تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

صالون نون: مساحة ثقافية تُعيد للقراءة حضورها وتفتح أبواب التمكين للنساء والأطفال

في قلب صنعاء، يقدّم «صالون نون» نموذجاً لمبادرة ثقافية تحوّلت إلى مؤسسة تحمل مشروعاً مجتمعياً واضحاً: ترسيخ القراءة كعادة يومية، وتوسيع أثر الثقافة بوصفها أداة للتعليم الحر واكتشاف الذات، مع تركيز خاص على النساء والأطفال باعتبارهم الأكثر احتياجاً لمساحات آمنة للتعلّم والنمو في ظل الظروف الراهنة.

انطلق الصالون كمبادرة عام 2017، قبل أن يحصل على تصريح رسمي من وزارة الثقافة في عام 2020، ليأخذ بعداً مؤسسياً تقوده مجموعة من النساء الشغوفات بالقراءة والمعرفة. ومنذ ذلك الحين، ظلّت رؤية الصالون تتقدم بخطوات ثابتة نحو هدفه المعلن: «مكتبة في كل حي، وقارئ في كل بيت يمني». أما تسميته بـ«نون» فتأتي امتداداً لتسمية متداولة لصالونات ثقافية وأدبية في دول مختلفة، ترتبط بالجانب الثقافي والأدبي وتتبنى الحوار المعرفي.

لا يقتصر عمل صالون نون على توفير الكتب، بل يتجاوز ذلك إلى صناعة تجربة ثقافية متكاملة. ففي نشاطه المستمر، يفتح الصالون باب النقاش حول كتب مختارة ضمن مجموعات قراءة تشجّع التفكير الجماعي، وتمنح المشاركات فرصة لاكتساب مهارات النقد والتحليل، وتبادل الخبرات في أجواء تقرّب القارئات من بعضهن وتكسر عزلة الاهتمام الفردي بالقراءة. وفي كل شهر، يوسّع الصالون هذه المساحة عبر جلسات حوار يستضيف فيها شخصيات معنية بالشأن الاجتماعي والثقافي، تُدار بنمط يقوم على الإصغاء والتفاعل الإيجابي، ويخلق نقاشات عميقة حول قضايا تهم المجتمع وتعيد الاعتبار للحوار كأداة للوعي.

ويولي الصالون اهتماماً موازياً للأسرة بوصفها البيئة الأولى لتشكيل وعي الطفل، إذ تُقدَّم فيه جلسات تقودها مختصات تربويات تتناول الإرشاد الأسري وأساليب التربية الإيجابية وفهم احتياجات الطفل النفسية، بما يساعد الأمهات على بناء علاقة أكثر توازناً مع أطفالهن وترسيخ القيم والسلوكيات الإيجابية. كما يحرص على إبراز قصص نجاح نسائية في مجالات متعددة ضمن جلسات نقاشية تمنح النساء نماذج واقعية ملهمة، وتساعدهن على بلورة تصورات وخطط عملية لتحقيق طموحاتهن. وفي سياق الاهتمام بالصحة النفسية، يوفر الصالون ورشاً فنية تمنح المرأة متنفساً للتعبير واستعادة التوازن بعيداً عن ضغوط الدراسة والعمل وتفاصيل الحياة اليومية.

ويمتد النشاط الثقافي في الصالون إلى مسارات متنوعة، من بينها برنامج «فنجان وعي» الذي يطرح موضوعات ثقافية ومعرفية تسهم في رفع الوعي العام، إلى جانب «سينما المكتبة» التي تختار أفلاماً تُناقش في جلسات هادفة تربط بين الفن والمعرفة، وتدفع المشاركات إلى التأمل والنقاش واكتشاف زوايا جديدة في التجربة الإنسانية.

أما الأطفال، فيجدون في صالون نون مساحة تعليمية تراعي أعمارهم واهتماماتهم، عبر أنشطة تشمل الرسم والتصميم والذكاء المالي، إضافة إلى مكتبة أطفال تتيح الاستعارة الأسبوعية بما يخفف العبء على ميزانيات الأسر ويقرب الكتاب من يد الطفل. كما يعتني الصالون بالأمهات وأطفالهن من خلال نشاط يعزز العلاقة بينهما عبر قراءة القصص، في محاولة لصناعة ارتباط مبكر بالكتاب بوصفه جزءاً من الذاكرة العائلية اليومية.

ومن أبرز مبادرات الصالون ذات الطابع المجتمعي «ماراثون القراءة الخيري»، الذي شارك فيه أكثر من 600 قارئ وقارئة ووصلت حصيلته إلى نحو 37 ألف صفحة. ويُقام الماراثون مع بداية كل عام دراسي، حيث تتحول الصفحات المقروءة إلى تبرعات لصالح الأطفال المحرومين من التعليم، عبر رعاة يتكفلون بدفع مبلغ محدد عن كل صفحة، في مبادرة تجمع بين تحفيز القراءة وتوسيع أثر المسؤولية الاجتماعية.

ويضم صالون نون اليوم مكتبة تحتوي على أكثر من 5000 كتاب، متاحة للقراءة وبنظام استعارة يُعد من التجارب الرائدة محلياً، إلى جانب قاعة تدريب مجهزة لاستضافة الفعاليات، ومساحة للمذاكرة والعمل تلبي احتياجات المستفيدات.

وفي حديثها عن التجربة، تشير الأستاذة بثينة مختار، رئيسة صالون نون الثقافي، إلى أن المكتبة تفتح أبوابها يومياً لتلبية شغف القارئات، مؤكدة حرص الصالون على اقتناء النسخ الأصلية من الكتب دعماً للحقوق الفكرية والملكية للمؤلفين، رغم ما يرافق إدخال الكتب من خارج البلاد من صعوبات قد تمتد لأشهر، إضافة إلى ارتفاع تكاليفها.

وتلفت مختار إلى أن أبرز التحديات يتمثل في محدودية الدعم وغياب الداعمين، إذ تُبذل معظم الجهود بموارد ذاتية، مع دعم محدود من جهة خاصة، معربة عن أملها في تعزيز المشاركة المجتمعية للوصول إلى رؤية الصالون في توفير مكتبة في كل حي وقارئ في كل بيت. وتضيف أن الأنشطة التي يقدمها الصالون تهدف في جوهرها إلى إيصال رسالة للمجتمع مفادها أن المكتبة ليست مكاناً للكتب فقط، بل فضاء للتعليم الحر واكتشاف النفس، وأن الإنسان يتغذى بالمعرفة التي تُعد مفتاحاً لكل شيء في الحياة.

وبالاقتراب من صالون نون، تتجلى تجربة تُقدَّم كنموذج يُحتذى به في تعزيز ثقافة القراءة والتمكين، باعتباره ملاذاً آمناً للنساء والأطفال، ورافعة وعيٍ وثقافةٍ تمس أهم شريحة في المجتمع، وتنعكس آثارها على الحاضر والمستقبل.