تحت وطأة الحرب والنزاع المسلح، ترك أبو خالد وعائلته منزلهم في مدينة ميدي في رحلة نزوح إلى مديرية اللحية "شمال محافظة الحديدة"، بحثًا عن الأمان ولبدء حياة لم يخطط لها يومًا، إلا أن نزوحه في ظل إمكانيات شبه معدومة جعل حياته الجديدة مليئة بالتحديات.
وبنبرة مسكونة بالتعب والحزن، يقول أبو خالد "اسم مستعار": "نزحت إلى اللحية، مع زوجتي وأطفالي الثلاثة، وأنا لا أمتلك أي شيء، وهناك لم نجد منزلًا يؤوينا، فبنينا منزلًا من القش "عشة"، وعندها بدأت حاجتنا للأخشاب لبناء سقف يحجب عنا حرارة الشمس، فتوجهنا لقطع أشجار المانجروف."
ويضيف في حديثه لـ"يمن بلاتفورم": "فيما بعد صار احتطاب المانجروف عملًا يوميًا لحاجتنا له في طبخ الطعام بدلًا من الغاز المنزلي الذي لا نستطيع شراءه، أو لبيعه لتوفير لقمة العيش للأسرة."
.jpeg)
مهنة يومية
لم تقتصر عملية قطع الأشجار على النازحين فقط، وامتدت لتشمل المواطنين في المجتمعات المحلية الساحلية، حيث تتبعت معدة التقرير أنشطة الاحتطاب التي يقوم بها السكان، وتوصلت إلى أن الأمر أصبح إحدى الأنشطة اليومية لأغلبية الناس الذين يستخدمون الأخشاب بدرجة رئيسية كوقود للطهي.
ويصف المواطنون ظاهرة التوسع في تقطيع أشجار المانجروف بـ"الفعل الاضطراري"، نتيجة لظروفهم المعيشية الصعبة التي تجعلهم عاجزين عن توفير الغاز المنزلي.
يوضح الشيخ علي عيسى، عضو المجلس المحلي بمديرية اللحية، أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين أوضاع الناس الاقتصادية واستنزاف المقدرات الطبيعية على امتداد ساحل البحر الأحمر.
ويقول عيسى لـ"يمن بلاتفورم": "بسبب النزوح والأزمة الإنسانية الخانقة التي تعصف بالناس في مديريات الساحل، تحول الاحتطاب إلى ضرورة لإعداد الطعام، علاوة على زيادة طلب الناس على الأخشاب في بناء المساكن للنازحين، مما أثر في تقلص أعداد أشجار المانجروف وكل أنواع الأشجار البرية والبحرية الأخرى."
وهو ما يؤكد الخبير البيئي المهندس ياسر الغبير، رئيس الهيئة العامة للموارد المائية، من أن غابات المنجروف في السواحل اليمنية تعرضت لتدهور كبير خلال السنوات الأخيرة، نتيجة للاقتطاع الجائر، والرعي، والتوسع العمراني، والاحتطاب، فضلًا عن تأثيرات التغيرات المناخية.
.jpeg)
ناقوس خطر
لم تتوقف الآثار السلبية للتحطيب الجائر لأشجار المانجروف على البيئة البرية للسواحل وانحسار الغطاء النباتي الذي يساهم في تخفيف حرارة الجو أو يعمل كمصدات طبيعية للرياح، وإنما امتدت تأثيراته لتهدد البيئة البحرية وتنوعها.
وبحسب أستاذة علوم البحار والبيئة في جامعة الحديدة صبا أحمد، تمثل محمية المانجروف بنية حيوية مهمة للساحل التهامي، ونظامًا بيئيًا فائق الإنتاجية؛ لأنه يعد حاضنة طبيعية لصغار الأسماك والقشريات مثل الجمبري، حيث توفر جذوره المعقدة والمتشابكة الحماية والغذاء.
تقول صبا في حديثها لـ"يمن بلاتفورم": "عندما نقطع المنجروف، فإننا نقتطع دورة حياة للعديد من الكائنات البحرية، ونجعلها تفقد الحاضنات الآمنة لليرقات، وينهار مصدر الغذاء للعوالق، وبالتالي يتدهور المخزون السمكي بشكل مباشر، وهذا ما نراه اليوم بوضوح من خلال تراجع كميات الصيد في اللحية."
الشيء ذاته يحذر منه عاقل الصيادين في مديرية اللحية مناجي تنبول، بقوله: "اقتطاع أشجار المانجروف بشكل جائر غيّر الحياة البحرية وانهار المخزون السمكي، والوضع صار خطيرًا وينذر بكارثة بيئية."
ويؤكد تنبول لـ"يمن بلاتفورم" أن اللحية، التي كانت تعرف بوفرة الأسماك والكائنات البحرية وتنوعها، وتشتهر بالعديد منها، لا سيما الحبار والجمبري، لكن المخزون أصبح شحيحًا جدًا.
.jpeg)
فراغ قانوني
وفي ظل هذا الواقع، لا توجد قوانين أو لوائح خاصة بحماية أشجار المنجروف بالمناطق الساحلية؛ لأنها لم تدخل ضمن المحميات الطبيعية التي تخضع لتشريعات صارمة تحمي التنوع الطبيعي، كما هو الحال بمحمية برع، علاوة على أن الفراغ المؤسسي وغياب الرقابة تفاقمت معه مشكلة الاحتطاب وتزايدت المخاطر البيئية على مديرية اللحية وبقية مناطق الشريط الساحلي.
وتقتصر التشريعات اليمنية الخاصة بالحفاظ على المقدرات الطبيعية على قانون حماية البيئة رقم (26) لسنة 1995، الذي يحظر في المادة (14) الإضرار بالغطاء النباتي، التي تندرج تحته المانجروف، لكنه لا يطبق على الأرض، لا سيما في العقد الأخير الذي دخلت فيه البلاد في أتون الحرب.
وبحسب الشيخ علي عيسى، فإن السلطة المحلية كانت في سياق وضع تصور لتشريعات تحمي أشجار المانجروف، إلا أن اندلاع الحرب عطل هذا المشروع، مما جعلها تكتفي في الوقت الراهن بأعمال التوعية والرقابة على أعمال التحطيب.
ويشير الشيخ عيسى إلى أنه، بالإضافة إلى التوعية، فإن الحل الوحيد الممكن حاليًا هو إيجاد البدائل لحطب الطبخ، وتوفير مصادر دخل للمواطنين والنازحين؛ لأن الناس يحطبون بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد.
ويرى عيسى أن جهود التوعية التي تنشرها السلطة المحلية أوساط الناس أعطت نتائج إيجابية، وجعلت نسبة التحطيب بمديرية اللحية أقل مقارنة بالمناطق المجاورة لها، كالجرفانية وميدي والخوبة وبني عباس، التي تعاني من التحطيب الجائر.
.jpeg)
غياب الرؤية الوطنية
من وجهة نظر الخبير البيئي ياسر الغبير، لا تتمثل المشكلة في غياب التشريعات وحدها، بل في ضعف تطبيقها على أرض الواقع، علاوة على محدودية الإمكانات البشرية والفنية، وتداخل اختصاصات بعض الجهات الحكومية، وضعف الوعي البيئي، والظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، مما أثر على كفاءة الرقابة والإنفاذ، مشيرًا إلى أن حماية المنجروف تتطلب تعزيز الحوكمة البيئية بقدر ما تتطلب وجود قوانين رادعة.
ويرى الغبير أن الحلول تحتاج رؤية وطنية أوسع، تكون فيها الأولوية لوقف أي أعمال احتطاب جديدة، وإعلان المواقع الأكثر حساسية كمناطق ذات حماية مشددة، مع تكثيف الرقابة الميدانية، وتنفيذ حملات توعية تستهدف المجتمعات الساحلية.
ويؤكد أهمية إطلاق برنامج وطني متكامل لإعادة تأهيل المناطق المتضررة من خلال استزراع الشتلات المحلية، يمتد من ثلاث إلى خمس سنوات، وربط هذه البرامج بمبادرات التكيف مع التغيرات المناخية والحفاظ على التنوع الحيوي، مع توفير التمويل اللازم من الشركاء الدوليين.

