تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

سباق خارج المضمار..  نساء ألعاب القوى إصرار على وصول خط النهاية

من ملاعب الطفولة المجاورة للمنزل في العاصمة صنعاء وُلدت حكاية لم تكن مجرد ركض خلف أمنيات عابرة، بل رحلة كفاح بدأت بخطوات صغيرة في الصف السادس الابتدائي، لتتحول عبرها بلقيس شرف الدين (27 عامًا) إلى أيقونة في ألعاب القوى، تتحدى المسافات وتكسر حواجز الصعاب.

وعن البداية تحكي بلقيس: "كانت عيناي ترقبان بدهشة الفتيات يتمرنّ في الملعب بحماس، وشعرت بالرغبة في مشاركتهن بهدف الترويح عن النفس، لكنه سرعان ما تغيّرت هذه الرغبة حين رأيت زميلاتي يسافرن ويشاركن في المعسكرات، ويعدن بالقلائد، إلى حافزًا أن أكون مثلهن، أسافر وأشارك، وأطوّق عنقي بالميداليات".

ورغم بساطة المكان، حملت البدايات التي انطلقت من نادي الاتحاد العام لرياضة المرأة ثقل الطريق كله، في مجتمع تحكمه العادات والتقاليد والقيود التي تكبل الفتيات، إلا أن والدها وقف إلى جانبها حارسًا أول لحلمها، وكانت عائلتها الجسر الذي عبرت من خلاله نحو الاحتراف.

تقول بلقيس لـ"منصة اليمن": "لم يلتفت والدي يومًا إلى حديث الناس، بل كان يدفعني بثقة، حتى حين أبدى شقيقي الأكبر بعض التحفظ، كان الوالد هو من أقنعه بضرورة الاستمرار، ولهذا لم أشعر يومًا بنظرة سلبية، وأحاطني بشعور الفخر، واحتفى بي كبطلة تشق طريقها بإصرار لتحقيق طموحها".

تصف بلقيس ألعاب القوى بأنها رياضة منهكة تتطلب صبرًا استثنائيًا، وقد دفعتها لحظة ضعف بسبب الإرهاق إلى التفكير في الاعتزال، لكن والدها كان يرى فيها مستقبلًا لم تكن تراه، فحفزها على الاستمرار بإصرار. وبفضله وصلت إلى ما كنت تطمح إليه، وحققت مراكز متقدمة، وحصدت ميداليات في منافسات داخلية وخارجية.

ظروف محبطة

تتشابه قصص لاعبات القوى في اليمن في المعاناة والعقبات الكبيرة التي تحول دون تحقيق طموحهن وتقف عائقًا أمامهن.

وليست وسيلة المرزوقي (38 عامًا) إلا قصة نسائية أخرى من الإصرار والتحدي، بدأت من المدرسة، واستطاعت أن تحقق المركز الأول في سباق 100 متر بعمر 15 عامًا، قبل أن تنضم إلى منتخب اليمن الوطني وتشارك في بطولات خارجية مثل سوريا 2004، وبطولة العالم في اليابان 2007، وأولمبياد بكين، وتحقق مراكز متقدمة في بطولات عربية عدة.

تقول المرزوقي في حديثها لـ"منصة اليمن": "لم تكن رحلتي إلى المنتخب الوطني سهلة أو مفروشة بالإنجازات، وكانت مشاركتي الأولى في بطولة الجمهورية وتحقيق المركز الأول في سباقي 100 و200 متر نقطة تحول في حياتي، وبوابتي للانضمام إلى المنتخب الوطني، ومنه تم اختياري لتمثيل اليمن في البطولة العربية التي أُقيمت في سوريا".

خلف نجاح وسيلة كانت هناك قصة كفاح حقيقية كُتبت في مواجهة ظروف مادية صعبة لم تُبقِ لها حتى تكاليف المواصلات إلى الملعب، ولم يكن بجانبها سوى والدتها التي آمنت بها وبقدراتها، واقتسمت نفقات تدريبها من لقمة العيش، إلى جانب المدرب محمد داوود الذي كان داعمًا رئيسيًا لها ولزميلاتها في توفير البدلات الرياضية وتكاليف التنقلات.

رياضة على الهامش

تعاني رياضة المرأة في اليمن من غياب الاهتمام والتهميش، ولا تمتلك وزارة الشباب والرياضة إحصائية دقيقة أو تقديرات موثوقة بعدد اللاعبات المسجلات في الاتحاد العام لألعاب القوى، ولا توجد أندية خاصة بالرياضة النسوية إلا في مساحات للاتحاد العام لرياضة المرأة في العاصمة والمحافظات.

وبحسب فاطمة الشامي، مديرة إدارة النشاط النوعي في وزارة الشباب والرياضة بصنعاء، لا تخصص الدولة للاعبات والرياضة النسوية موازنات مالية، ولا يقدم لهن سوى دعم محدود من اللجنة الأولمبية عبر مراكزها في المحافظات.

وتؤكد الشامي أنه في الوقت الراهن لا يوجد سوى مركز الواعدات التابع للجنة الأولمبية بصنعاء، المخصص لألعاب القوى، وكان عدد اللاعبات فيه 25 لاعبة، لكن العدد تناقص تدريجيًا نظرًا لطبيعة اللعبة التي تتطلب جهدًا بدنيًا وتحملًا عاليًا.

ويتفق معها وائل القرشي، مدير عام الاتحادات الرياضية بوزارة الشباب والرياضة، الذي يرى أن ألعاب القوى النسوية تمثل خيارًا استراتيجيًا لتنوعها، وتتطلب تنظيم مسابقات مدرسية وجامعية، واستثمار المرافق مثل "نادي بلقيس" والصالات التابعة لوزارة التربية، التي يمكن أن تشكل بيئة آمنة لتشجيع الأسر على دعم مشاركة الفتيات.

وبحسب القرشي، يتشكل واقع الرياضة النسوية بشكل عام من فهم طبيعة المجتمع المحافظ، وتعد المدارس المناجم الحقيقية لاكتشاف البطلات، مما يتطلب ربط مواهبهن بالأندية، وتأهيل كادر تدريبي نسائي من اللاعبات السابقات، وتنظيم بطولات محلية للإعداد للمشاركات الخارجية.

بطلات يصنعن الفرص

تقدم فاطمة الشامي، مديرة إدارة النشاط النوعي بوزارة الشباب والرياضة بصنعاء، تقييمًا دقيقًا تصف فيه مستوى لاعبات القوى في اليمن بأنه متوسط إلى محدود التطور مقارنة بالمستويات العربية والدولية.

وترى أن التحسن الطفيف الذي يطرأ أحيانًا هو نتيجة جهود فردية مخلصة من اللاعبات والمدربين، وليس ثمرة برامج وطنية متكاملة، لا سيما في ظل انعدام المشاركات في البطولات الداخلية والخارجية، التي تحرم الموهبة اليمنية من الخبرة التنافسية الضرورية.

إلى ذلك، تقول لؤي فيصل صبري، النائب الثاني لرئيس اللجنة الأولمبية اليمنية: "الخامات الرياضية موجودة في اليمن منذ القدم، ولدينا لاعبات في كافة أنشطة ألعاب القوى، ولولا الحروب والثقافات الدخيلة على البلد لكنا اليوم في مقدمة الدول، وخاصة في ألعاب القوى".

وتضيف أن أبرز التحديات تتمثل في غياب التوجه السياسي وتسخير الإمكانيات، وعدم وجود برامج تأهيل للفنيين، وبناء مضمار خاص، وتكثيف التدريبات واستمرارها.

إنجاز لا يشبه الواقع

على الرغم من غياب الدعم الحكومي والمجتمعي، وعدم توفر البنى التحتية، إلا أن إصرار المرأة الرياضية على بلوغ الأهداف وإثبات نفسها يجعلها تقف في وجه الريح، وتخلق عالمها الخاص وواقعًا لا يتجاهل قدراتها.

وهذا ما جعل القرشي يؤكد أن المرأة اليمنية أثبتت حضورها كشريك فاعل في المشهد الرياضي الوطني، وشهد عام 2026 حراكًا ملموسًا، وانتقلت الرياضة النسوية من مجرد المشاركة الرمزية إلى مرحلة البحث عن الإنجاز والتمثيل المشرف في المحافل الإقليمية والدولية.

ويوضح أن الفترة الأخيرة شهدت مشاركات لافتة، كتواجد العداءة أسماء فيصل وأنغام خالد في منافسات ألعاب القوى للشواطئ في دورة الألعاب الآسيوية – الصين سانيا 2026.

وحول موقف الأهل من المشاركات الخارجية، تؤكد الشامي أنه لم تكن هناك إشكاليات تُذكر في موافقة الأسر على مشاركة اللاعبات في البطولات الخارجية، وأن الفتاة التي تختار ممارسة ألعاب القوى تكون في الأصل طامحة للانطلاق والمشاركة خارجيًا، وهو ما يجعل دعم الأسرة أمرًا حاضرًا في الغالب.

ومع كل قرار توقف للاعبة، كانت هناك عودة جديدة إلى المضمار، وقصة تحدٍّ، وكأن الاستمرار كان جزءًا أصيلًا من الحكاية منذ بدايتها، كما هو الحال مع بلقيس شرف الدين التي ترفض أن تتوقف، وتسعى إلى أن تكون مدربة في المستقبل.