تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

تصويب نحو الهدف… نساء يقتحمن رياضة الرماية في اليمن

في مشهد غير مألوف، تقضي العشرينية لطيفة علي الحديد أوقاتًا من الحماسة في ميدانٍ يختلط فيه الصمت بالتركيز، وصوت الطلقات النارية بثبات الأيدي، إلى جانب نساء يقفن في مساحة جديدة لا يقتصر فيها التحدي على إصابة الهدف، وإنما في الوصول إلى الميدان نفسه.

وبدافع تعزيز الثقة بالنفس والاستعداد لأي طارئ، التحقت لطيفة الحديد بمركز تدريب الواعدات للرماية بأمانة العاصمة صنعاء، لتخوض تجربة رياضية فريدة تحولت إلى مساحة خاصة من المتعة والانضباط.

تؤكد الحديد في حديثها لـ"منصة اليمن" أن التجربة انعكست بشكل واضح على ثقتها بنفسها، ومنحتها إحساسا أكبر بالثبات والسيطرة، وعلى خلاف ما قد يُتوقع، لم تواجه أي رفض من محيطها، بل لقيت تشجيعا ودعما عززا رغبتها في الاستمرار.

افتتاح أقسام تدريب خاصة بالنساء لم يكن سهلًا، ليس بسبب صعوبة التدريب، بل بسبب الصورة المسبقة عن هذه الرياضة وارتباطها الذهني بالرجال وحدهم

من الخوف إلى الثقة

ترى مدربة الرماية في إحدى مراكز التدريب بصنعاء، أمل مدهش، أن رحلة المتدربات داخل الميدان بمثابة تحول حقيقي من مرحلة التردد والحذر والخوف والتوتر في الأداء، التي تظهر بوضوح في البداية، وتتراجع مع مرور الوقت، لتحل محلها مشاعر الثقة المتنامية.

وتبقى اللحظة الأولى التي تمسك فيها المتدربة السلاح الناري لأول مرة هي الأكثر حساسية في مرحلة التدريب، حيث لا تكون الرغبة مقتصرة على التعلم، بل تمتد إلى ما هو أعمق في اختبار القدرة على السيطرة، وتجاوز الخوف.

تقول مدهش لـ"منصة اليمن": "المتدربات لا يكتسبن فقط مهارة التصويب، بل يطورن قدرة أعلى على التركيز وضبط النفس، التي لا تتوقف عند حدود الرياضة، وتمتد إلى الحياة اليومية؛ فتلاحظ المدربة تحسنًا في التوازن النفسي والقدرة على التعامل مع الضغوط".

تؤكد مدهش أن دوافع النساء للانضمام تختلف في بدايتها عمّا تنتهي إليه، فبينما تسجل كثيرات بدافع الدفاع عن النفس، يتحول الهدف تدريجيًا إلى اهتمام أعمق بالرياضة نفسها

كسر احتكار الرجال

افتتاح أقسام تدريب خاصة بالنساء لم يكن سهلًا، ليس بسبب صعوبة التدريب، بل بسبب الصورة المسبقة عن هذه الرياضة وارتباطها الذهني بالرجال وحدهم، مما جعل هذه المساحات الخاصة تكسر حاجز احتكار الرياضة، وتُشعر المتدربة بالراحة، وترفع قدرتها على التعلم.

تؤكد مدهش أن دوافع النساء للانضمام تختلف في بدايتها عمّا تنتهي إليه، فبينما تسجل كثيرات بدافع الدفاع عن النفس، يتحول الهدف تدريجيًا إلى اهتمام أعمق بالرياضة نفسها.

تقول أمل: "في البداية يكون الدافع عمليا، لكن مع الوقت تبدأ المتدربة في الاستمتاع بالتجربة، وتسعى لتطوير نفسها والتفكير في المنافسة واكتشاف قدراتها الداخلية".

ولا يتعلق الأمر بالرياضة وحدها، فما يحدث في الميدان الصغير يعكس تحولات أوسع تتعلق بمكانة المرأة وحدود الفرص المتاحة لها، وقدرتها على إعادة رسم هذه الحدود.

رغم التحديات، لم تعد مشاركة النساء في الرياضة في اليمن هامشية كما كانت في السابق، إذ تشير معطيات محلية إلى حضور نسوي متنامٍ في عدد من الألعاب

أرقام وبطولات

رغم التحديات، لم تعد مشاركة النساء في الرياضة في اليمن هامشية كما كانت في السابق، إذ تشير معطيات محلية إلى حضور نسوي متنامٍ في عدد من الألعاب يصل إلى نحو 17 لعبة رياضية، من بينها الرماية التي بدأت تجذب اهتماما متزايدا من الفتيات.

حيث شهدت الساحة الرياضية خطوات تنظيمية، من بينها افتتاح قسم للرماية في الاتحاد العام للرماية بالتنسيق مع وزارة الشباب والرياضة، إلى جانب تنظيم بطولات مفتوحة في سلاحي المسدس والبندقية (ضغط الهواء)، بالإضافة إلى نادي بيرقرين ونادي بلقيس، اللذين يوفران الخصوصية التامة للنساء، ما يعكس توجهًا نحو توسيع قاعدة المشاركة وتطوير هذه الرياضة.

هذا التوسع يكشف عن رغبة متزايدة لدى الفتيات في كسر القيود التقليدية، والدخول إلى مجالات لم تكن متاحة لهن سابقا، رغم استمرار التحديات المرتبطة بالعوائق الاجتماعية ومحدودية الدعم المؤسسي.

فكرة تدريب النساء على الرماية قوبلت في البداية ببعض التحفظات، لكنها بدأت تتراجع تدريجيًا مع ظهور نتائج ملموسة

شكوك وتحفظات

خلف كل تجربة تبدو ناجحة توجد تحديات، فاختيار مسار غير تقليدي لا يأتي دون كلفة، والعمل في مجال غير مألوف للنساء يعني، في كثير من الأحيان مواجهة شكوك غير معلنة أو الحاجة المستمرة لإثبات الجدارة، والاستمرار الذي يعد بحد ذاته إنجازا.

توضح مدهش أن فكرة تدريب النساء على الرماية قوبلت في البداية ببعض التحفظات، لكنها بدأت تتراجع تدريجيًا مع ظهور نتائج ملموسة، والتزام واضح بطبيعة التدريب.

ولم تعد القوة بالنسبة لمدهش مفهومًا مرتبطا بالقدرة الجسدية، وإنما تكمن في الصبر والتركيز وضبط النفس، فالتدريب على الرماية علمها أن السيطرة على المشاعر لا تقل أهمية عن دقة التصويب.

ولهذا تُشجع الفتيات على خوض التجربة، ليس فقط لاكتساب مهارة، بل لاكتشاف أنفسهن وقدراتهن بشكل جديد.

فبين كل طلقة وأخرى، هناك قصة تُكتب عن نساء لم يكتفين بإصابة الهدف، بل قررن أولًا أن يقتربن منه في مساحة لم تكن لهن من قبل.