عندما تعلن الشمس رحيلها منحدرةً نحو الأفق، هنا في أروقة أحياء المكلا القديمة، يجتمع الأطفال أمام منازلهم، في كل يوم من شهر رمضان فوق مساحات هندسية، شكّلوها بأيديهم من الحَصلة، وهي حصى بحري أسود، ويرددون بتناغم:
ياما صييمة
هاتي لقيمة من البريمة
يامغرب أذّن
قل الله أكبر
والشريبة تبربر
والتنينار يرشن
يا عواد
عاد شي صيمة.
تُعدّ طقوس صييمة إحدى المظاهر الاجتماعية في مدينة المكلا، التي تعكس حضور العادات الشعبية في شهر رمضان. يصف الباحث محمد باكرمان هذه الطقوس "في الأسبوع الأخير من شعبان كانت تُجهز الصييمة ومتطلباتها الضرورية مثل: الحَصلة، الزمزمية، القُفّة. ينزل الأطفال إلى سواحل مدينة المكلا لأخذ الحَصلة المتواجدة غالبًا عند سواحل البحر، ويتم تجميعهن بعناية في القصاع (علب اللبن)، ثم جلبهن إلى تحت البيوت في الحارات، وفرشهن بشكل مربع أو مستطيل ليجلس عليها أطفال الحارة عصرًا حتى قرب أذان المغرب."
وتُجمع الحصى من الساحل بإحكام. واختيار نوعها مرتبط بشكل وثيق بطبيعة البيئة البحرية التي تشكل سلوك مجتمع المدينة، حيث يقول الصحفي علي اليزيدي: "يجمعون حصلة من نوع خاص، ويفرشوها تحت البيوت حيث تُجمع الأطفال للصييمة، ولابد أن تكون حصلة بحر سوداء"، مؤكدًا أنّ اختيار الحَصلة بعناية يعود لتحقيقها بعض الأبعاد الجمالية والاجتماعية للمدينة.
%20copy.webp)
تواجه بعض الممارسات الشعبية في المكلا تحديات البقاء مع تغيّر أنماط الحياة اليومية. ينطبق ذلك على "صييمة"؛ لم تعد حاضرةً كما في الماضي، ما يبرز تحولات اجتماعية وثقافية أثّرت في استمرارية الموروث الشعبي. ويشير كلٌّ من باكرامان واليزيدي إلى أنّ الصييمة ما تزال تُمارس اليوم، لكن بصورة أقل.
حي الشهيد، المنطقة التي أشار إليها اليزيدي أثناء الحديث معه، بقوله: إنها لا تزال إلى اليوم تمارس فيها الصييمة. وأثناء نزولي إلى هذا الحي الأصيل الذي تنبعث أطياف القديم من أركان منازله، التقيت فهمي العيدروس وتجولنا معًا، وكان حديث تجوالنا عن الصييمة ودورها في تعليم الأطفال قيمًا مجتمعية متوارثة، والتغيرات التي دخلت عليها. يبين العيدروس في حديثه أنّ الصييمة مرت في مراحل وتحولات، حيث أنّها اليوم تُقام بتفاصيل أقل من ذي قبل، موضحًا: "إنّ الساحل الذي كنا نجلب منه الحصلة، تغير بسبب تطورات الردم وكاسر الأمواج". كان الآباء يحضرون الحصلة من سواحل المكلا القريبة للأحياء، ومع هذا التغير أصبح إحضار الحصلة أمرًا صعبًا، مما افتقدت الصييمة عنصر الحصلة الأساسي في بنيتها.
ويشكل حضور الألعاب الإلكترونية، والآيبادات عند الأطفال تحديًا آخر أمام هذه الطقوس الشعبية، فقد جعلتهم هذه التطورات التقنية ينفردون بأنفسهم ويعزلونها عن موروثهم الشعبي، فقد أشار العيدروس إلى أنّ الألعاب والتطور الإلكتروني اليوم جعل الطفل يدخلون في حالة من الفردانية عن نفسه ومجتمعه.
وتُمارس "صييمة" عادة بشكل جماعي، وهو ما يجعلها تسهم في تنمية مهارات الأطفال الحركية والإدراكية، إلى جانب تعزيز ارتباطهم بالهوية المحلية. ويرى الباحث العيدروس أنّ هذه الممارسة تمثل موروثًا شعبيًا متأصلًا، يتجلى في مجموعة من السرديات والعادات التي تنظم إدراك الأطفال وتفاعلهم مع محيطهم، ويتضح ذلك في مراحل إعدادها المختلفة، بدءًا من جمع الحصلة من الشاطئ وصولًا إلى تشكيلها في هيئة أشكال هندسية. ويتقاطع هذا المعنى مع ما تشير إليه منظمة اليونسكو بشأن التراث الثقافي غير المادي، الذي يشمل الممارسات والمعارف وأشكال التعبير الجماعية المتوارثة التي تعزز الهوية الاجتماعية. ويؤكد هذا البعد المجتمعي ناصر يربوع (58 عامًا) بقوله: «صييمة ورثناها من آبائنا وأجدادنا، نذهب مع الأطفال إلى الشاطئ ونشاركهم العمل لإتمامها».
وتسهم ممارسة "صييمة" بوصفها نشاطًا جماعيًا في تعزيز التماسك الاجتماعي داخل المجتمع المحلي، إذ تجمع الأطفال والكبار في تجربة مشتركة قائمة على التعاون والمشاركة. ويعرّف الباحثون التماسك الاجتماعي، وفق ورقة منشورة في مجلة Encyclopedia، بأنه حالة من الترابط القوي بين أفراد المجتمع تقوم على الثقة المتبادلة والتعاون والهوية المشتركة والشعور بالانتماء. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى "صييمة" باعتبارها شكلًا من أشكال رأس المال الاجتماعي، لأنها تخلق فضاءً للتفاعل المشترك وتبادل الخبرات بين الأجيال. كما تؤكد منظمة اليونسكو أنّ التراث الثقافي غير المادي يسهم في تقوية الروابط المجتمعية وتعزيز الشعور بالانتماء.
وبناءً على ما سبق، تتسم صييمة بالأصالة والتفرد، وتعبر عن الحاجات الموضوعية والناشئة اجتماعيًا، إذ تجسد أواصر اتصال الإنسان ببيئته البحرية وتبلور أهدافًا تربوية وربما فنية وذلك من خلال: التعاون بين الآباء وأبنائهم عند التحضير لها، الأشكال الهندسية التي يصمّمها ويتخذها الأطفال، ترتيب الحصلة، والتوافق في ترديد الأهزوجة. ويعتقد اليزيدي أنّ "صييمة" جاءت من أجل تعليم الأطفال قيمًا نبيلة كالصبر والتعاون: "فبدل أن يبكوا ويزعجوا الأمهات بطلب الطعام قبل موعد الإفطار، بينما تكون الأمهات منشغلات بإعداده، ابتكر الأجداد "صييمة" لتقوية الأطفال وشغلهم بما يفيدهم".
كبعد أنثروبولوجي لا تأتي "صييمة" بصيغة واحدة ثابتة؛ إذ تختلف بعض تفاصيلها من منطقة إلى أخرى، سواء في الأهازيج المرددة، أو شكل المساحات المفروشة بالحَصلة، أو طريقة التحضير والمشاركة. ففي مناطق مثل تريم، لم تعد "صييمة" تُمارس كما كانت قديمًا، أو كما هو معروف في المناطق الساحلية. بقيت الأهزوجة وحدها تقريبًا. كما تغيّر التوقيت في بعض الأماكن حاليًا، فأصبحت تُردَّد غالبًا بعد المغرب، ويتقدمهم شخص بيده آلة موسيقية طبل يدق عليه بينما يجتمع الأطفال حوله يصفقون ويرددون الأهزوجة.
يكشف هذا التنوع ديناميكية “صييمة” ومرونتها؛ فهي ممارسة قادرة على التكيّف مع السياقات الاجتماعية المتغيرة. قد تسقط بعض العناصر، كالحَصلة أو الأشكال الهندسية، وتبرز عناصر أخرى مناسبة للسياق؛ المهم أن جوهرها يظل قائمًا في الاجتماع والانتظار والمشاركة. هذه المرونة هي ما يسمح لها بالاستمرار، حتى وإن تبدلت هيئاتها الخارجية من جيل إلى آخر.
وأخيرًا يمكن التأكيد على أن الاعتراف بـ"صييمة" كموروث ثقافي غير مادي يعني الإقرار بقيمتها كجزء من الذاكرة الجمعية. وربما لا تحتاج “صييمة” إلى أكثر من أن تُحاط بعناية الذاكرة؛ أن تُروى كما هي، بأصوات أطفالها، وباختلاف مناطقها، دون اختزال أو تهوين. فالموروث يُحمى بتركه حيًّا في سياقه الطبيعي، يُمارس ويتجدّد. توثيق أهازيجها، الانتباه لتحولاتها، وإشراك الأجيال الجديدة في أدائها، هو شكل من أشكال صونها. فهي لا تعيش في النصوص بقدر ما تعيش في الحارات، حين يشارك الكبار الصغار في أداء طقوسها.
1. https://www.unesco.org/ar/intangible-cultural-heritage
2. https://www.mdpi.com/2673-8392/5/4/189

