تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

مروى العامري.. تراكيب خارج المألوف تدمج الفن والتراث

من الطفولة بدأت رحلتها بأقلام ألوان وقصاصات ورق، تمضي معها جزءًا من يومها في رسومات تخفيها تحت وسادة النوم أو في شنطة المدرسة، كسِرّ صغير لم تحب أن يطلع عليه الآخرون.

هكذا كبرت العشرينية مروى العامري على حب الألوان، وتوسع مفهومها ورؤيتها للفن التجريدي، وسعت إلى ربطه بالهوية والتراث اليمني عبر لغة تتجاوز الشكل التقليدي وتخلق تركيبة بصرية مستقلة عن الواقع.

وعبر ريشة الرسم، سعت الفنانة الحضرمية إلى البحث عن طريقة لفهم ذاتها والعالم حولها، بدون أي قواعد جامدة تلتزم بها، ولتشق لنفسها طريقًا فنيًا خاصًا.

حدس طفلة

إلى جانب حياتها الفنية، شقت مروى طريقها في التعليم والدراسة الجامعية في إدارة الأعمال الدولية، بالإضافة إلى تجاربها المتعددة في التطوع والتدريب والعمل منسقةَ مشاريع في شركة خاصة بالعاصمة صنعاء، التي تعيش فيها مع أسرتها.

وفي حديثها عن تجربتها الفنية لـ"منصة اليمن"، تؤكد العامري أن علاقتها بالفن تعود إلى طفولتها الأولى، من خلال شعورها بالانجذاب إلى الرسم، وحدسها الذي قادها إلى اكتشاف موهبتها وفضولها في تجريب المواد المتاحة.

وبتشجيع العائلة ودعمها، زاد تعلقها بالفن ومنحها ثقة كبيرة بنفسها، وتحولت الهواية الطفولية إلى لغة تعبير كاملة، خاصة بعد أن اكتشفت أن الفن ليس مجرد هواية، بل وسيلة للتفريغ والتعبير عن الذات لشخصية كانت تميل إلى الكتمان والانطواء.

تقول مروى: "كنت أشعر بالثقة وبدافع أكبر للاستمرار، وأنا أرى أبي يعلق اللوحات في المنزل ويعرضها بفخر لكل من يزورنا، وأشعر بسعادة أمي وإعجابها وهي تقدم رسوماتي للضيوف، وتشجعني بشراء مجلات الرسوم المتحركة للأطفال".

تركيبات غير تقليدية

من غرفة صغيرة داخل منزلها، تمعن النظر في لوحات لم تكتمل، وتحرك ريشتها بخفة لتضع عليها اللمسات الجمالية، للتعبير عن شغفها وما يدور بداخلها من أفكار ورؤى، وتدمج ببراعة بين التراث والحس الحضاري والمواد غير التقليدية.

وترى مروى أن الفن البصري التجريدي يسعى إلى خلق تركيبات مستقلة تمنحها حرية واسعة في استخدام عناصر غير تقليدية، تجعلها قادرة على إرسال رسائل مبطنة والتعبير عنها بأكثر من خامة.

وبسبب هذه القناعات، ترفض تصنيفها بالفنانة التشكيلية، وتفضل تعريفها فنانة تجريدية، لأن هذا التصنيف يعكس طبيعة أعمالها التي تقف بين التجريد والتشكيل، وتعبر بوضوح عن مشاعرها ورؤيتها للقضايا الاجتماعية.

المرأة والبن

في أعمال مروى، يظهر التراث اليمني عنصرًا مركزيًا لا يقف عند حدود رمزيته الجمالية، وإنما كفكرة ثقافية مهددة بالنسيان والضياع، تسعى لإعادة تقديمه بصريًا في سياق معاصر.

وتؤكد أن اهتمامها بالفن قادها بشكل طبيعي إلى الاهتمام بالتراث، فعملت على دمج الاثنين في إطار واحد، بحيث يصبح التراث جزءًا حيًا من التكوين البصري، وليس مجرد خلفية.

وتعد المرأة من أبرز العناصر الحاضرة في أعمالها، ومحورًا بصريًا يحمل عناصر التراث من أزياء وتطريز وحكايات وأغانٍ، ويحفظ الهوية الثقافية اليمنية.

ومن خلال لوحة "الرداء الأسود"، تعبر مروى عن موقفها الرافض لرؤية المرأة منكسرَة أو ضعيفة، بكلمات تمثل تحديًا يواجه النساء، كتبتها بشكل مقلوب في خلفية اللوحة لتحفزها على المواجهة والتحدي.

ولا تقتصر مصادر الإلهام لديها على البصر فقط، بل تمتد إلى الذاكرة والصوت، فالعائلة التي كانت تستمع إلى أغاني الكاسيت الكلاسيكية تركت أثرًا واضحًا في تكوينها الجمالي.

ومن صوت أم كلثوم في أغنية "ألف ليلة وليلة"، استحضرت لوحتها التي شكلت بالنسبة لها لحظة ارتباط بين الموسيقى والصورة، وحولتها إلى عمل تظهر فيه صورة أم كلثوم بأسلوب "البوب آرت"، مستخدمة الألوان وأشرطة الكاسيت عنصرًا بصريًا.

تفرد فني

من الأساليب الفنية التي سعت مروى إلى التفرد بها، ورسم طريقها الإبداعي في مسيرة الفن والتراث، استخدام حبات البن عنصرًا رئيسيًا في الرسم، كما في لوحة "البن والحضارة"، التي استخدمت فيها أربع درجات من التحميص، وبإجمالي 2934 حبة بن.

تصف العامري اللوحة بأنها نقطة مفصلية في مسارها الفني، جمعت فيها فكرتين داخل عمل واحد؛ فعند النظر الطولي لها تظهر المرأة اليمنية قديمًا بزي الستارة الصنعاني أو الشيدر العدني، وعند قلب اللوحة تتشكل خريطة اليمن بتفاصيلها، إضافة إلى حروف من خط المسند.

وعلاوة على لوحة "البن والحضارة"، نفذت أعمالًا أخرى اعتمدت على مادة البن، من أبرزها لوحة أبو بكر سالم، التي تعتبر أكثر أعمال مروى كثافة، إذ تجاوز استخدام البن فيها 4000 حبة، ورسومات بلقيس والحسناء وصنعاء.

مشروع ضوء

إلى جانب أعمالها الفردية، أسست مروى مشروعًا فنيًا وثقافيًا يحمل اسم "ضوء"، بهدف إحياء التراث اليمني عبر صياغة معاصرة تجمع بين العناصر التقليدية والبعد الحضاري الحديث.

بدأ المشروع بمبادرة فردية، قبل أن يتحول عام 2021 إلى مشروع ثقافي متكامل بعد اعتماده من مؤسسة البيسمنت الثقافية.

تقول مروى: "انقطعت عن الفن لفترة، وعندما حصلت على فرصة للتقديم في المشروع، خطرت لي فكرة اسم ضوء كتعبير عن عودتي للفن، إضافة إلى أن فكرة المشروع تدعم بالإضاءة الفخاريات والأباجورات المصنوعة من السعف".

ويعمل فريق "ضوء"، المكون من أربعة فنانين وحرفيين، على إنتاج قطع فنية تحمل مواصفات تراثية، وأنتيكات، وإكسسوارات، وفضيات، وخشبيات، وشموع، معتمدة على تفاصيل وجماليات أزقة صنعاء القديمة وتراثها الحضاري.

تحديات وطموح

تروج مروى للوحاتها عبر البازارات المحلية والخارجية، وشاركت في سبعة معارض محلية، إضافة إلى معرض إلكتروني خارجي، لكن تجربتها الفنية لم تخلُ من التحديات، التي تمثلت في صعوبة توفير المواد الخام محليًا بجودة عالية، والاضطرار إلى طلب بعضها من الخارج، ما يزيد من صعوبة الإنتاج، على حد قولها.

وتشكو العامري من قلة المعارض الفنية، وندرة الاستشاريين في الجانب الثقافي والفني، وعدم تقدير البعض للأعمال اليدوية كما يجب، وقصور الوعي بأهمية الحفاظ على الموروث الثقافي.

ووسط هذه التحديات، تطمح إلى أن تكون لها بصمة إيجابية في مساعدة المجتمع على تذوق الفن وتقبله، من خلال تنظيم معارض كبيرة لإبراز اللوحات الفنية الخاصة بالتراث اليمني.

وتأمل أن يكون "ضوء" وسيلة لجعل الفنون اليمنية التراثية تصل إلى العالمية، وأن يكتسب فريقه مهارات عالية تفتح لهم مجالات أوسع لإحياء التراث عبر أفكار إبداعية متعددة.