في زاوية تملؤها رائحة الطين بالعاصمة صنعاء، بدأت الفنانة التشكيلية والخزافة ندى الذفيف تجربتها مع فن الفخار برحلة لم تتوقف عند تعلم الحرفة، ومثلت انغماساً في فن يجمع بين البساطة والعمق، تتحول فيه قطعة الطين الصماء إلى عمل فني نابض بالحياة، يحمل في طياته روحاً وقصة.
علاقة ندى بالفخار لم تأتِ عبر تخطيط مسبق، بل ولدت في أواخر العام 2023 من لحظة عابرة خلال مشاهدة فيلم سينمائي، اكتشفت من خلاله عالماً كاملاً يتشكل من الطين، فقررت التوقف عن دراسة إدارة الأعمال، والالتحاق بتعلم فن الطين والزخرفة في المرسم الحر "فانتازيا".
من هذا المخاض، الذي مثل لندى طوق نجاة من مرحلة الشتات التي عاشتها بعد فشل مشاريع سابقة، ولدت علامتها الفنية (The Potter Dada) التي تحمل طابعاً حميماً أطلقته عليها إحدى صديقات المدرسة، ليتحول من مجرد لقب تدليل إلى هوية فنية وتجارية، حد قولها.

ترجمة الشغف
تحكي ندى: "بدأ الأمر بهواية أحببتها أكثر من أي نشاط آخر، وحين رأيت نجاح العديد من الخزافات في تحويل هذه الحرفة إلى مصدر دخل أساسي، تشجعت للبدء ببيع القطع المكتملة والصالحة للاستخدام، وبسبب الإقبال الكبير تركت كل شيء وصببت تركيزي بالكامل على هذا الفن؛ الذي أصبح وظيفتي الرئيسية".
وترجمت ندى شغفها الفني إلى واقع ملموس؛ حيث تنتج حالياً حوالي 50 كوباً شهرياً، ولا تعتمد في الترويج لها سوى على التسويق الشخصي.
تقول الذفيف لـ"منصة اليمن": في البداية، اكتفيت بإهداء بعض الأكواب لشخصيات مؤثرة للتعريف بعملي، وهذه الخطوة أتت ثمارها سريعاً في التسويق، وبفضل الله، بمجرد أن اعرض أي تشكيلة جديدة، تنفد بالكامل خلال فترة أقصاها ثلاثة أيام.

امتداد الروح
على الرغم من أن الرسم كان البداية الأولى لندى في عالم الفن، لكن سحر الطين استحوذ على المساحة الأكبر من شغفها، ليتحول الرسم إلى أداة للتخطيط "الاسكتشات"، أو كجزء مدمج داخل العمل الخزفي.
ولهذا ترى ندى أن لكل منهما خصوصيته، فالورق يمنحها الخفة والسرعة، ويمنحها الطين تجربة حسية عميقة تبدأ قبل تشكيل القطعة، من رائحة المكان إلى برودة الملمس، وتنتهي بدهشة "نار الفرن" التي تحول القطعة الصلبة إلى قطعة فنية تحمل روحاً.
في أعمال ندى، لا يبدو الطين مجرد مادة خام، بل امتداد مباشر لذاتها؛ فهي تتعمد ترك آثار أصابعها وتفاصيل التشكيل واضحة، وتضيف تموجات تلمس الروح التي تعبر عن حضور الإنسان داخل العمل الفني.
تصف ندى هذه العلاقة قائلة: "الطين ليس مادة جامدة، بل هو كائن يتفاعل مع حالتي وفي الهدوء يتحول العمل إلى صلاة تأمل، ويصبح في أوقات الحزن مساحة أفرغ فيها كل شيء، إنه يعالجني حقاً".

تكامل الريشة والملمس
تتبنى ندى رؤية فنية تقوم على تقبل "عدم الكمال" فهي ترى أن القصة الحقيقية تكمن في الشقوق والكسور والآثار التي تتركها أصابعها على القطع.
وتدمج ندى التراث العربي بالحداثة بشكل طبيعي؛ فهي تستلهم خطوطها من بيئتها اليمنية، وتجددها بأسلوب بسيط يعبر عن إنسان اليوم ويلامسه، مؤمنة بأن التراث ليس قالباً ثابتاً، بل روح تتشكل وتتجدد.
وتؤكد ندى أن فن الفخار في اليمن يمتلك مستقبلاً واعداً لو توفرت المواد الخام والأفران المركزية المطلوبة.
حلم الوصول إلى العالمية
لم تخل طريق الذفيف من الصعوبات والتحديات التي تشكلها شحة الخامات في اليمن التي تكلفها الكثير من الوقت والجهد في الطلب والتجربة، وجعلتها تمر بعدة إخفاقات قبل أن تصل مؤخراً إلى "التوليفة المثالية" المتوافقة بين أنواع الطين التي تضطر لإحضارها من المملكة العربية السعودية، والطلاء الزجاجي (الجليز).
وبالإصرار، نجحت الذفيف في تخطي تلك العوائق، وجعلت "The Potter Dada" أكثر من مجرد علامة تجارية، فما بدأته بلمسة طين انتهى بهوية فنية تطمح للوصول بها إلى العالمية.
وما يزال لندى حلمها الكبير بتأسيس شركة واستوديو تصنيع يضم مصممين ومصورين وكادراً إدارياً، وتتخطي به عائق الطاقة الكهربائية الكبيرة التي تحتاجها الأفران.

