في أحد أحياء مدينة تعز، كانت أمّ محمد تقف أمام خزانها الفارغ، تحدّق في قاعِه كما لو كانت تبحث عن أملٍ مختبئ بين جدرانه اليابسة. مرّت أيام من دون أن يصل المياه إلى منزلها. الأطفال ينتظرون، والغسيل يتكدّس، وحرارة النهار تزداد قسوة. لم يكن أمامها سوى شراء الماء من الوايت بسعر يفوق قدرتها، أو انتظار حلّ يُعيد تدفّق المياه إلى بيتها. هذا المشهد جزءٌ من أزمة ممتدّة شهدتها مدينة تعز منذ سنوات، حيث تحوّل الحصول على الماء إلى معاناة يومية لآلاف الأسر، وهو ما استدعى ظهور مبادرات مجتمعية ووساطات محلية، أدّت النساء فيها دورًا حيويًا ومحوريًا في فتح قنوات الحوار وإعادة المياه إلى بعض الأحياء في المدينة.
نجاح جهود وأدوار النساء في التخفيف من أزمة المياه التي تشهدها تعز، يجعلنا ندرك أنّ القضايا الخدمية والإنسانية، يمكن أن تتحوّل إلى مدخل فعّال لبناء الثقة وصناعة السلام، لا سيما عندما تقودها مبادرات مجتمعية تشارك فيها النساء بفاعلية، في اتخاذ القرارات المجتمعية.
في عام 2015، شهدت مدينة تعز انعدامًا شديدًا للمياه نتيجة الانقسام الذي فرضته الحرب؛ إذ كانت إمدادات المياه تحت سيطرة الحوثيين في ضاحية المدينة الشرقية المعروفة بـ"الحوبان"، بينما الخزانات التجميعية داخل المدينة، ما أدّى إلى تعطّل وصول المياه إلى السكان.

وبحسب إحصائيات وحدة الرصد والدراسات الاقتصادية بمركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، تصل الاحتياجات اليومية للمياه إلى 35 ألف متر مكعب، بينما المتوفّر لا يتجاوز 6 آلاف متر مكعب، بعجز يُقدّر بنحو 83% من حاجة المدينة. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن فجوة مائية كبيرة، بل تكشف كيف يمكن للصراع السياسي والعسكري أن يحوّل الخدمات الأساسية إلى أدوات ضغط تمسّ الحياة اليومية للسكان. ويكشف تقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش" أنّ أربعة من أصل خمسة أحواض مياه في تعز تقع تحت سيطرة الحوثيين أو على الخطوط الأمامية للصراع، مما يجعل الوصول إليها غير ممكن.
في مواجهة هذا الواقع، برزت مبادرات مجتمعية حاولت معالجة الأزمة عبر العمل المحلّي والوساطة، فبين عامي 2020–2021، انطلقت مبادرة لإعادة المياه بدأت بتدخّلات شبابية وعُقّال حارات لحلّ نزاعات داخل الأحياء وإصلاح شبكات المياه وتأهيل الآبار. وفي أكتوبر 2022، تمكّنت وساطة نسائية، من استعادة عددٍ من خزانات المياه التي كانت تسيطر عليها إحدى الفصائل العسكرية في مدينة تعز، وبها عادت الحياة لمؤسسة المياه، ومنها إلى معظم أحياء المدينة.
تطوّرت هذه الجهود لاحقًا إلى وساطة مباشرة بين جماعة أنصار الله (الحوثيين) والسلطات الحكومية في مدينة تعز عبر لجنة تنسيقية ضمّت مؤسسة المياه والتخطيط ووسطاء محلّيين تتصدّرهم الحقوقية "معين العبيدي" ورئيسة مؤسسة شباب سبأ "عُلا الأغبري". وتُشير إحدى المشاركات إلى أنّ الوساطات النسائية بدأت منذ أزمة 2015، حيث جرت وساطات نسائية تحت ضغط كبير أسفرت عن تسليم خزانات المياه، إضافة إلى زيارات لعدّة مناطق خاضعة لسيطرة أنصار الله لإجراء مفاوضات بهدف حلّ أزمة المياه.
وفي يوليو 2025، تُوجت جهود الوساطة بتوصّل السلطتين المحليتين للمياه والصرف الصحي في محافظة تعز، إلى اتفاق لإدارة منظومات إمدادات المياه بشكل مشترك عبر خطوط التماس. تُظهر هذه التجربة كيف يمكن للمبادرات المحلية، عندما تتدرّج من معالجة النزاعات الصغيرة إلى الحوار مع الأطراف المتصارعة، أن تفتح مسارات عملية لحل أزمات خدمية معقدة.
وقد أدّى الدافع الإنساني دورًا محوريًا في انخراط النساء في جهود الوساطة، خصوصًا في القضايا الخدمية التي تمسّ حياة الناس اليومية. وهو ما أكّدته إحدى المشاركات في المبادرة النسائية، وقالت: "إن هذا التحرّك جاء نتيجة استشعار مباشر لمعاناة السكان"، موضحة: نحن في "مؤسسة شباب سبأ" نؤمن أن المياه حق أساسي وخدمة ضرورية للحياة، ويجب ألا يكون ورقة مساومة في الصراع. كما أن رؤية الأمهات والأطفال في طوابير أو رؤيتهم يقطعون مسافات شاقة للحصول على شربة ماء كان المحرك الرئيسي لنقل المعاناة إلى طاولة الحوار وتحويلها من ملف صراع إلى ملف بناء ثقة.

إضافة إلى ذلك، لم تكن هذه الوساطات عفوية، بل استندت إلى عمل منهجي قائم على تحليل النزاع وبناء العلاقات مع مختلف الفاعلين المحلّيين. وتوضّح المشاركة نفسها أنّ أولى خطوات التفاوض بدأت بتحليل دقيق للنزاع عبر أدوات المؤسسة، وبناء الثقة مع المجتمع المحلّي والمؤثّرين وأصحاب المصلحة، مشيرة إلى أنّها تواصلت ونسّقت مع الوجاهات الاجتماعية والقيادات المحلية، وصولًا إلى مختلف الأطراف لضمان وجود أرضية مشتركة للوساطة، وهو ما يُشير إلى أن الوساطة المجتمعية الفاعلة لا تقوم على النوايا الإنسانية وحسب، بل تحتاج أيضًا إلى أدوات تحليل وعلاقات اجتماعية واسعة تسهّل الوصول إلى حلول مشتركة.
غير أن العمل في بيئة نزاع لم يكن خاليًا من التحديات، فقد اصطدمت جهود الوساطة أحيانًا بتسييس الاحتياجات الأساسية في ظل غياب الثقة بين أطراف النزاع وصعوبة إيجاد ثغرات يمكن منها تجاوز تلك العُقد. وتقول الوسيطة: "أرى أن تسييس الاحتياج أو الاتهامات المتبادلة بين الأطراف كانت تضعنا في موقف صعب يتطلّب حكمة وصبرًا لتهدئة النفوس وإعادة التركيز على الجانب الخدمي والإنساني لملف المياه".
يكشف هذا التحدي كيف يمكن للصراعات السياسية أن تعرقل معالجة القضايا الخدمية، ما يجعل إعادة توجيه النقاش نحو البعد الإنساني خطوة أساسية في أي وساطة مجتمعية، وقد واجهت الوسيطات ضغوطًا نفسية ومجتمعية بسبب العمل في ملف حساس يرتبط باحتياجات أساسية للسكان وبين أطراف يشوب علاقتها مستويات عالية من الحذر والهواجس وغياب الثقة التي قد تنعكس أحيانًا تشكيكًا في نزاهة ونوايا الوسطاء من أطراف مختلفة بما فيها المجتمع.
وتضيف: "الخوف موجود دائمًا في بيئة عمل حسّاسة، لكن الإيمان بالهدف والقضية يبدّده، وقد تعرضنا لضغوط أحيانًا بسبب استعجال النتائج، وتعاملنا مع ذلك بشفافية مع الناس، والاعتماد على العمل الجماعي"، ويبرز هذا الجانب حجم التحديات التي تواجهها المبادرات المحلية، حيث يصبح الالتزام الجماعي والثقة المجتمعية عاملين أساسيين لاستمرار الجهود.
وكان التركيز على المصالح المشتركة والتسلّح بالوضوح والشفافية ونبل الهدف الإنساني أحد المفاتيح الأساسية لإقناع الأطراف بفتح خط المياه. تقول الوسيطة: "بالتركيز على المصالح المشتركة، أقنعناهم أن استمرار توقف المياه يضرّ الجميع بما في ذلك حواضنهم الشعبية، واستخدمنا لغة الملف الإنساني الخدمي والعمل الحيادي لكلّ المواطنين"، ويعكس هذا النهج أهمّية تحويل النقاش من منطق الصراع إلى منطق المصلحة العامة، وهو ما يشكّل أحد أسس بناء السلام المحلي.
وقد كان حضور النساء في هذه الوساطات محوريًا فاعلًا، أسهم في تغيير طبيعة الحوار نفسه وخلق فرصًا تمنح أملاً بالحياة، وتقول الوسيطة: "الواقع اليوم يُثبت عكس الصورة التي تحصر دور المرأة في البيت، فالمرأة هي الأكثر قدرة على فهم احتياجات الأسرة والمجتمع؛ لأنها في قلب المعاناة. ووجودنا كوسيطات أضفى صبغة إنسانية وهدوءًا على طاولات التفاوض"، وتكشف هذه التجربة أنّ مشاركة النساء في عمليات الوساطة يمكن أن تُضيف بُعدا إنسانيًا يخفّف من حدة التوتر في النزاعات المحلية.
هذه التجربة شكّلت نموذجًا مُلهمًا في قدرة النساء على اختراق محاذير الصراع والتأسيس لنقاط التقاء تبعث بصيص أمل من وسط دخان الحرب. ويرى أستاذ علم الاجتماع بجامعة تعز، الدكتور محمود البكاري، أن مشاركة النساء في الوساطات تعكس واقعًا اجتماعيًا تشكّل عبر سنوات من انخراط المرأة في التعليم والعمل العام، مشيرا إلى أنّ "النساء في محافظة تعز أحد أهم مكونات المجتمع المحلّي من حيث المشاركة في الحياة العامة، وما يقمن به من أدوار سياسية واقتصادية واجتماعية هو انعكاس لهذا الواقع".
وقد أسهم النجاح الذي حقّقته النساء في صناعة السلام في تراجع الصورة النمطية التي تحصر دور المرأة في البيت، لصالح دور اجتماعي أكثر انفتاحًا، وهو ما يؤكّده الدكتور البكاري بقوله: "إن الصورة النمطية التي تحصر دور المرأة في العمل المنزلي ناتجة عن ثقافة مجتمعية مترسخة في بعض المناطق، لكن في محافظة تعز، هذه الصورة آخذة في التراجع لصالح صورة أكثر مدنية وحداثة".
هذا التحول الاجتماعي يعكس بيئة أكثر تقبّلًا لمشاركة النساء في قضايا المجتمع، بما في ذلك الوساطات المحلية. في المقابل، يأتي حرص النساء على إنهاء النزاعات، من تأثير الصراع المباشر على حياتهن الأسرية. يقول أستاذ علم الاجتماع البكاري: "باعتبار أن المرأة شريك الرجل في تحمل أعباء الحياة، فهي أكثر حرصًا على أن تُسهم في تطبيع الحياة والحدّ من الصراعات"؛ لأنها تدفع ثمنًا باهظًا كأم وزوجة في نتيجة للصراع". ويبيّن هذا التفسير كيف يمكن للمعاناة اليومية أن تتحوّل إلى دافع للمشاركة في بناء الاستقرار المجتمعي.
بين عجزٍ مائي يصل إلى نحو 29 ألف متر مكعب يوميًا، ومدينة أنهكتها سنوات الصراع، وآلاف النساء اللائي يكافحن يوميا للحصول على عبوة ماء تفي حاجة أسرهن اليومية، وبين وسيطات سخّرن جلّ جهدهن ومثابرتهن لتخفيف تلك المعاناة، تبرز تجربة وسيطات تعز كمسار نوعي لصناعة السلام بدءا من الاحتياجات اليومية للإنسان. خزانات فارغة ومعاناة يومية ألهمت مبادرات مجتمعية قادتها النساء فتحت آفاقًا للحوار، جنى ثماره المجتمع، أو جزء مهم منه على الأقل، في أمنه المعيشي والمائي. في تجربة ملهمة، تثبت قدرة النساء على الإسهام في صناعة سلام محلي لا يبدأ دائمًا من الاتفاقات السياسية الكبرى، بل قد ينطلق من قضايا خدمية هي بقدر بساطتها تشكل الحياة، لكنها تتحوّل إلى مساحة مشتركة للحوار والعمل والانطلاق نحو المستقبل.

