بين طبقات الريزن وألوانه المتداخلة، تصنع الفنانة التشكيلية روابي الحارثي عالمًا فنيًا يحمل بصمتها الخاصة، من خلال مشروع "Rawabi Bellezza" (أرض الجمال)، لتعيد من خلاله تقديم عناصر التراث اليمني برؤية معاصرة تجمع بين الهوية المحلية والابتكار الفني.
تركت العشرينية روابي دراسة إدارة الأعمال في عامها الجامعي الأول، بعدما شعرت أن الدراسة قد تبعدها عن شغفها بالفن وتستنزف وقتها، فاختارت طريق ريادة الأعمال عبر متجر "أرض الجمال" في صنعاء، الذي استوحت اسمه من الروابي المرتفعة والتلال الخضراء.
ويعد المشروع واحدًا من ثمار الدعم المعنوي والمادي لوالديها، اللذين مثلا حافزًا كبيرًا لموهبتها الفنية وشغفها بالرسم منذ الطفولة، وصولًا إلى افتتاح مشروعها الخاص، كما تقول في حديثها لـ"منصة اليمن".

حفظ الذكريات
افتتحت روابي، في عام 2021، مشروعها الخاص، واستخدمت الريزن في تصاميم تستلهم الورد المجفف، وتوظف القماش اليمني في فواصل الكتب، وإكسسوارات يدخل فيها البن المحلي، وصولًا إلى أعمال فنية تصنعها من رمال شاطئ عدن والأصداف البحرية.
ولا تقتصر أعمال روابي على إنتاج قطع فنية، بل تمتد إلى حفظ ذكريات باقات الورد التي تحمل ذكرى خاصة بالعملاء، كذكرى زفاف مر عليها سنوات طويلة، من خلال معالجة الأضرار وإعادة ترتيبها باستخدام طبقات من الريزن التي تحفظ الورد لمدة طويلة، ومواد حماية شفافة تمنحها لمعانًا داخل صناديق خشبية.
تقول روابي لـ"منصة اليمن": "أجمل ما في عملي أنني لا أحفظ الورد فقط، بل أحفظ ذكرى يظل معها صاحبه يشعر بالمناسبة."
المزج بين الفنون
تستخدم روابي في مشروعها مادة الريزن (الإيبوكسي)، وهي مادة سائلة شفافة تتحول، بعد خلط مكوناتها، إلى مادة صلبة تشبه الزجاج، ما يمنح الأعمال الفنية مظهرًا ومتانة أقوى، ويتطلب دقة عالية وصبرًا في التنفيذ.
وإلى جانب الريزن، أتقنت روابي، بعد ثلاث سنوات من الدراسة، فن الريليف، وهو فن بارز يجمع بين الرسم والنحت، حيث تُشكَّل العناصر على سطح اللوحة بطريقة بارزة تبقى متصلة بالخلفية باستخدام مواد مثل الصلصال أو الجبس.
وبحسب الحارثي، تستخدم في الرسم ألوان الأكريليك، وهي ألوان صناعية سريعة الجفاف يمكن توظيفها في الرسم فوق لوحات الريليف.
وتشير إلى أن أول لوحة نفذتها على الرخام كانت الأصعب في تجاربها الفنية، وجسدت مشهدًا لراعية بالزي الصبري الشعبي في تعز.

تحديات وطموح
مع اتساع نطاق عملها، تواجه روابي تحديات تتعلق بتوفر المواد الخام بجودة عالية، وارتفاع تكاليف الشحن، إلى جانب الموازنة بين الجانب الفني وإدارة المشروع، لكن التحدي الأكبر يتمثل في صناعة بصمة تميزها في الوسط الفني، وبطريقة تلقي الجمهور لهذه القطع، خاصة أن بعضهم لا يدرك قيمة العمل اليدوي والجهد المبذول فيه، على حد قولها.
وتنتج روابي في متجرها نحو أربع قطع فنية من "الأنتيكات" كل ثلاثة أشهر، إلا أن طموحها لا يتوقف عند المتجر المحلي، وتخطط لتحويله إلى علامة تجارية معروفة بجودة أعمالها ولمستها الفنية الخاصة.
وتسعى لتوسيع خطوط الإنتاج لتشمل قطعًا فنية أكبر، بهدف المشاركة في المحافل الدولية، وإبراز اسم "أرض الجمال" كعلامة فنية تمثل الفن اليمني المعاصر على المستوى الدولي، من خلال أعمال تدمج بين الجمال والروح والهوية.
وخلال السنوات الماضية، شاركت روابي في معارض محلية، أبرزها معرض "بدايات"، الذي ترى أنه شكل نقطة تحول في مسيرتها، وأتاح لها فرصة الظهور الأول أمام الجمهور، علاوة على المشاركة في ثلاثة معارض دولية إلكترونية، اثنان منها في تركيا، وآخر في عُمان.

تجربة جريئة
ترى الفنانة التشكيلية أمل فضل، إحدى المعجبات بأعمال روابي، أن أبرز ما يميز تجربة الحارثي جرأتها في التجريب وتوظيف خامات متنوعة، وقدرتها على دمج الريزن مع الأخشاب والأحجار، لإنتاج أعمال ذات ملمس يحاكي الطبيعة، وتقديم قطع ديكور فنية متنوعة ومتقنة تحاكي أعمال فنانين متخصصين.
وتؤكد فضل أن الفن لدى الشباب اليمني تجاوز الجانب الجمالي، ليصبح وسيلة لتوثيق الواقع والتعبير عن معاناة المجتمع، ونشر رسائل السلام والأمل، وتحويل الألم إلى لوحات تشكيلية بصرية تفرض حضورها.
وترى أن نجاح الفنان صعب بسبب الظروف التي تمر بها اليمن، ولا يستطيع أن ينجو منها إلا من يملك مرونة في التفكير، وقدرة على مزج المهارة الفنية مع التقنيات الحديثة والتسويق الإلكتروني لكل ما ينتجه من أعمال.

لوحات الضوء
تستلهم الحارثي أعمالها من لوحات لفنانين كبار، مثل فان جوخ وغوستاف كليمت، إلى جانب مشاهد من الريف اليمني والزي الشعبي.
ووجدت في الرسم مساحة شخصية للهدوء والتفريغ النفسي، تجد فيها ذاتها، وليس مجرد إنتاج بصري أو أعمال تُعرض وتُرسم على القماش.
تقول روابي: "أرغب في أن أصنع لوحات تمنح الناس شعورًا بالهدوء، كما لو أنهم يشاهدون الضوء الطبيعي عبر الرسومات."

