تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

مبادرة شبابية تعير المعدات الطبية مجانًا للمرضى والمقعدين

قبل سنوات، لفت انتباهي إعلان متداول عبر تطبيق واتساب. كان الإعلان رسالة بسيطة تحمل مضمونًا إنسانيًا كبيرًا، جاء فيها أنّ مجموعة شبابية تطوعية أطلقت مبادرة اجتماعية تقوم على إعارة الأجهزة والمعدات الطبية مجانًا للمرضى وكبار السن والمقعدين في المنازل. حينها تواصلت مع أحد المعارف، وكان والده رجلًا كبيرًا في السن أقعده المرض، ويحتاج إلى سرير طبي يخفف عنه مشقة النوم والحركة. لم تمضِ ساعات حتى تم توفير السرير له، واستفادت الأسرة منه فترة طويلة، حتى انتقل الوالد إلى رحمة ربه، فأُعيد السرير كما أُخذ، بعد تنظيفه وتجهيزه، لينتقل إلى بيتٍ آخر يحتاجه، ومن يومها أدركت أن بعض المبادرات لا تُقاس بحجمها، بل بأثرها.

وعلى رأس هذا الحراك الإنساني، يبرز اسم محمد كرامة مسيعد، فهو رئيس مجموعة شباب الحاوي التطوعية القائمة على هذه المبادرة، الذي يرى في هذا المشروع واجبًا أخلاقيًا تفرضه روح الأخوة. يوضح محمد أنّ "المستودع" بات يضم اليوم عددًا من المعدات التي يحتاجها المرضى والمقعدون في بيوتهم؛ من أسرة طبية وفرش هوائية، وعربات متحركة، وعكازات بأنواعها المختلفة، وصولًا إلى الأجهزة التخصصية مثل أجهزة التنفس وشفط البلغم.

وما يبعث على الفخر في تريم هو رد فعل المجتمع؛ فبمجرد أن انتشر صدى المبادرة، تسابق ميسورو الحال وأهل الإحسان لشراء معدات طبية مهمة وتقديمها للمستودع، إيمانًا منهم بأن خدمة الناس في ظل هذه الظروف الصعبة هي أسمى مراتب العطاء.

ورغم النجاح الكبير والأثر الملموس، إلّا أنّ محمد لا يخفي التحديات التي تواجه المبادرة، فمع تدهور الأوضاع الصحية وزيادة أعداد المرضى، أصبح الإقبال على استعارة الأدوات يفوق الكميات المتوفرة في كثير من الأحيان. ويؤكد أنّ السعي لا يتوقف للوصول إلى كل يدٍ ممدودة بالخير لتعزيز هذا المستودع، خاصة وأن تكلفة شراء سرير طبي باهظة، وهو ما يجعل المبادرة صمام أمان حقيقيًا يحمي كرامة المحتاجين. وتبرز شهادات المستفيدين لتؤكد هذا المعنى؛ حيث يروي أحدهم كيف استعار سريرًا لمريض من أسرته لمدة عام كامل، وحين استغنى عنه أعاده نظيفًا وجاهزًا للاستخدام، مشيدًا بهذه اللفتة التي أنقذته من همٍّ مادي كان سيعجز عن تدبيره.

في حضرموت، كما في كثير من المجتمعات الأصيلة، ما زالت قيم "الفزعة" ونجدة المحتاج حاضرة في النفوس. والناس هنا، كما يقول أهل البلد، "ما يقصّروا إذا دعيتهم للخير". وهذه المبادرة صورة حديثة لتلك القيم القديمة، لكنها جاءت بلغة العصر وتنظيمه، عبر مستودع وسجلات ومتابعة وتنسيق، ما جعلها أكثر أثرًا واستدامة.

تسهم مثل هذه المشاريع في تخفيف الضغط عن الأسر الفقيرة، وتمنح المرضى فرصة أفضل للعلاج والرعاية المنزلية. فكثير من الحالات لا تحتاج إلى بقاء طويل في المستشفى بقدر حاجتها إلى أدوات مساعدة داخل البيت. وعندما تتوفر هذه الأدوات، تتحسن جودة حياة المريض، وتخف معاناة ذويه، وتقل التكاليف الباهظة عليهم.

ولعل الرسالة الأهم التي تحملها هذه التجربة، أن الخير لا يحتاج إلى ثراء كبير، بل إلى فكرة صادقة ومن ينهض بها. قد يبدأ المشروع بسرير واحد، ثم يصبح مستودعًا كاملًا، وقد يبدأ بمجموعة شباب في حارة، ثم يتحول إلى نموذج يُحتذى في مناطق أخرى.

ما أحوجنا اليوم إلى تكرار مثل هذه النماذج، ودعمها، والحديث عنها، حتى تنتقل العدوى الجميلة من حي إلى حي ومن مدينة إلى أخرى. فالمرض لا يختار بيتًا دون بيت، والحاجة قد تطرق أي باب، ومن يزرع المعروف اليوم قد يجده غدًا أمامه حين تضيق السبل.

ما يميز هذه المبادرة في تريم ليس فقط توفير القطعة الطبية، بل في قدرتها على تعميق التماسك الاجتماعي وإحياء مفهوم الجسد الواحد، فعندما يشعر المريض المقعد بأن هناك من يسنده دون مقابل، تذوب مشاعر العجز وتتحلحل الأزمات النفسية قبل الجسدية.

إنها دعوة صريحة لإعادة الاعتبار لقيم التعاون الفطري التي نشأ عليها الأجداد في حضرموت، حيث كان الجار يسند جاره في الشدائد. واليوم، يأتي شباب الحاوي ليعيدوا صياغة هذا الإرث بأسلوب مؤسسي بسيط وشفاف، يثبت للعالم أنّ "تريم الغناء" تظل منارةً ليس فقط في العلم، بل في الرحمة والإنسانية التي تشرق من أزقتها لتقول لكل متألم: لست وحدك.