لم تلهها مظاهر الفرح والأجواء الاحتفالية والزغاريد في عرس عائلي عن أغنامها ومواشيها الجائعة، وظلت شاردة البال، تتحين الفرصة المناسبة للخروج من أوساط النساء والذهاب للبحث لها عن العلف.
قرابة الساعة الرابعة عصرًا، خرجت الأربعينية أم محمد من الحفلة إلى منطقة جبلية بالقرب من القرية، وهناك صعدت إلى شجرة عالية لتقطع بفأسها بعض الأغصان وتعود بها إلى أغنامها، التي تعتبرها رأس مالها وجزءًا من عائلتها.
أثناء تنقلها في الأعلى على سيقان الشجرة، انكسر الغصن من تحت قدمها بشكل مفاجئ، ولم تسعفها يداها على التشبث، فهوت إلى الأسفل في سقوط متدرج، تتناقلها الفروع حتى وصلت إلى الأرض مصابة بالعديد من الكسور والكدمات.
وفيما كانت النساء يتمايلن على إيقاع أغاني الفرح، كانت أم محمد ملقاة غارقة بالدم، وهي فاقدة للوعي تحت زخات المطر التي استمرت إلى ما بعد صلاة المغرب.

يقول زوجها، الذي روى الحكاية لـ"منصة اليمن"، وهو يتذكر الحادثة بألم: "دخل الليل ولم تعد إلى المنزل، فشعرنا بأن هناك شيئًا حدث لها، وبدأنا نسأل عنها النساء حتى وصلنا إلى المكان ووجدناها بحالة مزرية وشبه ميتة".
ويضيف: "مرت علينا لحظات صعبة، وقمنا بإسعافها من القرية بمديرية جبل حبشي إلى مدينة تعز، وأجريت لها العديد من العمليات الجراحية للكسور وثقب الرئة، وظلت في العناية المركزة تتلقى الرعاية الطبية لعدة أسابيع قبل أن تتحسن صحتها".
تكرار المأساة
أعادت الحادثة ذكرى قديمة مؤلمة لعائلة أم محمد، وشعرت كأن الزمان يعيد نفسه، ويكرر المأساة التي حدثت قبل ما يزيد على عقدين ونصف من الزمان لجدة أم محمد ـ والدة أبيها ـ التي أصيبت في حادثة مشابهة عندما سقطت من شجرة عالية، جعلتها تعيش بإعاقة دائمة منذ ذلك الحين.
وليست مأساة أم محمد وجدتها غريبة أو استثنائية على نساء المنطقة أو الأرياف اليمنية بشكل عام، اللاتي يكافحن طوال حياتهن في أعمال الزراعة وتربية المواشي، ويتعرضن لحوادث خطيرة خلال البحث عن الأعلاف تصل إلى الموت والإعاقة.
وتمثل الأعداد الكبيرة والحوادث المتكررة لضحايا المنحدرات والأشجار العالية من النساء في الأرياف جزءًا من الثمن الباهظ الذي تدفعه المرأة بصمت أثناء عملها الشاق، وهي تذود عن أسرتها وتحميها من الفقر والانهيار.
وبحسب تقارير المنظمات الدولية، تلعب المرأة دورًا رئيسيًا في الحياة الريفية، وتتحمل مسؤوليات كبيرة تفوق قدراتها الجسمانية، فإلى جانب الأعمال المنزلية، تتكفل بمهام جلب الماء والحطب والجزء الأكبر من الأعمال الزراعية.
وتؤكد التقارير أن هجرة الرجال الداخلية إلى العمل في المدن أو الاغتراب في الخارج ضاعفت مسؤولية المرأة، وجعلتها تتحمل أعباء تربية الأبناء وحدها، علاوة على تحقيق الاستقرار المعيشي للعائلة.

ضحايا منسية
يقوم الاقتصاد في الريف اليمني على القوى العاملة من النساء، لا سيما مع التحولات التي طرأت على التركيبة السكانية نتيجة الهجرة والحروب، ووصلت نسبة النساء العاملات في الزراعة إلى 95%، بحسب دراسات صادرة عن البنك الدولي.
وتعد تربية الحيوانات من أبرز الأنشطة التي تقع على عاتق المرأة، وتوفر لها مصدر دخل واحتياطيًا ماليًا تستخدمه في حالات الطوارئ، إلا أن حالات الجفاف والتصحر وتدهور المراعي جعلت المواشي عرضة للجوع، ودفعت النساء إلى المخاطرة بالصعود إلى المنحدرات الجبلية لجلب الأعلاف.
وبعد أكثر من خمس سنوات من العلاج، تجد الخمسينية فاطمة نفسها وحيدة مع إعاقتها، عاجزة عن الحركة والاهتمام بنفسها، وتدفع ثمن مخاطرتها في صعود منحدر جبلي في قريتها بشرعب السلام بمحافظة تعز.
أجرى الأطباء لفاطمة ثلاث عمليات جراحية لفقرات العمود الفقري، وخضعت لبرنامج علاجي طويل، لكن الأطباء وصلوا في نهايته إلى خلاصة أنه لا أمل في تجاوز الإعاقة والعودة إلى الحياة الطبيعية.
تحملت فاطمة عناء الاهتمام بأرض إخوانها الذين تركوا القرية للعمل في المدينة، وأرض زوجها المغترب في المملكة العربية السعودية، لكن تضحيتها لم تُقابل بالعرفان، لا سيما من الزوج الذي لم يشارك حتى في تكاليف العلاج، كما يؤكد شقيقها عبدالله.
تحتاج فاطمة إلى رعاية وأدوية شهرية، إلا أنها اعتادت على التضحية، وما يجمعه لها أشقاؤها أو يساهم به بعض فاعلي الخير لا تنفقه في شراء العلاج كما توهم الآخرين، وترسله سرًا إلى ابنها الذي يدرس في العاصمة صنعاء حتى لا ينقطع عن دراسته الجامعية.
الثمن الباهظ
تتشابه الحوادث وتتفاوت أحجام المأساة ما بين الإعاقة الدائمة أو الإصابات بانزلاق العمود الفقري، التي تعاني منها كثير من النساء في الأرياف نتيجة الحمل الثقيل للأعلاف والحطب والماء، الذي تنقله من مسافات طويلة.
وتحصد حوادث السقوط من المنحدرات والأماكن العالية كثيرًا من أرواح النساء سنويًا، دون أن يلتفت إليها أحد، كما حدث مؤخرًا مع إحدى نساء عزلة الأشمور بمحافظة عمران، عندما سقطت أثناء جمع الأعلاف من منحدر يصل ارتفاعه إلى أكثر من 600 متر، تاركة خلفها أربعة أطفال يتجرعون مآسي الفقد واليتم.

