تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

راوية العتواني.. تقاسم الجمال بين الأمكنة والمشاعر

لم تبدأ علاقة الفنانة التشكيلية راوية محمد العتواني (35 سنة) بالفن من مسار مهني أو مشروع اقتصادي، بل من لحظات مبكرة وجدت فيها بالرسم مساحة للتعبير عن أفكارها ورؤيتها للحياة.

في طفولتها، كانت راوية ترسم ما يصادفها من شخصيات الرسوم المتحركة وتحولها إلى وسيلة للترفيه وإسعاد الآخرين، وفي الصف الرابع الابتدائي، بعد أن انتقلت من محافظة تعز إلى العيش بالعاصمة صنعاء، فاجأت والدتها برسم لوحة الموناليزا، وما تزال نظرات الدهشة التي رأتها على وجه والدتها عالقة في مخيلتها حتى اليوم، كما تقول راوية.

في طفولتها، كانت راوية ترسم ما يصادفها من شخصيات الرسوم المتحركة وتحولها إلى وسيلة للترفيه وإسعاد الآخرين

لغة الفن

عملت العتواني، بعد تخرجها من جامعة صنعاء، قسم اللغة الفرنسية عام 2013، منسقةً للفعاليات في مؤسسة الإبداع للثقافة لحوالي عامين، إلا أن ظروف الحرب قلصت فرص العمل، ووجدت نفسها تقضي وقتًا طويلًا في المنزل.

وفي هذه الظروف، بدأت بالتعامل مع الفن بجدية، وليس كهواية فقط، وأصبحت ترى فيه اللغة التي تفهم بها نفسها والعالم من حولها، والذاكرة التي تحفظ بها الأشياء الجميلة.

نضجت تجربتها في الرسم، وقادها شغفها في الابتكار والإبداع إلى البحث عن أفكار جديدة، فتعلمت النحت واستخدام الوسائط المتعددة، مثل الأعمال اليدوية والتصوير والتصميم، لتشكل من خلالها شخصيتها الفنية المستقلة.

عملت راوية على صقل موهبتها خلال مسيرتها الفنية باستمرار، إلا أن مشاركتها لأول مرة في معرض فني أقامته مؤسسة البيسمنت في صنعاء عام 2017، مثلت نقلة نوعية ونقطة تحول في حياتها الفنية، وفتحت مداركها أمام كثير من الأفكار، حد قولها.

وساهمت مشاركتها في معرض فني ضمن برنامج إقامة فنية في الأردن في منحها فرصة للتواصل مع فنانين بثقافات مختلفة، فغيرت نظرتها لمستقبل مشاريعها، وتوسع طموحها من إنتاج الأعمال إلى خلق مساحات للتواصل والتعلم والمشاركة.

بدأت راوية بالتعامل مع الفن بجدية، وليس كهواية فقط، وأصبحت ترى فيه اللغة التي تفهم بها نفسها والعالم من حولها

التمسك بالتراث

اهتمام أسرة العتواني بالتراث اليمني انعكس على حبها لكل ما له علاقة بالموروث الثقافي، وعلى أعمالها الفنية التي تقوم فيها بتجسيد الماضي وصياغته بلغة بصرية معاصرة.

تحاول راوية أن تقوم بدورها كفنانة يقع على عاتقها جزء من المسؤولية في تقديم عمل يساهم في الحفاظ على التراث اليمني مما يتعرض له من نهب وتشويه وتدمير في الفترة الأخيرة.

تؤكد العتواني في حديثها لـ"منصة اليمن" أن اللوحة لا تستطيع أن تعوّض أثرًا مفقودًا أو مبنى تاريخيًا، لكنها تستطيع أن تحفظ معناه، وأن تروي قصته، وأن تثير اهتمام الناس به.

سلاسل فنية لم تكتمل

تستلهم العتواني لوحاتها من العمارة والزخارف والملابس التقليدية والرموز التاريخية في اليمن عبر سلسلة من الأعمال، منها "ذات مِزَر" ـ أحد الآلهة اليمنية القديمة ـ و"صنعاء" و"العيون"، تقدم كثيرًا منها طبقًا لمخيلتها بصورة تعكس روح التراث.

تقول راوية: "تمثال «ذات مِزَر» أكثر التجارب التي أخذت جهدًا ووقتًا طويلًا، كونها أول تجربة لي في النحت، واستغرقت قرابة شهرين من العمل مع عدة محاولات، واضطررت لإعادة تنفيذ بعض الأجزاء أكثر من مرة حتى وصلت للعمل المحاكي للتمثال المطبوع في ذاكرتي منذ الطفولة، حيث كان منقوشًا على العملة القديمة فئة العشرين ريالًا."

وبينما ترتبط سلسلة "صنعاء"، التي تتكون من تسع لوحات، بالذاكرة والعمارة والهوية، وتركز سلسلة "العيون" على المشاعر الإنسانية وما تمر به من حالات داخلية.

ترى راوية أن سلسلة صنعاء جاءت من رغبتها في رسم المدينة الأثرية عبر لغة بصرية مختلفة، بعيدًا عن صورتها التقليدية المعتادة، فجربت طبقات مختلفة من الألوان والخامات،

واستخدمت الجص الأبيض الذي تغطي فيه كثير من المنازل في صنعاء القديمة، لكنها لم تصل إلى الشكل المطلوب في كل المحاولات.

تشعر راوية أن الجص يسهم في الحفاظ على هوية صنعاء القديمة، بالإضافة إلى أن اللون الأبيض يحمل دلالات للسلام، والنقاء، والأمل.

وتحتفظ العتواني بمكانة خاصة لسلسلة "العيون" التي أنجزتها خلال فترة سفرها خارج اليمن؛ فقد جاءت هذه الأعمال انعكاسًا لحالة داخلية عاشتها في تلك المرحلة، شعرت فيها بالخوف والقلق والوحدة، وكانت اللوحات وسيلة للتعبير عن مشاعر لم تستطع قولها بالكلمات.

وتشير راوية إلى أن سلاسل أعمالها مفتوحة وتعمل عليها حتى الآن، لذلك لا تملك عددًا ثابتًا لكل سلسلة، لأن كل عمل له وقته وظروفه الخاصة، والفكرة لا تقوم على الوصول إلى عدد معين، بل على أن يكون العمل إضافة حقيقية للسلسلة.

اكتشاف المواهب

في 2018، كانت راوية تبحث عن مصدر دخل يساعدها وعائلتها، فجاءت فكرة المشروع الذي أسمته «Details» لاهتمامها بأدق التفاصيل في حياتها.

ومن خلال المشروع تنتج مجموعة متنوعة من الحقائب القماشية، والتيشيرتات، والأكواب، والميداليات، والبروشات التي تجمع بين رغبات العملاء في التصميم والحفاظ على شخصية كل منتج وتحمل هوية المشروع.

تقول راوية: "أشعر أن أجمل ما حققه المشروع هو أنه قرّب الفن من الناس، وجعل العمل الفني جزءًا من حياتهم، وليس حكرًا على صالات العرض، وهو المعنى الذي كنت أبحث عنه منذ البداية."

ومن لحظات عابرة جمعت راوية بابنة أختها، لاحظت عدم قدرة الطفلة على التعبير عما يدور بداخلها، وصلت إلى قناعة أن الرسم يمنح الطفل وسيلة سهلة للحديث عما يعجز عن وصفه بالكلمات.

ولهذا جاءت فكرة مبادرة "أنامل ملونة"، التي بدأت بورش فنية لتدريس الأطفال الرسم، ثم تطورت إلى مشروع فني يهتم باكتشاف المهارات الإبداعية، وتطمح إلى تحويله إلى مبادرة فنية تشمل جميع فئات المجتمع.

مسار فني واحد

يعبر الفنان التشكيلي ومدرب الرسم محمد صوفان عن إعجابه بموهبة الفنانة راوية العتواني ورؤيتها الفنية، ويرى فيها مشروعًا طموحًا يحمل خيالًا واسعًا وتذوقًا فنيًا مميزًا.

ويؤكد صوفان لـ"منصة اليمن" أن العتواني تمتاز بامتلاك العديد من المهارات الخاصة، وسرعة التعلم، والإصرار على تقديم عمل متميز.

تؤكد راوية أن المرأة التي تختار مجالًا إبداعيًا لتبني مشروعها تحتاج إلى كثير من الإصرار والاستمرارية لإثبات أن الفن يمكن أن يكون مصدرًا للدخل وتجربةً إنسانية معًا.

وترى أن أعمالها ليست لوحات منفصلة، بل أجزاء من مسار فني واحد تبحث من خلاله عن المعاني التي تقف خلف الأشياء، وما تتركه التجارب داخل الإنسان، ولا تنشغل برسم الواقع كما هو، بل بترجمة أثره داخل الإنسان.

وتشير إلى أنه في كل مرة تنتهي من العمل وتنظر إليه، تكتشف أنها، من دون وعي، لم ترسم الألم وحده، بل رسمت معه شيئًا يقاومه.

تستلهم العتواني لوحاتها من العمارة والزخارف والملابس التقليدية والرموز التاريخية في اليمن

طموح

بناء مشروع فني مستقل في اليمن يواجه تحديات اقتصادية وصعوبات في التسويق والوصول إلى جمهور أوسع، لكن راوية تواصل تطوير تجربتها وإدارة مشاريعها بخطوات تدريجية.

وحتى الوقت الراهن، ما تزال تدير أعمالها من المنزل، وأنجزت خلال مسيرتها الفنية ما يقارب 75 لوحة فنية، لكنها تطمح إلى أن تملك مساحة مشتركة أكبر تحتوي على مرسم، وتؤسس مؤسسة فنية متخصصة بالفن التشكيلي في اليمن.