تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

إرث علاجي قديم يفتح أبوابًا جديدة للمستقبل

شكلت المياه الكبريتية في مدينة الحامي، منذ قرون طويلة، جزءًا أصيلًا من حياة سكانها، ومصدرًا للعلاج والاسترخاء، وملاذًا للمرضى القادمين من داخل حضرموت وخارجها. ولم يكن هذا الإرث الطبيعي مجرد ظاهرة بيئية، بل أصبح عنصرًا من عناصر الهوية الثقافية، للمدينة وذاكرة جمعية ارتبطت بالشفاء والزراعة وأنماط العيش الساحلي. واليوم في ظل تنامي الاهتمام العالمي بالعلاج الطبيعي والبديل، تقف الحامي أمام سؤال مصيري: هل تبقى هذه الثروة الطبيعية حبيسة الاستخدام التقليدي، أم تتحول إلى مشروع تنموي يعيد الاعتبار للمدينة ويمنح شبابها فرصًا جديدة للحياة والعمل؟

تقع مدينة الحامي على الساحل الشرقي لمحافظة حضرموت، وتبعد عن مدينة المكلا نحو  أكثر من 90 كيلومتراً، وتُعد من المدن الساحلية القديمة التي ارتبط اسمها بالمياه والشفاء منذ القدم، فالاسم التاريخي جاء نسبة إلى الحِمّة الحامية، أي العين الحارة التي كانت مقصدًا للمرضى للاستشفاء. وقد حفظت الذاكرة البحرية والشعر الشعبي هذا المعنى، إذ يرد في أحد الأهازيج الساحلية وصف الحامي بأنها «مرسى العافية ومورد السقيا»، في إشارة إلى دورها كمحطة للشفاء والتزود بالماء للبحّارة والمسافرين.

يعرف ساحل الحامي تاريخيًا باسم “الظاهرة”، وهي أرض زراعية خصبة منذ مئات السنين. وقد أشار المؤرخ  بامخرمة في كتابه النسبة إلى المواضع والبلدان إلى هذه التسمية، نقلًا عن شيخه العلامة المؤرخ مسعود باشكيل .

ومن هذا الاسم جاءت تسمية المزارع بـ”الظواهر” مثل: ظاهرة باحميد، وظاهرة القنبع، وظاهرة بن قمري. كما أُطلق على ساحل البحر اسم “الظهار”، وهو القاع الساحلي، كما أشار الربان باطايع بقوله:

خذ من خباره .. هلّب طرح في ظهاره

تعرف سعاره.. وإلا لقصد السقيه    

ويرجع الاستخدام التاريخي لهذه المياه إلى عصور قديمة، حيث ارتبطت بحياة السكان اليومية وبحاجاتهم للعلاج والزراعة والاستقرار.

يشير الباحث مبارك باشحري إلى أنّ توارث استخدام المياه الكبريتية في الحامي تم عبر التجربة والمعرفة الشعبية المتراكمة، وأصبح جزءًا من الثقافة الصحية المحلية، باعتباره نمطًا من أنماط الحياة التي استمرت حتى فترات متأخرة من القرن العشرين.

وتعود القيمة العلاجية لهذه المياه إلى تركيبها الكيميائي الغني بعناصر معدنية متعددة، من بينها الكبريت والكالسيوم والصوديوم والفلور ومركبات السلفات واليود والبرومين. وتمنح هذه العناصر المياه خصائص تساعد على تخفيف الالتهابات الجلدية، وإرخاء الأعصاب، وتسريع التئام الجروح، وتخفيف آلام المفاصل والعضلات واضطرابات الجهاز الهضمي. كما يُستخدم الكبريت المصاحب للمياه في التدليك والعلاج العضلي، وهو ما يجعل هذه العيون أقرب إلى حمامات علاج طبيعي مفتوحة في الهواء الطلق، تجمع بين الفائدة الصحية والبيئة الطبيعية الساحلية. ومن  أبرز العيون المائية لمدينة الحامي  عين الروضة وهي الأكثر إقبالا وتستخدم لعلاج أمراض الروماتيزم والام الظهر، وعين باحميد وهي معروفة بعلاج أمراض اللثة والأسنان واضطرابات المعدة، أيضًا جالية بو سالم متخصصة في علاج الأمراض الجلدية مثل الأكزيما والحساسية، أما معيان علوي فيعمل على تخفيف التصلبات العصبية ومشكلات الدورة الدموية.

ومن هذا المنطلق، فإنّ تحويل هذا الإرث الطبيعي إلى مشروع تنموي ضرورة اجتماعية واقتصادية تفرضها أوضاع الشباب والحاجة إلى مصادر دخل محلية مستدامة. فالسياحة العلاجية تمثل فرصة واقعية لربط التراث الطبيعي بالتنمية الحديثة، بما يحفظ هوية المكان ويمنحه دورًا اقتصاديًا جديدًا في الحامي. وفي هذا السياق، يؤكد خالد مدرك، رئيس مؤسسة حضرموت للتراث والثقافة، أنّ نجاح هذا التحول مرهون بتوفر الإرادة لدى السلطات المحلية في مركز الحامي ومديرية الشحر، من خلال إنشاء مرافق منظمة للاستشفاء والعلاج الطبيعي، وتوفير بنية خدمية للزوار، وإطلاق برامج تدريبية للشباب في مجالات الإرشاد والعلاج والخدمات السياحية، بما يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية وتعزيز مكانة الحامي كمركز للسياحة العلاجية.

ولا تكتمل أي رؤية تنموية دون مراعاة السياق الاجتماعي والاقتصادي القائم، فالمطلوب ليس مشاريع ضخمة تفوق إمكانات المدينة، بل خطوات تدريجية مدروسة تنطلق من الواقع المحلي وتبني عليه، وتحول هذا المورد الطبيعي إلى منظومة بسيطة لكنها فعّالة، تخلق فرص عمل، وتعزز ارتباط المجتمع بمكانه، وتعيد الثقة بإمكانية التنمية من الخل.

وأخيرًا يمكن القول إنّ المياه الكبريتية في الحامي تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي: إما أن تبقى إرثًا طبيعيًا مهمَلًا يروى في الذاكرة فقط، أو تتحول إلى مشروع تنموي يعيد الاعتبار للمدينة ويمنح أبناءها أفقًا جديدًا للحياة والعمل. إنّ استثمار هذه المياه هو استثمار في تاريخ طويل من التجارب الإنسانية، وفي ذاكرة جماعية، وفي فرصة حقيقية لبناء مستقبل مختلف في ظل الإمكانات المتاحة والسياق الاجتماعي القائم.