تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

نساء ريف الضالع.. نحتٌ يومي في طبيعة قاسية للتشبث بالحياة

قبل طلوع الشمس، تصحو الخمسينية أم محمد لتبدأ يوماً جديداً من العمل الدؤوب، متنقلة كالنحلة بين المنزل والأعمال الزراعية في الحقل، دون كلل أو ملل حتى مغيب الشمس.

في صباح كل يوم، توزع أم محمد المهام بينها وبين بناتها الثلاث: عبير 20 عاماً، ومها 16 عاماً، وطيبة 12 عاماً، فيما يستغرق رجال العائلة في النوم، وينتظرون منهن أن يقدمن لهم الطعام والقات دون عناء.

تقول أم محمد، في حديثها لـ"منصة اليمن": تتولى عبير أعمال تنظيف المنزل وزرائب الحيوانات، ثم تلحق بي إلى المزارع للاهتمام بالقات وجلب العلف والحشائش للمواشي والحطب، وتقوم مها بنقل كميات كبيرة من الماء من البئر إلى المنزل تكفي لسقي الأغنام والبقرة والحمار، إضافة إلى الغسيل واحتياجات المطبخ والحمامات، فيما تخرج طيبة لرعي الأغنام من الصباح حتى المساء.

تقضي النساء في ريف الضالع أياماً قاسية من العمل، يتجاوز عمل المرأة وبنيتها الجسدية

اختلال الأدوار الاجتماعية

تقضي النساء في ريف الضالع أياماً قاسية من العمل، يتجاوز عمل المرأة وبنيتها الجسدية، إذ يقمن أيضاً بأدوار زراعية يُفترض أنها من مهام الرجال، في ظاهرة تكشف اختلالاً عميقاً في توزيع الأدوار، وتحول الحياة اليومية إلى عبء مضاعف تتحمله النساء بصمت.

وليست أم محمد وبناتها إلا نموذجاً من تلك النساء المكافحات في أرياف ذات طبيعة قاسية، يحاولن تذليلها ببذل جهود مضاعفة لتأمين احتياجات الأسرة، وترك بصمات من العرق والكد للحفاظ على استقرارها، لا سيما في شهر رمضان الذي يصبح العمل فيه أكثر قسوة تحت أشعة الشمس الحارقة، مع الصوم والعطش.

وبحسب الباحث الاجتماعي صلاح الحقب، فإن النساء الريفيات في محافظة الضالع يمثلن العمود الفقري لاقتصاد العائلة، ولهن دور محوري في التنمية الزراعية، إلا أن تلك الجهود تُعد من أشكال العمل غير المرئي الذي لا يحظى بتقدير اجتماعي أو حماية مؤسسية كافية.

يقول الحقب لـ"منصة اليمن": إن البنية الاجتماعية غير المتكافئة في توزيع العمل تجعل المسؤوليات الزراعية الشاقة تتقاطع مع أدوار الرعاية المنزلية ضمن سياق اقتصادي ضاغط، وهناك حاجة ماسة لتدخلات مجتمعية ورسمية تعيد توزيع الأدوار، وتدعم حقوق النساء في بيئة أكثر عدالة واستدامة، مع مراعاة الأبعاد النفسية والاجتماعية لهن.

وفي ظل محدودية برامج الحماية والتمكين وضعف تدخل المنظمات، تتحمل النساء عبئاً يفوق طاقتهن، خاصة في شهر رمضان، ما يجعلهن عرضة للإرهاق الجسدي والضغوط النفسية، كما تؤكد مديرة تنمية المرأة بمحافظة الضالع، انتصار الفقيه، لـ"منصة اليمن".

وترى الفقيه أن نقص التمويل وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق يعيقان دعم النساء، مما يتطلب من الجهات الرسمية والمنظمات المدنية تحمّل مسؤولياتها وتوفير حماية صحية وبرامج تمكين حقيقية تخفف من معاناة الريفيات.

لا تتوقف تبعات العمل المضني عند التعب الجسدي والآثار النفسية والاجتماعية، بل يترتب عليه العديد من المخاطر الصحية، كفقر الدم، والدوخة، والصداع، واضطرابات الجهاز الهضمي

مخاطر صحية

لا تتوقف تبعات العمل المضني عند التعب الجسدي والآثار النفسية والاجتماعية، بل يترتب عليه العديد من المخاطر الصحية، كفقر الدم، والدوخة، والصداع، واضطرابات الجهاز الهضمي، كما يقول الدكتور وضاح القاضي، مدير مركز الجبارة الصحي بمريس، لـ"منصة اليمن".

ويضيف القاضي أن عدد الحالات بين النساء الريفيات يتزايد بشكل كبير خلال شهر رمضان، وخاصة الحالات المتعلقة بالجفاف والتهابات المسالك البولية ومشكلات الكلى، محذراً من تفاقم الحالات الصحية لدى النساء المصابات بأمراض مزمنة، كارتفاع ضغط الدم والسكري.

دائرة معاناة وصمود

مع غروب الشمس، تعود أم محمد من الحقل مجهدة، لتستكمل العمل المنزلي، ثم ترمي بجسدها المرهق على الفراش استعداداً ليوم آخر لا يختلف كثيراً عن اليوم الذي سبقه.

وعلى الرغم من الجهود الشاقة التي تبذلها نساء ريف الضالع في دعم اقتصاد الأسرة، إلا أن أم محمد تشكو، بحزن، من أن تلك التضحيات التي تقدمها المرأة في سبيل دعم العائلة لا تقابل حتى بكلمات شكر من الرجال، بل تتعرض للتوبيخ أو للضرب أحياناً إذا لم تقم بالعمل كما يريدون أو اعترضت على شيء ما.