بسبب دماثة أخلاقه وسمعته الطيبة، كان هادي عباد مؤتمنًا عند الهنود الهندوس المقيمين في عدن في خمسينيات القرن الماضي على أموالهم وتجارتهم وشؤونهم، حتى إنهم أجمعوا على أن يكون هادي المسلم حارسًا لمعبدهم الشهير المسمى بـ"شري تريكامراجي هافيلي"، الذي بُني بمنطقة كريتر بمعمار هندسي بديع على الطراز الهندي.
ظل هادي أمينًا على المعبد الهندوسي، الذي يحوي تحفًا وتماثيل ثمينة، لسنوات طويلة، حتى في الفترة التي أعقبت مغادرة الهندوس للمدينة، إلا أنه بعد وفاته تعرض للسرقة، ومع اشتداد الحرب في عام 2015، تم نهب جزء من المعبد وتدمير بعض أركانه، وأصبح مهددًا بالسقوط.
ومثله، ما تزال عدد من المعابد الهندوسية قائمة في عدن، لكنها مغلقة، شأنها شأن الكنائس المسيحية التي أغلقت أبوابها أمام زوارها، مثل كنيسة القديسة ماريا وكنائس أخرى.

وليست دور العبادة اليهودية والمسيحية وحدها من تعرضت للإهمال، فالمعالم الإسلامية الأثرية، كالمساجد والمقامات، مهددة بالاندثار والتلاشي أو الانهيار جراء إهمال صيانتها والعناية بها، كجامع العيدروس، أحد أشهر المزارات الدينية التي شُيدت قبل خمسمائة عام في المدينة العتيقة التي عُرفت بثغر اليمن الباسم.
تنوع ديني
التعايش الذي عاشته مدينة عدن منذ القدم استقطب الناس من داخل اليمن وخارجه، وخلق بيئة من الحرية الدينية والتسامح واحترام المعتقدات، فشُيدت العديد من دور العبادة للديانات السماوية المختلفة، والتي توفر في الوقت الراهن منطلقًا أساسيًا لبناء وتطوير السياحة الدينية والثقافية.
ومنذ فترة ما بعد الاحتلال الإنجليزي للمدينة عام 1839 وحتى الوقت الراهن، ما تزال بعض دور العبادة والمعالم الأثرية شاهدة على التعايش السلمي بين قاطني المدينة من مسلمين ومسيحيين ويهود وبوذيين، يمنيين وغير يمنيين، وكيف كانوا يؤدون صلواتهم وطقوسهم الدينية دون مضايقة أو شعور بالخوف.
ومن بين دور العبادة معبد شري رامتشاندِرجي، الذي بُني عام 1875م من قبل الجيش الهندي، ويقع بالقرب من أكاديمية كلية الشرطة التي تسمى "مخيم فتاح" بمديرية التواهي، علاوة على الكثير من المعابد التي ما تزال مبانيها قائمة، إلا أن أبوابها مغلقة، ولم تعد تقام فيها أي طقوس للتعبد، مثل معبد شري تريكامراجي هافيلي، ومعبد شري جاين سفيتمبار، ومعبد شري شانكر.
وبحسب البيانات السياحية، توجد بعض الكنائس التي سلمت من التدمير الكلي خلال فترة الحرب، وأصبحت شبه جاهزة بعد أن أُجريت لها عمليات ترميم، مثل كنيسة رأس مربط بمنطقة التواهي، وكنيسة البادريو، وكنيسة المسيح الكاثوليكية في البنجسار، وكنيسة حافون بمنطقة المعلا، وكنيسة سانت جوسيف في شارع الملكة أروى، والكنيسة البروتستانتية في منطقة صلاح الدين بمديرية البريقة.

وتحوي محافظة عدن معالم ومزارات إسلامية لا تقل أهمية عن نظيراتها في العالم الإسلامي، فبجانب مسجد العيدروس،
يوجد في عدن مسجد أبان، الذي يُنسب إلى أبان بن عثمان بن عفان، ثالث الخلفاء الراشدين، والذي شيده عام 105 هجرية، إلى جانب العديد من المقامات والأضرحة الصوفية، كقبر الولي أحمد بن أحمد الزيلعي، وقبر الشريف، وقبر الشيخ سيد يونس، بالإضافة إلى مزارات معجز وسمارة، ومزار الشيخ أحمد بن علي العراقي الواقع بمنطقة التواهي أمام رصيف الميناء.
حرب وتطرف
يرى أستاذ الآثار بجامعة عدن، الدكتور محمد باعليان، بأن عدن كانت منذ القدم مدينة عالمية متعددة الثقافات، ولكن لم تُستغل كموقع سياحي كبير في السياحة المائية أو الثقافية.
ويقول باعليان لـ"يمن بلاتفورم": "منذ عقود لم تُنظم أنشطة سياحية في عدن، لأسباب تعود إلى الإهمال المتعمد من قبل القائمين على السياحة في الجانب الحكومي، والقطاع الخاص".
وما قاله باعليان يؤيده الخبير السياحي الدكتور سمير العبدلي، حيث يؤكد في حديثه مع "يمن بلاتفورم" بأن الوضع القبلي، والتطرف الديني، وعدم وجود رؤية حقيقية للتنمية السياحية، وعدم اعتبار السياحة مصدرًا من مصادر الدخل القومي، مما أثر سلبًا على هذا القطاع، وأدى إلى تأخر تطوره وازدهاره.
ومنذ اندلاع الحرب، تعرضت معالم عدن ومدن يمنية لمحاولات تجريف وطمس للهوية، وكان لدور العبادة النصيب الأكبر من تلك المحاولات.
وبحسب الدكتورة هيفاء مكاوي، الأمين العام لمركز أوسان للحفاظ على الموروث الثقافي فإن جميع مساجد مدينة عدن تم تغييرها أو تحديثها من قبل متنفذين يزعمون حماية المساجد.
وتضيف مكاوي: "بعض الكنائس والمعابد والمساجد ومقامات وأضرحة الأولياء الصوفية في عدن تعرضت للتدمير والتفجير، تورطت فيه كافة أطراف النزاع، من بينها تيارات متشددة مثل تنظيم القاعدة، الأمر الذي خلق مخاوف وتوجسات كثيرة لدى من ينوون زيارة تلك المزارات الدينية، إما بغرض التعبد أو السياحة."
وتشير تقارير رسمية وإعلامية إلى أن الخسائر التي عانى منها القطاع السياحي، بما فيها السياحة الدينية والثقافية في اليمن بشكل عام، تجاوزت 8 مليارات دولار منذ عام 2015، بما في ذلك تدمير البنية التحتية، وتسريح 95% من العاملين الإداريين والميدانيين في مختلف المجالات السياحية.

تفاؤل مشروط
تعمل الحكومة اليمنية في المرحلة الحالية على تنشيط وإنعاش السياحة بمختلف قطاعاتها، بما فيها الدينية، ومن المتوقع أن تشهد نموًا وتحسنًا خلال الفترة المقبلة، وفقًا لمدير الترويج والتسويق بمجلس الترويج السياحي، معين الصايدي.
وخلال حديثه لـ"يمن بلاتفورم"، يبدو الصايدي متفائلًا بمستقبل السياحة الدينية، إلا أن الدكتور باعليان يرى أن الوضع الراهن ما يزال فيه الكثير من التعقيدات، ولا توجد بوادر لإقامة أنشطة سياحية في البلاد بشكل رسمي بسبب استمرار الصراعات العسكرية وتدهور الوضع الأمني.
ويرى الدكتور خالد عمر، عضو مجلس إدارة الاتحاد العربي للإعلام السياحي، أن السياحة الدينية في اليمن ستزدهر، وستستقطب أعدادًا كبيرة من السياح والزوار من مختلف بلدان العالم، أن توفرت الظروف المناسبة المرتبطة بالجانب الأمني، كمنع ظاهرة اختطاف السياح، أو الجانب الاجتماعي المتمثل بتقبل الآخر وتحقيق مبادئ التعايش السلمي المشترك بين المواطنين.
ويؤكد عمر لـ"يمن بلاتفورم" أن ازدهار السياحة يتطلب الاستقرار الاقتصادي للمواطن، وتوفر البنية التحتية، والارتقاء بمستوى خدمات الفنادق والمطاعم والاستراحات والنقل، والاهتمام بالتفاصيل التي تدفع السياح لزيارة عدن وبقية المناطق اليمنية.


