مع إعلان افتتاح موسم اصطياد الجمبري في 15 أغسطس الماضي، بدأ الصياد الثلاثيني مختار إبراهيم رحلاته البحرية اليومية التي تنطلق بعد صلاة الفجر من منطقة الصليف بمحافظة الحديدة غربي اليمن إلى مناطق محددة داخل البحر، يضع فيها شباكه على أمل أن يعود بصيد وفير يساعده في تحسين حياة أسرته.
يقول مختار: "موسم اصطياد الجمبري في منطقة الصليف يمتد على فترات متقطعة لنحو ثمانية أشهر خلال العام، ينتج خلالها الصياد ما يقارب 50 كيلوجرام يوميا، ويصل سعر الكيلو إلى 2500 ريال من العملة القديمة، مما ينعش آمال الصيادين ومعيشتهم ".
وعلى الرغم من أنه والكثير من الصيادين ما يزالون يستخدمون طرقًا تقليدية توارثوها عن آبائهم وأجدادهم، من بينها المغاور "الشباك الصغيرة المخصصة لصيد الجمبري"، تجعل إنتاجهم محدودًا، إلا أن هذا لا يمنعهم من استقبال الموسم بهمة ونشاط، واعتباره فرصة لتحسين الدخل وتحريك الحياة الاقتصادية في المنطقة عمومًا، لا سيما أن الجمبري يباع بسعر جيد، وقيمته الشرائية أعلى من كثير من أنواع المصيد الأخرى.

قواعد صارمة للاصطياد
يطل اليمن على شريط ساحلي طويل يصل إلى 2250 كيلومترًا، مما يجعله يمتلك منافذ بحرية واسعة ووفيرة لاصطياد الأسماك والروبيان وبقية الأحياء البحرية، إلا أن موسم الجمبري يعد حدثًا استثنائيًا للصيادين الذين يعولون عليه في جني الكثير من المال.
ولا تعود الفائدة من اصطياد الجمبري "الروبيان" على الصياد وحده، وإنما يمتد أثره إلى التجار والباعة وعمال مرافق فرز وحفظ وتبريد وتخزين ونقل وتسويق، في سلسلة طويلة تبدأ من البحر ولا تنتهي في السوق.
ولأهمية الموسم، يجتهد الصيادون في تنفيذ قرارات وزارة الزراعة التي تحدد مواسم الاصطياد، وتضع العديد من الاشتراطات والقواعد، كتحديد ساعات الاصطياد التي تبدأ من الخامسة صباحًا إلى الخامسة مساءً، وتحرم الاصطياد ليلًا أو في المناطق الضحلة والأخوار، بالإضافة إلى وضع مواصفات لشباك الصيد بفتحات يبلغ حجم عينها 3.8 سنتيمتر.
وبحسب الخبراء، تهدف القواعد الصارمة في حظر الصيد الليلي أو في المياه الوحلة إلى حماية الصغار من الجرف، حيث ينتشرون بشكل كبير في الأماكن القريبة ليلًا، علاوة على أن المناطق الوحلة تعد الحاضنات الطبيعية للبيوض وصغار الروبيان.

ذهب وردي
لا توجد إحصائيات رسمية تحدد حجم الإنتاج السنوي من الروبيان في اليمن، إلا أن بعض التقارير الحكومية تشير إلى أنه في العام 2005 بلغ حجم الإنتاج حوالي 1.257 طنًا من المصائد الطبيعية، بينما يتراوح حجم الإنتاج من مزرعة "المسلم"، التي تقع شمال الحديدة وتعد المزرعة الوحيدة المخصصة للجمبري، ما يقارب 350 طنًا سنويًا، بحسب منظمة الفاو.
وعلى امتداد البحار اليمنية، تختلف كميات الإنتاج وتتنوع أصناف الجمبري لكنها تتركز بشكل رئيسي في الجمبري الهندي الأبيض، والنمر الأخضر، وجمبري الصليف الأحمر، والنمر العملاق، والتي تتفاوت قيمتها وأهميتها بحسب تفضيلات الناس.
يصف الأستاذ المشارك بكلية علوم البحار والبيئة، قسم الأحياء البحرية والمصائد بجامعة الحديدة، يحيى فلوس، الجمبري بأنه أشبه بالذهب الوردي لسواحل تهامة، بالنظر إلى حالة الانتعاش التي يبثها في الأسواق والقيمة الاقتصادية التي يخلقها للمنطقة.
ويقول فلوس لـ"منصة اليمن": "أهمية الجمبري تتجاوز كونه مصدرًا للغذاء، ليمثل موردًا للدخل والأمن الغذائي للمجتمعات الساحلية، ويساهم في رفد الاقتصاد الوطني من خلال عمليات التصدير".
ويتفق معه الباحث في الأحياء البحرية هزاع كداف، الذي يؤكد أن الجمبري من أهم الكائنات البحرية للصيادين، بسبب قيمته الشرائية والإقبال عليه في الأسواق المحلية والخارجية، ويحظى بطلب متزايد من المستهلكين.

تغيرات تهدد حجم الإنتاج
يمثل الجمبري إحدى حلقات السلسلة الغذائية للكائنات البحرية، إذ يتغذى على بعض الأحياء، وفي الوقت نفسه يشكل غذاءً لكائنات أخرى، ما يجعله جزءًا من التوازن الطبيعي داخل البحر.
وعلى الرغم من الأهمية البيئية والاقتصادية والمجتمعية والوطنية للروبيان، إلا أن هذا القطاع يواجه العديد من التحديات المترتبة عن الحرب التي تشهدها البلاد منذ العام 2014، وظروف الصيادين الذين يفتقدون إلى المعدات الحديثة، أو المخالفات التي يقوم بها بعضهم، وتتسبب في تدني مستوى الإنتاج.
ويربط الصياد يونس علي، من مديرية الخوخة، التغيرات في حجم الإنتاج خلال السنوات الأخيرة بالاصطياد العشوائي لصغار الجمبري، واستخدام بعض الصيادين الشباك الجارفة غير المصرح بها، والتي تصطاد الأحجام الكبيرة والصغيرة معًا، بما يهدد عملية التكاثر وتجدد المخزون.
يؤكد الباحث فلوس أن مراحل من دورة حياة الجمبري ترتبط بالموائل الساحلية الضحلة، ومنها أشجار المانجروف والأعشاب البحرية، ولذلك فإن حماية هذه البيئات تعني حماية جزء من دورة حياة الجمبري نفسه.
وينبه إلى أن الصيد الجائر والعشوائي الذي يستهدف الإناث الحاملة للبيض أو الأحجام الصغيرة لا يؤدي فقط إلى خفض كمية المصيد، وإنما يغير تركيب الأحجام والأعمار داخل المخزون، ويضعف قدرته على تجديد نفسه.
ويرى فلوس أن حماية المخزون تحتاج إلى تنظيم مواسم الحظر وفق بيانات التكاثر والهجرة المحلية، وتحديد مناطق الحضانة والتكاثر وحمايتها، والحد من المصيد العرضي والمرتجع، إلى جانب جمع البيانات بصورة منتظمة، واعتماد مؤشرات علمية مثل كمية الصيد لكل وحدة جهد.
ويرجع الباحث كداف في حديثه لـ"منصة اليمن" أسباب تدهور مخزون الجمبري والثروة السمكية إلى التغيرات المناخية والأنشطة البشرية التي يعتبرها الأكثر خطورة، ومن بينها التلوث النفطي، ومخلفات الصرف الصحي، والصيد الجائر، وزيادة أعداد القوارب التي تستهدف الجمبري، ومخالفة قواعد الصيد.

موروث بحري
ترتبط حماية الجمبري بحماية قدرة الصيادين على الاستمرار في العمل، باعتباره مصدر دخل مهمًا يساعد الأسر على توفير احتياجاتها الأساسية، إلا أن الحماية يجب أن تشمل الصيادين الذين يعانون من ارتفاع أسعار الشباك ومعدات الصيد وتدهور أوضاعهم المعيشية، إلى جانب توقف مساعدات إنسانية كانت توفر بعض المعدات ووسائل كسب العيش، كما يقول يونس لـ"منصة اليمن".
ولا تقتصر أهمية حماية مهنة صيد الجمبري على الحفاظ على مورد اقتصادي مهم فحسب، وإنما على موروث بحري وتراث إنساني للمناطق التهامية، وخبرات متراكمة تنتقل من جيل إلى آخر في التعامل مع مواسم الصيد وأدواته والأماكن المخصصة له.

