تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

رمضان في لحج: دقة الحنش والهُشَّلة بين الطقوس والذاكرة

الزينة والفوانيس التي تضيء الأزقة، والأكلات الرمضانية الشعبية التي تملأ الأسواق، وحلقات الذكر في المساجد، ورائحة الخبز من “النوافي” الموقدة في الأرياف، وأنشطة النوادي الرياضية.

هكذا امتزجت روح العبادة ببهجة اللقاءات والسمر، وتنوعت العادات والتقاليد الشعبية، في صورة تعكس عمق الموروث الثقافي والاجتماعي الذي يمنح الزمن الرمضاني دلالته الرمزية الخاصة.

ففي محافظة لحج جنوباً، لا يحلّ رمضان عابراً، بل يدخل البيوت على مهل، كضيف يعرف تفاصيل المكان، ويعرفه الناس كما يعرفون ملامح بعضهم.

ويستعيد الباحث محسن كرد، أحد أبناء الحوطة، ذاكرة تلك الأيام قائلاً إن هذه الطقوس ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى زمن مضى؛ فقديماً كانت المقاهي تعجّ بالرواد حتى السحور، وكانت دور السينما مثل سينما "الأهلية" و"الجنوب" تعرض أفلامها الرمضانية، ويتنقل الناس بين المجالس والمقاهي والأندية الرياضية.

وفي الحارات تُشعل مجامر البخور والعود، وتتناثر رذاذات ماء الورد والعطر من “المرشّات” في حارات الحوطة على المارة، فتضفي على المكان أجواءً احتفالية دافئة.

ويتابع: "تنشط المقاهي بتقديم مشروباتها الباردة كالثريب وغيرها، فيما يقدم السيد الشرجي ألبانه التي تفوح برائحة الهيل ونكهته المميزة، كما تعرض بعض المقاهي مياه الشرب الباردة “المكبية” في أكواز صغيرة".

وفي سياق الحياة اليومية، تجتمع أسرة سامي مقبل في القبيطة حول مائدة الإفطار العامرة بالأطباق الشعبية اللحجية، ويختصر سامي المشهد بقوله: "رمضان في لحج عبادة وألفة، سمر وبساطة، وتراث يروي سيرة مجتمع متماسك".

دقة الحنش وكرامة رمضان

ويشير وافي العياضي، الباحث في التراث الشعبي بمديرية تبن، إلى أن الشهر يرتبط بعادات اجتماعية راسخة، وإعداد أكلات تقليدية في الحوطة وتبن، حيث يجتمع أفراد الأسرة حول صحنٍ واحد، في إشارة رمزية إلى التصالح والتقارب.

ويُعرف هذا الطقس بـ"دقة الحنش"، وهي وجبة غداء تُودع بها بعض الأسر شعبان وتستقبل رمضان، ويحرصون عليها خلال لياليه.

وتقول دكتورة التاريخ القديم بجامعة لحج نسرين البغدادي: "يمثل الطقس في المخيال الشعبي العربي مرحلة انتقالية، فالـ«حنش» يرمز للخطر أو القوى غير المرغوبة، بينما يُفهم «الدق» كفعل طارد، يطرد فيها المجتمع سلبيات الماضي ويدخل زمناً جديداً ذا قيمة روحية".

وتضيف أن دق الحنش يمكن اعتباره من منظور الأدبيات الأنثروبولوجية، طقس انتقال، حيث يؤطر المجتمع التحول الزمني عبر فعل جماعي يعيد إنتاج التماسك الاجتماعي ويعزز الذاكرة الجمعية.

وعلى الرغم من غياب أساس شرعي لهذا الطقس، إلا أنه يظل جزءًا من التراث الثقافي اللحجي، معبراً عن آليات المجتمع في منح الزمن معنىً رمزياً واجتماعياً.

مأدبة دقة الحنش

وتحضر المأدبة من الخبز المصنوع من الدقيق والقمح والحبوب المتنوعة المعروفة بـ"السكوع"، ونوع آخر يسمى "الكدر"، إلى جانب صانونة الخضار والسمك المشوي "المجمر" بـ"النوفا"، والحلبة والوزف، ويمكن إعداد الفتة بالسمن أو صليط السمسم، مع البقل والبصل، بينما يختار البعض الذبح وإعداد المرق واللحم إلى جانب هذه الأطباق.

وفي حضرموت، وتحديداً في الديس، تأخذ العادة معنىً آخر؛ إذ يوضح الفنان أنور الحوثري أن ما يُعرف بـ“مقتال الحنش” هو احتفائية اجتماعية عفوية لتوديع شعبان واستقبال رمضان، حيث يخرج الناس إلى الأرياف أو المرافئ الساحلية لقضاء ليلة ويوم في الاحتفال والطعام.

كرامة رمضان

وفي قبائل يافع، يبيّن الباحث الدكتور علي الخلاقي أن ما كان يُعرف بـ"كرامة" أو "مدخل رمضان" تمثل قديماً في تجهيز كبش وذبحه في اليوم الأول من الشهر، وتوزيع لحمه على ذوي القربى مع الاحتفاظ بجزء منه للأسرة.

كما تطبق عادة "شِركة رمضان" القائمة على تقاسم اللحوم وفق حصص محددة، وما زالت هذه العادة حاضرة في بعض أرياف تبن.

الاستعدادات النسائية والأهازيج

ومن الطقوس التي تمهد لقدوم الشهر، ينقل الصحفي أحمد بامطرف، أحد أبناء مديرية المسيمير، صوراً من ملامح الاستقبال؛ حيث تُزيَّن المنازل بالأضواء الملوّنة، وتُستقبل ليلة الإعلان بأجواء من الفرح والتهيؤ الروحي.

ويتابع تبرز الاستعدادات النسائية كطقس أصيل؛ إذ تُجمع الحطب لإعداد الوجبات على المواقد التقليدية، ويُطحن الحب بالطريقة القديمة المعروفة بـ“الماوره”، على إيقاع الأهازيج الشعبية التي تتردد في البيوت، معبّرة عن عمق الموروث ودفء المشاركة.

وفي الحوطة ووادي تبن، تُشترى حبوب القمح وتُوقر المطاحن بالويسك "الرحى" لطحنها في المنازل، فيما تتصاعد أدخنة “النوافي” عصراً إيذاناً بتحضير المائدة.

أما في يافع، فيبدأ الترحيب برمضان منذ شعبان، حيث تردد النساء:

شعبان وا عسكري

خادم لشهر النبي

شهر الصلاة والصيام

والدين واعابدين

أهازيج الغرّة

ويؤكد العياضي أن لرمضان طقوساً تبدأ منذ غرّته، إذ يجوب الأطفال الحارات مرددين:

مرحب مرحب يا رمضان،

شهر الفضيلة وشهر الصيام،

شهر محمد عليه السلام

وفي يافع يصدحون:

مرحب مرحب يا رمضان

شهر المُجَفَّأ وشهر الكُبَان

الأكلات الشعبية

أما المائدة قديماً، بحسب العياضي فكانت تشمل أطباق مختلفة مثل المخلم واللحوح والقطيب اللحجي، والماء المكبي، إضافة إلى حساء العتر والهريس والكباب باللحم.

وكانت الزيوت المستخدمة من السمسم، أو ما عُرف بزيت "البمبي" القادم من بومباي، قبل أن تتأثر بالأطباق الهندية.

وحالياً تتوسع مائدة رمضان لتشمل الشوربة والعتر والباجية والسمبوسة والمدربش والعشار وبنت الشيخ والمشبك والهريس واللبنية، إلى جانب القهوة والعصائر وفتة الموز والتمر والفواكه.

أما العشاء، فتفضله الأسر بأكلات شعبية مثل الفتة بالحلبة والسمن، أو الزربيان والكبسة، ولا تخلو بعض موائد الأرياف من الوزف مع العصيد.

ويُعد الوزف غذاءً بسيطاً ومتاحاً، ولا يزال حاضراً في بعض الأطباق الشعبية مثل العصيد مع السحاوق، وأقدم ذكر عربي للوزف عند ابن سعيد المغربي في حديثه عن سواحل المهرة شرق اليمن، حيث كان يستخدم لإطعام الإبل.

المشبك الوهطي… حلوى الجدل التاريخي

ويشير الكاتب الدكتور جمال السيد إلى أن المشبك الوهطي من الحلويات المرتبطة برمضان والموالد الشعبية، ويتشابه مع "الجليبي" الهندي في طريقة التحضير.

وقد اختلفت الروايات حول أصله؛ بين عربي وورد ذكره في كتاب الطبخ لابن سيار الوراق بالقرن العاشر، وفارسي ذكره ابن البغدادي بالقرن الثالث عشر، وتركي، ووثق في كتب هندية تعود لعام 1450م.

المنيحة والمطبخ الخيري

تحرص الأسر اللحجية على تبادل أطباق الإفطار، وتمتد موائد الإفطار الجماعي في المدن والأرياف وإفطار عابري السبيل، فيما كانت تجسد عادة «المَنيحة» في يافع روح التكافل بمنح المحتاج شاة ينتفع بلبنها طوال الشهر.

وعلى طريق القبيطة تتجدد خلال شهر رمضان مبادرة «المطبخ الخيري المجاني» لإطعام مئات الصائمين يومياً بجهود شبابية تطوعية، بحسب ما أفاد به علي منتصر القباطي، في مشهد يعكس استمرار روح التكافل الاجتماعي التي تميز المجتمع اللحجي.

في المقابل، يشير عنتر علي، مدير مديرية الملاح، إلى أن الأزمة الراهنة غيّبت تقليد الخروج إلى خارج القرية قبيل الإفطار للبحث عن ضيوف أو عابري سبيل ودعوتهم إلى المنازل لمشاركتهم وجبتي الإفطار والعشاء، وهي عادة كانت تجسد قيم الكرم واستقبال الغريب التي عُرفت بها المنطقة.

قُرص رمضان

ويذكر الخلاقي أن «قُرص رمضان» أو «عشاء رمضان» هو عشاء ترسله الأسرة لابنتها المتزوجة أو (العَذَل) في ليلة محددة، ضمن ما يسمى بـ«الهَدية والقديّة»، لكنها اندثرت في بعض أرياف يافع (سرو حمير).

المدفع… والهُشَّلة

خلال خمسينيات القرن الماضي، إبان حكم السلطنة العبدلية، كان مدفع رمضان يُطلق من قصر الروضة إعلاناً للإفطار، ويرافقه توزيع وجبات لإطعام الفقراء من قبل السلاطين، فيما عُرفت «القارة» في يافع بمدفعها الذي أُهدي للسلطان عيدروس من البريطانيين مطلع الخمسينيات.

وقبل الإعلام، كان تحري الهلال يتم من قمم الجبال وعند ثبوته تُشعل النيران فيما يُعرف بـ«الهُشَّلة» أو «الشعملة»، وترافقها اليوم ألعاب «الطماش» في جميع مديريات لحج بحسب الخلاقي.

الكِرس.. وليلة الفضيلة

يستعيد الباحث الخلاقي فرحة الأطفال بقدوم رمضان، ببناء «الكِرس»؛ وهو بناء حجري صغير قرب البيوت، يُعرف أحياناً بـ«المِحْلالة» أو «المئذانة».

وتجهز الأمهات لهم أقراصاً صغيرة من الخبز والتمر تُسمى «التماسي»، فيكتمل بهجتهم أثناء اللعب وتشاركهم الطعام.

بينما تُعد «ليلة الفضيلة» بوجبة عصيد، وتُخبأ فيها «حبة بُن» داخلها، ومن يجدها يُلقب بـ«بَرِك»

وفي الحوطة وتُبَن يمارس الأطفال ألعاباً شعبية مثل "السري" و"الحوك شوك" و"التوف"  وغيرها، ثم يجمعون ما تبقى من الإفطار ليتقاسموه بعد اللعب.

المسحراتي والتحزّاب

كان المسحراتي يجوب حارات الحوطة بطبلته، وفي يافع عُرف بـ«الشاحذ» وعند توزيع زكاة الفطر حاملاً «المَرْوَس» أو «الطاسة» وينشد المواويل طالباً نصيبه.

وبحسب العياضي في قرية مقيبرة بتبن استبدلت العادة بتقديم الأذان عند الساعة 3 لتنبيه الناس بالسحور.

كما شهدت القرى حلقات «التحزّاب» لختم القرآن، وهي قراءة حزبين من القرآن يومياً في المقاهي، حتى يُختم القرآن على يد شيخ، ومن لا يجيد القراءة يستمع للتلاوة للتذكير والتعلم، ولكنها اندثرت بحسب العياضي.


قصص شعبية

يستذكر وافي العياضي في الذاكرة الشعبية، يُروى للأطفال أن رمضان “قريب… كان يمشي ويسحب، وأن البركة تمضي من المشرق يوماً بعد آخر حتى تبلغ بيوتهم"،  في تصوير  يعكس مخيال الطفولة، حيث يُمنح الزمن روحاً وحركة.

في ذات السياق يتابع الخلاقي في سرد حكايات متوارثة عن قبائل يافع، من بينها صيام الأطفال في ما يُعرف بـ«جُمعة القضاء»، أي الجمعة الأخيرة من رمضان، إذ كان الاعتقاد السائد أنها تعادل صيام الشهر كاملاً.

ومن زاوية أخرى، يشير سامي مقبل إلى ما تناقله الناس من قصص حول ليلة القدر، حيث كان البعض يعتقد أن من يصادفها ينال “خِيتم التمانين” فتُستجاب أمنيته، ويروي من الطرائف أن رجلاً سمع صوت دجاجة تحت سريره فظنها علامة الليلة المباركة، قبل أن يبتسم لاحقاً لوهمه.

وتتقاطع هذه الحكايات مع قصة أخرى أوردها الخلاقي عن رجل تمنى أن يكبر رأسه في ليلة القدر، فكبر حتى عجز عن إخراجه من نافذة بيته، فاستغاث طالباً أن يعود كما كان.

ومن هذه الرواية وُلد المثل الشعبي اليافعي:

“يا الله برأسي يكبر، قال: يا الله يرجع ذي كان”،

ليغدو مثلاً سائراً في التحذير من الطمع وسوء التقدير.

وفي سياق الطقوس الختامية للشهر، يتجلى تقليد «حَبّة الكِشري» أو «وا عيدووه» أو «عليلووه» بالحوطة وتبن في آخر رمضان ، حيث تتزين الفتيات بالحناء ويرتدين الأزياء الشعبية، ويحمل الأطفال «الجِعاب» ويجوبون الحارات طلباً للحلوى، مرددين الأهازيج إيذاناً بقرب العيد..

ثم، عند التوديع، تتعالى أصواتهم مرددين:

“مودّع يا رمضان… تروح وترجع يا رمضان”.