تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

الرحالة اليمنيون..  سفراء سلام يتحدون قيود الحرب

سيرًا على الأقدام، بدأ الرحالة اليمني أحمد عبده القاسمي مغامراته في تسعينيات القرن الماضي رحلته الأولى التي امتدت لـ95 يومًا من صنعاء إلى مسقط عاصمة سلطنة عُمان، ليخوض تجارب مثلت له هواية وهاجسًا طالما راوده.

يروي الرجل الستيني، المنتمي لمحافظة إب وسط اليمن، لـ"منصة اليمن" رحلات مكوكية مشوقة شرع فيها بعد وصوله إلى عُمان، وظل خلالها على ظهر الجمل ثلاثين عامًا، قطع فيها مسافة تزيد على أربعين ألف كيلومتر، يطوف البلدان ويتعرف على مجتمعات وحضارات مختلفة.

سندباد اليمن

تجاوزت رحلة القاسمي أكثر من 52 دولة، واجه خلالها تحديات اللغة والعزلة والاختلاف، لكنه اكتسب فيها خبرات ومعارف كثيرة عن شعوب العالم وطرق حياتها وعاداتهم وتقاليدهم، كما يقول لـ"منصة اليمن".

رحلاته الطويلة والمتعددة في البلدان، وصعوده كأول يمني على ظهر الجمل إلى قمة "جبل كليمنجارو"، وهي أعلى قمة في أفريقيا، جعلته يحظى باسم "أبو الرحالة اليمنيين"، وأطلق الناس عليه لقب "سندباد اليمن".

وخلال جولاته حرص القاسمي على ارتداء الزي والمقتنيات التراثية اليمنية، ليكون سفيرًا وممثلًا لليمن في البلدان التي يسافر إليها، حيث يرى أن الرحالة رسالة وفلسفة وغاية وتضحية لا يعرفها إلا من هو جدير بها، وفي كل مكان تستقبل المسافر الأرض قبل الإنسان.

وعلى الرغم من تزايد عوائق الحرب، يستمر القاسمي في رحلاته، مواصلًا مسيرته نحو باقي بلدان قارة آسيا التي لم يزرها، مستخدمًا علاقاته الشخصية مع داعمين يمنيين وعرب لمواصلة شغفه.

مخاطر تحف الطريق

الرحالة اليمني الثلاثيني منير الدهمي، رفيق القاسمي في رحلاته، واحد من الذين ما يزالون يستخدمون الجمل في تنقلاتهم بين المناطق اليمنية وبلدان العالم، حيث بدأ رحلته من صنعاء إلى حضرموت ودول الخليج حتى وصل إلى قارة أفريقيا.

يقول الدهمي لـ"منصة اليمن" إنه واجه خلال رحلاته العديد من الصعوبات والتحديات القاسية، كان أبرزها الهجمات المتكررة للضباع على الجمال، وتعرضه لمحاولة اختطاف من بعض القبائل النائية في عمق القارة الأفريقية، إضافة إلى تفطر أقدامه وإصابته بتقلصات عضلية نتيجة المسير الطويل، ومشاكل هروب الجمال.

ويشير الدهمي إلى أن رحلاته تثير مخاوف عائلته وتجعلها تعيش حالة من القلق خلال تنقلاته، لكن تواصله معها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومرافقته للرحالة القاسمي صاحب الخبرات الكبيرة، هونت عليهم الأمر.

يفخر الدهمي بإنجازاته التي خاضها وكانت محل تقدير، حيث تم تكريمه في مهرجان الرحالة العالمي في دبي، وسباق الهجن في قطر 2025.

مغامرات شبابية متعثرة

مع التطور التكنولوجي، لم يعد الكثير من الرحالة يطوفون البلدان على ظهر الجمال، واستخدم الرحالة المعاصرون الدراجات الهوائية والنارية، كـ"علي ثوابة، وحمادة العريقي، وصالح المرهبي"، فيما ما يزال البعض الآخر من الرحالة اليمنيين يصرون على السفر على الأقدام، قاطعين مسافات شاسعة للوصول إلى مبتغاهم، كـ"سعيد سروري ومبخوت الماوري".

مغامرة الرحالة في اليمن، التي تعاني من تبعات الحرب والظروف الاقتصادية الصعبة، ليست بالأمر السهل، وكثير من الرحالة الشباب تعثرت مشاريعهم وتوقفوا في منتصف الطريق.

ففي الخامس والعشرين من مايو/أيار 2004، وصل الرحالة اليمني حسين محمد الشرادي إلى إسلام آباد قادمًا من طهران على متن دراجته الهوائية، في رحلته التي دشنها تحت شعار "نعم للسلام"، وكان من المقرر أن يزور روسيا ودولًا أوروبية، لكن برنامجه تعثر لأسباب مالية، كما يقول قريبه علي لـ"منصة اليمن".

وعلى الرغم من المعوقات يصر بعض الشباب على عدم الاستسلام لظروف الحرب، والاستمرار بمغامراتهم  كالرحالة علي عبدالله ثوابة (40 عامًا)، الذي انطلق برحلته على متن دراجته النارية من قريته النائية بمحافظة الجوف إلى دول الخليج وشرق آسيا وأجزاء من أوروبا، بهدف نقل معاناة اليمنيين جراء الحرب وتعزيز جهود تحقيق السلام.

المغامرة ذاتها خاضها الرحالة رؤوف علي قطيبي، البالغ من العمر (38 عامًا)، الذي أوقف التدريس في الجامعة ليتفرغ للرحلات، وقرر أن ينطلق على دراجته النارية من مدينة المخا الساحلية، مرورًا بالأراضي السعودية، ومن ثم إلى الأردن التي وصل إليها في التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني، للمشاركة في "رالي العرب".

يقول قطيبي: «أعزم على تحقيق شغفي في الترحال إلى مختلف البلدان، وتمثيل اليمن بالأخلاق الحسنة، وتعريف الشعوب في البلدان التي سأزورها بما تحويه اليمن من إرث ثقافي عريق، وتعريف اليمنيين بطبيعة وثقافات شعوب البلدان التي أزورها».

تحديث وسائل التدوين

نشأ أدب الرحلات في البلاد العربية السعيدة منذ القدم، من خلال وصف الرحالة اليمنيين بكتاباتهم البديعة، شعرًا ونثرًا، لرحلاتهم، والتي تعد إلى اليوم مراجع علمية للباحثين في العالم، إسوة بكتب ابن بطوطة والإدريسي وآخرين كان لهم مساهمات في تأسيس أدب الرحلات، أو الأدب الجغرافي في العالم.

وفي الوقت الحاضر، لم يعد يهتم الرحالة بتدوين أدب الرحلات في الكتب والمؤلفات، ولا يوجد سوى قلة من الرحالة اليمنيين ينشرون رحلاتهم في مجلات وكتب، كالقاسمي الذي قدم  للمكتبة العربية خلاصة مغامراته في ستة مؤلفات، أبرزها: "رحلة الحدود والعودة إلى الجذور"، "أفريقيا في 240 يومًا"، "رحلة الآمال الطويلة"، "آسيا حلم لم يكتمل" والدبلوماسي الراحل عبدالوهاب العمراني، صاحب كتاب «رؤية يمنية في أدب الرحلات»، أما الغالبية فيفضلون النشر الإلكتروني، الذي يعد أوسع انتشارًا وأسهل وصولًا.

وساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تشجيع الشباب على خوض مغامرة الرحلات، ونقل تجربتهم بالصورة والفيديوهات القصيرة إلى الناس، وجعلتهم يتنافسون للحصول على أعداد كبيرة من المتابعين والمعجبين والمشاهدات لمقاطع الفيديو.

وفي اليمن، يحظى المحتوى الذي يقدمه قطيبي والرحالة العشريني حمادة العريقي على صفحاتهم بمواقع التواصل الاجتماعي بمتابعة آلاف الأشخاص، مما يحفزهم على الاستمرار وتحدي الصعوبات، إذ يؤكدان أنهما يشعران بالسعادة حينما يتفاعل معهما المتابعون من داخل اليمن وخارجه.

صعوبات وإهمال

يعاني غالبية الرحالة اليمنيين من صعوبات تحول دون استمرار رحلاتهم، أبرزها امتناع أو تأخر بعض الدول في إصدار تأشيراتهم، لا سيما منذ اندلاع الحرب الجارية في اليمن، علاوة على عدم وجود رعاية ودعم مالي من الجهات الحكومية اليمنية، بالمقارنة بما يحصل عليه الرحالة العرب والأجانب من حكوماتهم، وعدم تفاعل وسائل الإعلام اليمنية بتغطية رحلاتهم، بحسب ما يؤكده عدد من الرحالة لـ"منصة اليمن".

وعلى الرغم مما يقوم به الرحالة اليمنيون الشباب من التعريف باليمن وثقافاته وتاريخه، ونقل مأساته وحاجة أبنائه للسلام، إلا أنهم لم يتلقوا أي دعم حكومي أو مجتمعي، مما جعل البعض منهم يتجهون في الآونة الأخيرة إلى الإعلان عن بعض المنتجات التجارية في صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي لتغطية النفقات المالية لرحلاتهم.