بسبب تهور السائق، كادت الثلاثينية أم ملاك أن تفقد حياتها أو تتعرض لكسور خطيرة عندما انطلق بالحافلة بسرعة كبيرة، وعباءتها ما تزال عالقة ببابها أثناء نزولها.
تشعر أم ملاك بالرعب كلما تذكرت المشهد الذي كاد أن ينتهي بكارثة مأساوية، لولا صراخ الركاب والمارة، لكنها تؤكد في حديثها لـ"منصة اليمن" أن هذا ليس الموقف الوحيد الذي أشعرها بالخوف، فقد سبقته حوادث مشابهة خلال تنقلاتها بحافلات الأجرة.
تقول أم ملاك: "في إحدى المرات، وأنا في فترة الحمل، توقف السائق بشكل مفاجئ، وارتطمت داخل الباص بقوة، وأصبت بكدمات في الصدر، وكنت خائفة جداً على حياة الجنين".
أم ملاك واحدة من عشرات الأشخاص الذين يتعرضون يومياً لمخاطر سباقات سائقي الباصات للحصول على الركاب، والتي وصل بعضها إلى حالات دهس ووفيات على جنبات الطريق.
هذه المشاهد هي ما تجعل العشرينية عبير علي تشعر بالقلق والتوتر كل يوم خلال تنقلاتها بالباصات، ابتداءً من لحظات الانتظار أو خلال انطلاقه بسرعة كبيرة للحاق براكب آخر قبل أن تجلس على مقعدها.
.jpeg)
فوضى مرورية
التنافس الشديد على الحصول على الراكب يحول بعض الطرق بأمانة العاصمة إلى مساحات مرورية مضطربة، وتتراجع قواعد وإجراءات السلامة بشكل يثير القلق لدى العامة، إلا أن كثيراً من سائقي الحافلات العامة يبررون تصرفاتهم بالسعي وراء الرزق.
وتمثل الظروف المعيشية، وارتفاع أسعار المشتقات النفطية، وضعف الحركة، مبررات أخرى للسباق على الركاب لتوفير وقود المركبة واحتياجات الأسرة.
ولا تتوقف مشاكل السباق عند حدود القلق الذي تثيره لدى المارة على الأرصفة، بل تترتب عليها فوضى قد تشل حركة السير تماماً.
ففي إطار التنافس، ترتفع نسبة الوقوف العشوائي أو المتعمد من قبل بعض السائقين وسط الشارع أثناء الصعود أو النزول، حتى يعيق الحركة ولا تسبقه الحافلات الأخرى إلى زبائن مفترضين، كما يؤكد سائق الحافلة يوسف الآنسي.
يقول الأنسي لـ"منصة اليمن": "تزايد أعداد الحافلات في الشوارع عزز هذه الظاهرة، وبعض السائقين يعتبرون هذه الطريقة الوسيلة الوحيدة لضمان الحصول على دخل يومي، ما يدفعهم إلى القيادة المتهورة دون تقدير للعواقب".
ويقلل الأنسي من خطورة هذه السلوكيات، وأنها لا تصل في الغالب إلى حوادث خطيرة أو تتسبب بأضرار مادية، إلا أنه يرى أن استمرار هذا السلوك يبقي احتمالات وقوع الحوادث قائمة في أي لحظة.
.jpeg)
قانون لا يُنفذ
يُعد ضعف آليات الرقابة الحكومية، والقصور في انتشار رجال المرور في كل الشوارع، أحد عوامل انتشار ظاهرة السباق وعشوائية حركة السير في عموم المحافظات اليمنية. وعلى الرغم من أن قانون المرور يحدد السرعات القصوى للمركبات وفقاً للأنظمة النافذة، ويُلزم السائقين بعدم تجاوزها أو القيادة بشكل يعرض حياة الآخرين للخطر، إلا أن الالتزام بهذه القوانين ما يزال محدوداً في الواقع.
وينص قانون المرور اليمني وقرار مجلس النواب رقم (4) لسنة 1995م، الصادر بشأن القانون رقم (46) لسنة 1991م، في مادته الـ(44)، على أن الحد الأقصى لسرعة السيارات الخفيفة والحافلات الصغيرة هو 100 كم/ساعة، بينما لا تتجاوز سرعة الحافلات الكبيرة والمركبات الثقيلة 80 كم/ساعة.
كما يلزم القانون السائقين بعدم تجاوز السرعات المحددة أو القيادة بشكل يعرض الآخرين للخطر، باستثناء حالات الطوارئ.
وبحسب رجل المرور عبد المؤمن الحسني، فإنه على الرغم من ارتفاع نسبة المخالفات على المستوى العام، إلا أن المخالفات والحوادث المرتبطة بالباصات تبقى هي الأعلى.
.jpeg)
من المسؤول؟
ترى عبير علي أن مسؤولية ظاهرة السباق والحركة الفوضوية تتحملها شرطة المرور بالدرجة الرئيسية، باعتبارها الجهة المخولة بتنظيم وتطبيق قواعد السير وضبط المخالفين، بالإضافة إلى السائقين الذين يكسرون القواعد ولا يتحلون بالرقابة الذاتية وروح المسؤولية.
ويوضح مدير مكتب مرور أمانة العاصمة، العقيد عبدالله النويرة، أنه من الصعب تغطية رجال المرور لجميع الشوارع بشكل كامل، ويتم تطبيق القانون في أماكن تواجدهم أو عند انتقالهم إلى الأماكن التي وقعت فيها حوادث، ويتم تحديد المسؤولية وفقاً للمعطيات.
ويؤكد النويرة لـ"منصة اليمن" أن إدارة المرور تتابع المخالفات والسلوكيات الخطرة، بما في ذلك ما يتم رصده عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويتم ضبط المخالفين وحجز مركباتهم وتطبيق الإجراءات القانونية بحقهم.
غياب الوعي
يتعرض المتنقلون في الحافلات العامة عادة لمخاطر جسيمة، من ضمنها إنزال الراكب وسط الشارع دون الانتباه لحركة المركبات الأخرى، والتوقف المفاجئ، إلا أن ثقافة الإبلاغ عن المخالفات من قبل المواطنين غائبة، ولا يتعامل الكثير من الناس معها كمشكلة حقيقية.
وعلى الرغم مما تعرضت له أم ملاك من حادث مروع، إلا أنها لم تتقدم بأي بلاغ، لأنها لم تعتبر ما حدث أمراً يستوجب تقديم الشكوى، إضافة إلى تخوفها من ردة فعل أسرتها ومنعها من التنقل بمفردها لاحقاً.
وكغيرها، ترى أم ملاك أن تقديم الشكوى سيتطلب منها معاملات طويلة وتكاليف، وقد لا يتم التعامل معها بجدية، إلا أن العقيد النويرة يؤكد أن أي شكوى تصل إلى المرور يتم التعامل معها بجدية، مع متابعة ميدانية للتحقق منها واتخاذ الإجراء المناسب.
ويرى أنه من الضروري أن يتحلى المجتمع بالوعي حول أهمية دور البلاغات المجتمعية في دعم جهود الحد من الحوادث وحماية الأرواح، وأن يكونوا شركاء فاعلين لرجال المرور.

