أي مساعدات.

وعلى الرغم من الحالة المعيشية الصعبة في مختلف النواحي الحياتية، إلا أن الولادة تمثل حالة رعب حقيقية للأسرة ومخاطرة قد تفقدهم حياة الأم أو الرضيع، لا سيما أن المخيم يقع في منطقة نائية لا تتوفر فيها المواصلات بسهولة.

وبين هذه المنحدرات الريفية المترامية، تحولت الولادة في العراء أو تحت أغطية بلاستيكية ممزقة إلى مغامرة محفوفة بالآلام والمخاطرة وصراع من أجل النجاة من موت محقق.

عاشت إحدى النازحات من الساحل الغربي إلى مخيم القحفة الحمراء في مديرية الشمايتين ساعات وضع مولودها البِكْر في العراء بلا خيمة تستر جسدها وتحجب عنها الرياح والأمطار، أو أغطية تدفئها من البرد القارس

مخاطر ما بعد الولادة

بعد أيام قليلة من ولادة بكرية، كانت "فاطمة" ــ اسم مستعار ــ تخوض تجربة الولادة في ذات الظروف القاسية، وبجوارها أربعة أطفال يرتجفون رعبًا من المشهد.

لم يجد الزوج ما يغطي به زوجته سوى قطعة بلاستيكية خفيفة "طربال" حصل عليها من الأهالي، فراح يركض بذهول بين الخيام وهو يصرخ بالناس ويستغيث: "زوجتي تلد، أعطوني بطانية.. أعطوني ما أغطي به زوجتي".

لا تتوقف المعاناة على مرحلة الولادة، وتواجه الأمهات بعدها مضاعفات النزيف المستمر دون رعاية لاحقة أو مغذيات وأدوية قابضة للرحم، إلى جانب العجز عن الرضاعة الطبيعية السليمة بسبب سوء التغذية، فيما يواجه المواليد الجدد برد الشتاء والرطوبة العالية داخل أقمشة مبللة، ما يعرضهم مباشرة لمخاطر النزلات الصدرية الشديدة.

توضح القابلة إشراق عبدالباسط أن كثيرًا من المخاطر تترتب على الولادة بالمخيم، وتصبح الأم عرضة مباشرة للإصابة بحمى النفاس وتسمم الدم جراء انعدام الأدوات المعقمة واستخدام ملابس وأقمشة غير نظيفة أثناء الولادة في بيئة ترابية ملوثة.

وتقول لـ"يمن بلاتفورم": "الكزاز الوليدي أحد الأمراض الخطيرة التي تهدد حياة الأم والوليد معًا؛ نتيجة قطع الحبل السري أو التعامل مع جروح الولادة بوسائل غير مطهرة، بالإضافة إلى تعرض المواليد للإصابة بالتهابات رئوية وتنفسية حادة نتيجة انعدام التدفئة المناسبة وتعرض أجسادهم الضعيفة للبرد والرطوبة والرياح فور خروجهم إلى الحياة".

يمثل مخيم القحفة الحمراء أحد أصعب مخيمات النزوح التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وتواجه فيه الفئات الضعيفة، كالأطفال والنساء، لا سيما في فترات الحمل والولادة، معاناة مستمرة.

نداء استغاثة

وثق التقرير الموحد للنزوح الصادر عن الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في اليمن، الذي صدر مؤخرًا، نزوح 17,852 أسرة، يبلغ إجمالي أفرادها 122,297 فردًا، موزعين على ثماني محافظات (تعز، لحج، الحديدة، عدن، أبين، حضرموت، المهرة، وشبوة) بسبب الأحداث الأخيرة.

وبحسب الإحصائيات، تصدرت محافظة تعز قائمة المحافظات الأكثر تضررًا بتسجيل 9,562 أسرة نازحة، تليها لحج بـ4,511 أسرة.

ونتيجة لهذا، أطلقت الوحدة التنفيذية نداءً إنسانيًا عاجلًا لوكالات الأمم المتحدة والمنظمات المانحة لتقديم تدخلات فورية ومنقذة للحياة بالتوازي مع تقييم الاحتياجات، خاصة في قطاعات المأوى والغذاء والمياه والصرف الصحي والخدمات الصحية والحماية.

ويمثل مخيم القحفة الحمراء أحد أصعب مخيمات النزوح التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وتواجه فيه الفئات الضعيفة، كالأطفال والنساء، لا سيما في فترات الحمل والولادة، معاناة مستمرة.

وتنقل نورة جمال الدبعي، مسؤولة نقاط التواصل في مواقع مخيمات الشمايتين، خلال حديثها لـ"يمن بلاتفورم"، شهادات مريرة عن واقع النساء بالمخيمات، مؤكدة أن الوضع تجاوز مرحلة الأزمة إلى الانهيار الكامل لخدمات الصحة الإنجابية.

تقول الدبعي: "تعيش عشرات الحوامل في قلق دائم بالمخيم، إذ لا تتوفر أي رعاية خلال فترة الحمل أو الولادة وما بعدها، وتغيب المرافق الصحية والخدمات الطبية الطارئة المعنية بالصحة الإنجابية، علاوة على انعدام الخيام الصالحة للسكن".

وتضيف: "في المخيم، كل حالة حمل تصبح خطرًا محدقًا على حياة الأم والوليد، خاصة في ظل أمطار مستمرة وأجواء باردة".

أسام المشرقي: الولادات التي حدثت بالمخيم في العراء أو تحت الطرابيل ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، والمأساة تمثل كابوسًا حقيقيًا لاسيما مع استمرار هطول الأمطار.

مأساة تتكرر

مدير الوحدة التنفيذية في المخيم بمديرية الشمايتين، أسام المشرقي، أطلق نداء استغاثة للدولة والمنظمات الإنسانية خوفًا من تحول الإنجاب إلى خطر يهدد حياة النساء والمواليد.

يقول المشرقي في منشور على صفحته في فيسبوك: "الولادات التي حدثت في المخيم ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، والأطفال يولدون بالعراء والأمهات تلد تحت الطرابيل، ويعشن كابوسًا حقيقيًا وهن يفترشن الأرض تحت أغطية بسيطة حصلن عليها من الأهالي، وسط استمرار هطول الأمطار".

ويشدد المشرقي على ضرورة وجود تدخل حاسم وتوفير خيام وأغطية عازلة تقي العائلات والأطفال تقلبات الطقس والأمطار المتواصلة، ورعاية طبية عاجلة، وتزويد الأمهات والمواليد بالأدوية والمستلزمات الطبية والرعاية الصحية الأساسية، وإمدادات غذائية، وتقديم سلال غذائية متكاملة وحليب للأطفال ومستلزمات خاصة بالمرضعات.

استطاعت بكرية تجاوز خطورة مرحلة الولادة في ظروف غير آمنة، لكنها ما تزال بلا مأوى وتحتاج إلى رعاية طبية وتغذية صحية وتوفير احتياجات طفلها الرضيع، ولن تتوقف المعاناة عندها، وكثير من النساء الحوامل يترقبن المصير ذاته إذا لم يتم توفير متطلبات المخيم الأساسية والمساعدات المنقذة للحياة.