تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

من طريق الرجاعية إلى الأزمة الإنسانية.. عندما يصنع الترابط المجتمعي الفارق

في كلّ وقتٍ يمرّ فيه فارس أحمد بسيارته على الطريق المؤدّية إلى قريته "الشَرف" بعُزلة الرجاعية، يشعر بالفخر والتقدير لقيام الأهالي برصف وبناء هذه الطريق، فقبل ثلاث سنوات من الآن، لم يكن فارس أو أيّ أحد من سكان عزلة "الرجاعية" يستطيع المرور بالسيارة من هذا المكان بسبب وعورته، لكن هذا الطريق أضحى سالكًا الآن بفضل ترابط الأهالي وتكاتفهم.

شكّلت هذه الطريق الوعرة أزمة حقيقية لأهالي الرجاعية، قبل أن يتمكّنوا مِن حلّها بتكاتفهم. وبعيدًا عن هذه المشكلة، لا يزال كثيرٌ من اليمنيين يعانون من أزمات وصعوبات اقتصادية ومعيشية متعدّدة، فضلًا عن تداعيات الحرب، مثل النزوح والأزمة الإنسانية. في مقابل ذلك، أسهمت صور الترابط المجتمعي، التي أظهرها الناس في اليمن ووقوف بعضهم إلى جانب بعض أثناء الأزمات، بشكل كبير في التخفيف من حِدّتها، والتغلب على كثير منها في أوقات كثيرة.

يتوارث اليمنيون قيم الترابط المجتمعي عبر الأجيال، بوصفها امتدادًا لثقافة راسخة وتقاليد متجذّرة في الأعراف الاجتماعية والدينية منذ زمن طويل. توضّح أستاذة علم الاجتماع في جامعة تعز، الدكتورة ألطاف الأهدل، أنّ هذا الترابط يُعدّ جزءا من المنظومة القِيمية لليمنيين، مضيفةً أنّ أفراد المجتمع لا يلجؤون إليه في أوقات الأزمات فحسب، بل يُمارسونه عادةً أصيلة في مختلف شؤون حياتهم، حتى غدا موروثًا ثقافيًا يميز المجتمع اليمني عن غيره.

وتقول الأهدل: "إنّه، على الرغم من التنوّع الثقافي والجغرافي وتباين العادات والتقاليد بين كل منطقة وأخرى من مناطق البلاد، فإنّ المعايير الاجتماعية في مسألة الترابط والتكاتف والمساعدة وتقديم العون تظلّ واحدة ومرتبطة بالكيان العام للشخص اليمني، وأنّ الترابط ومدّ يد العون للآخرين هي قِيَم سامية لا يستطيع أفراد المجتمع الاستغناء عنها تحت أيّ ظرفٍ كان".

ويمتلك اليمنيون تاريخًا طويلًا في إظهار الترابط المجتمعي، وقد عبّروا عن ذلك منذ القِدم بنماذج عدّة، أبرزها التشارك الجماعي ببناء المدرجات الزراعية والسدود، وكذلك المشاركة في مشروع التعاونيات، وأخيرًا التكاتف ووقوف بعضهم مع بعض في الأزمات التي أفرزتها الحرب.

الترابط أثناء الأزمة الإنسانية والنزوح

يُمكن بالترابط المجتمعي التخفيف من حِدة الأزمات الإنسانية والمعيشية في فترات الحرب، فقد تسبّبت تلك الحرب التي اندلعت في البلاد عام 2015 في تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للسكان. وقد صَنّفت منظمة الأمم المتحدة اليمن بأنّه يعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، لكن ترابط أفراد المجتمع ووقوف بعضهم إلى جانب بعض أسهم بشكل كبير في التخفيف من حِدة هذه الأزمة؛ إذ ضرب اليمنيون أمثلة كثيرة في التكافل الاجتماعي والتآلف والتآزر فيما بينهم لتخفيف وطأة الأزمة الإنسانية.

وأظهرت دراسة نشرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عبر موقع "ريليف ويب" عام 2022 أنّ التضامن الاجتماعي الاستثنائي التي أظهرته الأسر اليمنية كان عاملًا أساسيًا في منع تدهور أكبر للأوضاع الإنسانية والظروف المعيشية للسكان.

وإضافة إلى الأزمة الإنسانية، أدّت الحرب أيضًا إلى حدوث أزمة نزوح للسكان في مناطق عدّة، وهنا تظهر صور الترابط المجتمعي في هذه الأزمة باستقبال النازحين في المدن والأرياف ومدّ يد العون لهم من قبل سكان المناطق التي نزحوا إليها. يقول الباحث الاجتماعي وضاح فرحان: "إنّ ترابط المجتمع في فترة الحرب أسهم في مجابهة الأزمات والحفاظ على النسيج الاجتماعي في المجتمع، فضلا عن مساهمته في تحقيق المشاركة المجتمعية، وتشكيل لجان مجتمعية، وتأسيس مبادرات عملت على تحسين الوضع المعيشي للمواطنين". وقد عززت صور الترابطِ التماسكَ والمودّة فيما بينهم، كما أسهمت في منع تدهور الأوضاع المعيشية وتعزيز ثقافة التآلف والتراحم بين الناس في معظم مناطق البلاد.

برزت نماذج متعدّدة للترابط المجتمعي في اليمن، تمثّلت بإطلاق مبادرات محلّية، مثل بناء خزانات لمياه الشرب ورصف الطرق، خصوصًا في المناطق الريفية. ومن أبرز هذه النماذج مبادرة رصف طريق "الرجاعية" في محافظة تعز، ففي منتصف عام 2023، بدأ أهالي العُزلة، التي تبعد مسافة 68 كليومترا عن مركز مدينة تعز، بتشكيل مبادرة مجتمعية من أجل رصف وبناء الطريق المؤدّية إلى عزلتهم وربطها بالطرق المجاورة. بعد فترة وجيزة من إعلان المبادرة، نجح الأهالي بجمع أكثر من نصف مليار ريال. خُصّص هذا المبلغ لرصف وبناء الطريق وربط عزلتهم بالمناطق المجاورة.

يقول فارس عبده أحمد شمسان وهو أحد القائمين على المبادرة: "كُنا نعاني من وعورة الطريق وعدم القدرة على الوصول إلى قرى عزلة "الرجاعية" بالسيارات والمركبات، لكنا نجحنا، بالترابط الذي أظهره الأهالي والتفاعل مع المبادرة، في رصف وبناء الطريق وإنهاء هذه الأزمة". يضيف فارس: "بدأنا العمل في أغسطس من عام 2023، وانتهينا منه في أواخر عام 2024. في نهاية الأمر، نجحنا في رصف وبناء 1300 متر، هي جلّ مسافة الطريق الوعرة".

وتُعدّ مبادرة أهالي "الرجاعية" أكبر مبادرة مجتمعية في محافظة تعز؛ إذ جمعت أكثر من نصف مليار ريال من الأهالي أنفسهم. وأضحى أهالي المنطقة الذين يزيد عددهم على تسعة آلاف نسمة، يستفيدون من هذه الطريق ويتنقلون من منطقتهم إلى المناطق المجاورة بسهولة ويُسر.

تؤكّد هذه المبادرات قدرة المجتمع اليمني على إبراز صورة متجذّرة من الترابط والتكاتف في مختلف الظروف، لا سيما في السنوات الأخيرة من مواجهة الأزمة الإنسانية وأزمة النزوح، وصولًا إلى مبادرات محليّة مثل رصف طريق الرجاعية. وقد أسهم هذا الترابط في التخفيف من آثار تلك الأزمات والحدّ من تداعياتها، كما مكّن المجتمعات المحلّية من إيجاد حلول عملية لتحدياتها. وفي المحصلة، يعكس ذلك حقيقة راسخة مفادها أنّ الترابط المجتمعي يشكّل جزءًا أصيلًا من هوية المجتمع اليمني وثقافته.