تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

مشاريع النساء الزراعية.. عندما تُنبت الأرض الأمل

بعد أن اختفى الزوج فجأة، وانقطعت أخباره عن الأسرة، وجدت الأربعينية أم ناجي نفسها في مواجهة حياة قاسية لم تجربها من قبل، وتحدّ كبير في حماية عائلتها وتوفير احتياجاتها.

لم يكن أمام أم ناجي، التي تعيش في إحدى أرياف محافظة الضالع - وسط اليمن - خيارا سوى اللجوء لإخوتها للحصول على قطعة أرض من تركة والدها لتنفيذ مشروع زراعي يقيها مر الفقر والحاجة إلى الناس.

سخرت أم ناجي كل جهدها في استصلاح الأرض، وأعطتها كل وقتها، وعملت على زراعة وسط الأرض بالمحاصيل الموسمية، كالذرة الشامية والعدس والفاصوليا، فيما خصصت الأطراف لزراعة الرمان والجوافة والتين.

وشكّل حصولها على دعم من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" نقطة تحول مهمة في مشروعها، ومنحها دافعًا إضافيًا للاستمرار والمضي قدمًا، وساعدها في إنتاج كميات أكبر من المحاصيل الزراعية.

وبفضل تفانيها في العمل، استطاعت منذ تنفيذ المشروع في العام 2016، أن تحقق الاكتفاء الذاتي، وأن تصل إلى بيع جزء كبير من المحاصيل الموسمية والفواكه، حدّ قولها.

المشاريع الزراعية التي تديرها النساء تحولت إلى وسيلة للبقاء، ومصدر دخل يخفف وطأة الفقر ويعزز الأمن الغذائي للأسرة

إصرار على النجاح

المشاريع الزراعية التي تديرها النساء لم تعد مجرد نشاط روتيني، بل تحولت إلى وسيلة للبقاء، ومصدر دخل يخفف وطأة الفقر ويعزز الأمن الغذائي للأسرة.

وبين شحّ الإمكانات وصعوبة التسويق، تواصل نساء كثيرات إدارة هذه المشاريع بإصرار كبير، في محاولة لإعادة تشكيل أدوارهن الاقتصادية والاجتماعية.

وليست دينا عبدالله سعيد - من محافظة تعز - إلا واحدة من قصص الكفاح الناجحة لمشاريع النساء الزراعية، حيث بدأت مشوارها بعد وفاة زوجها، وهي لا تمتلك الأرض الكافية لتنفيذ مشروعها، فسعت إلى الحصول على مساحات إضافية بمساعدة من أبناء المنطقة.

تقول دينا لـ"منصة اليمن": "في الموسم الأول بدأتُ بزراعة مساحة محدودة، لكن بعده توسعت في زراعة البطاط والبقوليات، وحققت الاكتفاء الذاتي للعائلة، وعملت على تسويق المنتجات الزراعية لتوفير كل متطلبات الأبناء واستكمال بناء المنزل الذي توقف بعد وفاة زوجي".

ورغم الجهد الكبير الذي تبذله في الزراعة والاعتناء بالأرض، تواجه دينا تحديًا كبيرا في تسويق المنتجات، والحصول على سعر عادل يغطي تكاليف الجهد والإنتاج.

على الرغم من توسُع المشاريع الزراعية النسائية، يظل مستقبلها مرهونا بمدى توفر دعم حقيقي ومستدام يضمن للنساء فرص التمكين الاقتصادي

إعادة تشكيل الأدوار

في ظل الأزمات الاقتصادية في اليمن، برزت المشاريع الزراعية النسائية كمساحة حيوية، منحت المرأة حضورا أقوى داخل المجتمع، وعززت من استقلاليتها وشعورها بالأمان النفسي وتقدير الذات.

يؤكد الباحث الاجتماعي الدكتور سالم الشمسي، في حديثه لمنصة اليمن، أن المشاريع الزراعية التي تديرها النساء أحدثت تحولًا ملحوظا في مكانة المرأة داخل الأسرة والمجتمع، وجعلتها تنتقل من دورها التقليدي إلى المساهمة المباشرة في الإنتاج، لتصبح شريكة في اتخاذ القرار وتحديد أولويات الإنفاق.

وعلى المستوى المجتمعي، ساهمت المشاريع في كسر عزلتها، وتعزيز الإنتاج الذاتي وتنويع الغذاء، وأسهم دخلها في ضمان استقرار الإمدادات الغذائية، بحسب الشمسي.

برزت المشاريع الزراعية النسائية كمساحة حيوية، منحت المرأة حضورا أقوى داخل المجتمع، وعززت من استقلاليتها

دعم غير مدروس

وعلى الرغم من توسُع المشاريع الزراعية النسائية، يظل مستقبلها مرهونا بمدى توفر دعم حقيقي ومستدام يضمن للنساء فرص التمكين الاقتصادي.

ولهذا تشكو منسقة مشاريع التمكين الاقتصادي لنساء الريف في مؤسسة التمويل الأصغر، وردة السيد، من أن النساء الريفيات ما يزلن يعانين من تهميش واضح في برامج التمكين وبناء القدرات، ولا يحصلن إلا على دعم محدود في إطار مشاريع زراعية أو حيوانية تُنفذ لصالح الأسرة ككل، ما يحرم المرأة من امتلاك مصدر دخل مستقل ومستدام.

وتشدد السيد على أهمية تقديم الدعم بشكل مباشر للنساء، لضمان حقهن في الدخل، وضرورة مواءمة المشاريع مع احتياجات السوق المحلي، وتوجيه الدعم نحو مشاريع قابلة للاستمرار.

وتضيف أن بعض التدخلات، مثل مشاريع المياه، أسهمت في تحسين حياة النساء من خلال توفير الوقت، وتعزيز فرص التعليم والحماية، لكنها تظل غير كافية لتحقيق تمكين اقتصادي حقيقي.

تدخلات حكومية

يتحدث المهندس عبدالملك ناجي، وكيل قطاع الإنتاج في وزارة الزراعة بعدن، بتفاؤل عن مستقبل الزراعة النسوية، ويؤكد أن هناك توسعا في المشاريع التي تنفذها الحكومة بالتعاون مع منظمات دولية. وتشمل هذه التدخلات إنشاء الحدائق المنزلية، والبيوت المحمية، وتوزيع الماشية والدواجن للأسر.

ويشير ناجي إلى أن الحكومة نفذت برامج تدريبية تستهدف النساء في مجالات متعددة، من بينها تربية النحل، بهدف تعزيز قدراتهن وتمكينهن اقتصاديًا ورفع مساهمتهن في الإنتاج الزراعي.

وعلى الرغم من محدودية وصغر حجم المشاريع الزراعية النسوية وغياب الدعم، فإن النماذج الحالية غيّرت واقع كثير من الأسر، ومثلت خط دفاع عن أمنها الغذائي، وحققت الاستقرار المعيشي والنفسي.

المشاريع الزراعية لم تحقق معيشة كريمة لعائلات فقد مصادر الدخل فحسب، وإنما أعطت أملًا جديدًا في الحياة لكثير من النساء، كأم ناجي التي منحها مشروعها الصغير القدرة على الاستمرار والاعتماد على نفسها رغم كل الظروف القاسية التي واجهتها، حسب قولها.