تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

الثلاثي الكوكباني.. حكاية فنية بدأت من المقاهي والأسواق

من ترديد الأغاني في الشوارع والمقاهي في صنعاء والحديدة وتعز، بحثاً عن لقمة العيش وعلى ألحان أغنية "مسكين يا ناس من قالوا حبيبه عروس" و"أهلاً بمن داس العدو وأقبل"، بدأت رحلة فنية حافلة، ذاع صيت أبطالها في كل ربوع اليمن ومحيطه العربي، ووجدت أصواتهم طريقها إلى قلوب اليمنيين.

هكذا بدأت قصة أشهر الفرق الغنائية في اليمن، التي أُطلق عليها اسم الثلاثي الكوكباني، للأخوة الثلاثة، الأخ الأكبر محمد، عازف الدف، وعبد الوهاب، عازف العود ورئيس الفرقة، والأصغر سعد، ضابط الإيقاع وعازف البونكس (الطبلة).

بزوغ الموهبة

برزت الفرقة، التي ينتمي أعضاؤها إلى محافظة عمران شمالي اليمن، على الساحة الفنية اليمنية بعد عامين من قيام الجمهورية العربية اليمنية عام 1962م، كامتداد لوالدهم، الذي كان مداحا يعزف بالطار قصائد دينية، فتوارثوا الموهبة وصقلوها بفنهم الخاص من خلال تأدية أغاني التراث للقعطبي، والشيخ أبو بكر، والعنتري، مع إضافة بعض اللمسات التطويرية للحن والأداء، مما أكسبهم طابعا خاصا.

واشتهرت الفرقة بالأغاني الوطنية، التي وصل عددها إلى 200 أغنية، وكان لها دور في تحفيز المقاتلين للدفاع عن الجمهورية في حصار السبعين، ومن أبرزها أغنية الرئيس السلال "يا سلال يا سيف الله يا محطم أعداء الله" أبرز  التي كان لها دوراً كبيراً في رفع شعبيتهم، كما يؤكد الأخ الأصغر محمد في لقاءات مع وسائل الإعلام.

وبحسب محمد، ففي العام 1968 تم توظيفهم في إذاعة صنعاء، التي أُطلق عليهم فيها اسم الثلاثي الكوكباني، براتب 16 ريالًا شهريًا، لكن إدارة الإذاعة كانت توقف رواتبهم مرارًا إذا لم ينتجوا أغاني جديدة.

أسلوب فريد

صارت أغاني الفرقة محط إعجاب الجماهير، خاصة في الحفلات التي كان ينظمها فنانون أمثال علي بن علي الآنسي، لكن جمهورهم أصبح جمهورهم متعطشًا لسماع أغانيهم الخاصة، فتعاونوا مع العديد من الشعراء، ومنهم محمد الشبيبي، ولحنوا أغنية "قلبي جريح، أشتي أطير مع الريح"، فكانت باكورة أعمالهم الخاصة التي اشتهروا بها في ذلك الوقت.

وتعاون الثلاثي الكوكباني مع الفنانين الكبار المعاصرين لهم، أمثال محمد مرشد ناجي، والسنيدار، ومحمد محمود الحارثي، ونجاح أحمد، مما أتاح لهم فرصة الانتشار والاستفادة من شهرتهم وخبراتهم الفنية.

وعلى المستوى الخارجي، شاركت الفرقة في مهرجانات وحفلات في العديد من البلدان، كالسعودية، وأمريكا، وبيروت، وسوريا، وروسيا، إلا أن الإمارات كانت محطة الشهرة الأكثر.

الفترة الذهبية

مثلت فترة السبعينيات والثمانينيات الفترة الذهبية للثلاثي الكوكباني، وبلغت حصيلتهم الفنية 1300 أغنية، نجحوا من خلالها في الوصول إلى الجمهور، الذي أحب طابعها الفريد، الذي لم يكن مألوفًا، وأثارت اهتمامه وإعجابه.

وتميزت أغاني الثلاثي بأسلوبها الشعبي المتطور، وتناولها قضايا شعبية تعكس مدى ارتباطهم بتقاليد وقضايا المجتمع اليمني، فغنوا للأرض والزراعة والوطن والجيش والمرأة، واستخدموا أسلوبًا قصصيًا وكلمات بسيطة تصل إلى الإنسان البسيط وتطبع في ذاكرته، مثل أغنية "طير السعد والهنا"، التي كُتبت على شكل حوار بين والد العروس والخاطب،

وخلال مسيرتهم الفنية الحافلة، أنتج الثلاثي الكوكباني الكثير من الأغاني التي لامست قلوب اليمنيين وتفاصيل حياتهم، وبقيت خالدة في وجدانهم، ولعل من أبرزها أغاني "صنعاء اليمن ثانية، ويا راعيات الغنم فوق الجبال، والهجر يومين، وأنا يا بوي أنا".

تراجع وخفوت

فرقة "الثلاثي الكوكباني" الفنية هي واحدة من أبرز الفرق الغنائية اليمنية، التي حملت معها ثراءً فنيًا وتاريخًا عريقًا، لكن مع بداية التسعينيات بدأ حضورهم بالخفوت تدريجيًا بسبب ظروف مادية وصحية صعبة، إلى جانب التهميش والإهمال اللذين عانوا منهما.

واقتصر نشاطهم على المناسبات والأعراس، وبخسارة ثلث الثلاثي، الأخ الأكبر، توقفت الفرقة عن الغناء، فلم يعد هناك مكان للفرقة بفقدان أحدهم، وبرحيل الأخ الأخير سعد في العام 2019 طويت صفحة الفرقة إلا أنه على الرغم من رحيلهم، لا تزال أعمالهم حية تتداول في جلسات المقيل، ويتذكرها الناس، لتشهد على مرحلة ذهبية من تاريخ الأغنية اليمنية.