"يا صباح الخير
ع المليح الزين
الطيور طاروا
أربعة واثنين".
بهذه الكلمات يبدأ الفلاح الستيني علي محمد يومه عند خروجه من منزله في الصباح الباكر إلى الحقل، وهو يمشي بنشاط خلف ثوره، والمحراث الخشبي على كتفه.
وفي طريقه إلى الحقل، تتردد أصداء مهاجل المزارعين والنساء في مناطق متفرقة بالوادي، فتتحول الأصوات المتناثرة في الجبال إلى ما يشبه الجوقة الشعبية المفتوحة، حيث يمتزج صوت الإنسان بأصوات الطبيعة والحيوانات.
ويبدو في تلك اللحظات كأن المكان يتحول الى معازف بشرية تستمع إليها الأرض، وتتفاعل مع إيقاعاتها، لتتشكل لوحة جمالية تعكس مدى التناغم بين الفلاح وبيئته.
يقول "علي محمد" لـ"منصة اليمن": "لا يذهب الرعوي إلى الأرض صامتًا، فالمهجل جزء من أدوات الزراعة، تمامًا كالمحراث والبذور".

تراث شفهي
المهاجل الريفية، ومفردها "مهجل"، هي واحدة من أبرز ألوان التراث الشعبي الشفهي في اليمن، التي ارتبطت بالحياة اليومية للإنسان، وخاصة في البيئات الريفية منذ قديم الزمن.
ولا توجد فترة زمنية محددة لنشأة المهاجل في المجتمع اليمني، حيث بقيت لقرون طويلة دون تدوين، وتم تناقلها من جيل إلى آخر بواسطة التواتر الشفهي، حتى أصبحت المهاجل جزءًا هاما من الهوية الثقافية.
وكما أن لكل منطقة يمنية مهاجلها الخاصة، تتنوع الأهازيج في موضوعاتها بين الحب والفخر والحكمة، إلا أن لها ارتباطًا خاصًا بالزراعة، لا سيما في المرتفعات الوسطى والشمالية.
وفي محافظة تعز، التي تعد من أكثر المحافظات تمسكًا بالمهاجل، وتشكل الزراعة فيها أبرز أعمدة الاقتصاد المحلي للمجتمعات الريفية، تميزت المهاجل الزراعية بتنوعها وفق مراحل العمل الزراعي "العلان"، ابتداءً من أعمال التجهيزات الأولية للأرض والتلام، وصولًا إلى مرحلة الصراب "الحصاد".
ويقسم الشاعر والأديب عبدالله البردوني المهاجل في كتاب "فن الأدب الشعبي في اليمن" إلى أهازيج علان وموسم الحصاد والرواح والأسفار والموسم الأخضر، ولكل موسم خصوصيته.
وعلى سبيل المثال يرى البردوني أن مهاجل الرواح تتنوع بين أهازيج عديدة منها رواح المسافر أو الحاطبات والرعاة، وجميعها تمتاز بالشجن والحنين إلى المنزل بعد جهد العمل، ورهبة الروابي والأودية، وتعبر عن البشرى بالنجاة وفرحة اللقاء بالأهل.
يقول المزارع والخبير بالمهاجل عبدالجليل سعيد لـ"منصة اليمن": لكل مرحلة زراعية إيقاعها الخاص، "فهناك مهاجل طويلة تُردد أثناء الأعمال الشاقة والبطيئة، وأخرى سريعة الإيقاع تُستخدم لتنظيم حركة العمال وتحفيزهم على بذل جهد أكبر".
ويضيف سعيد: مع بداية الموسم، ونزول أول قطرات المطر، يبدأ الفلاحون في ترديد مهاجل الفرح والدعاء والاستبشار بموسم خصب، ومن مهاجلها:
لك الحمد يا الله
وأنا حامد الله
يا ساحبة الخير
ظللي علينا
ظللي يوم الخير
يوم العبار والسيل"
تنوع المواضيع والإيقاعات
في الموسم الواحد لا يكون المهجل موحدًا طوال اليوم، الذي يبدأ قبل بزوغ الشمس، وعند خروج الفلاح من منزله، بترنيمات هادئة أشبه بالدعاء واستفتاح اليوم بالخير والبشارات، ثم تتغير إيقاعاتها نحو السرعة مع بدء العمل، وعند منتصف النهار تصدح الزوامل التي تخاطب السحاب والظل والمطر، فيما تميل في ساعات العصر إلى الهدوء.
ولا تقتصر الأهازيج الريفية على مواضيع محددة، وعلاوة على المواضيع السابقة، قد تحمل في طياتها الفكاهة والدعابة والتلميحات ووصف الزرع والثور.
وهذا ما يؤكده الباحث زيد صالح الفقيه في كتابه "مهاجل المرأة اليمنية في الريف"، حيث يرى أن المهاجل واحدة من أهم اللاماديات التراثية الثقافية الشعبية في اليمن، ووسيلة تقليدية للتنفيس عن النفس، والتعبير عن تأثير الحنين والحب والعتاب والشوق، ولها عدة أغراض، منها تحفيز المزارع في مواسم الزراعة.
ويرى الفقيه أن فنون المهاجل الشعبية هي أحد وسائل الإنسان اليمني الترفيهية في حله وترحاله، وفي الزراعة في الجبال والسهول والوديان، وفي مختلف أنماط حياته، ومنها الهجرة والاغتراب.
المهاجل والأغنية اليمنية
تعد المهاجل من أبرز اللبنات التي ساهمت في تشكيل وتطور الأغنية اليمنية إذ انتقلت كثير من أوزانها وايقاعاتها إلى الغناء الشعبي والشعر الحميني بالإضافة إلى طريقتها في الأداء الجماعي، واستخدام اللغة الدارجة والسهلة.
وبحسب عبد الله البردوني، المهاجل شكّلت أساس شعر العامية من حيث اللغة والإيقاع والنكهة الشعبية، ونبتت من الأرض والزروع والرياحين ونظمتها النزعة الإنسانية لتعيد صياغته من فوضى الرياح إلى قانونية الفن الغنائي.
ويؤكد أن المهاجل الريفية مفصولة عن المعارف الشعرية لأنها نتاج ناس أميين فطريين ينظمون ترانيهم ويرددونها، ولهذا قد تتفق مع بحور الشعر أو تنقص وتزيد، إلا أنها مفعمة بالايقاع الفطري وذات شاعرية زجلية منتزعة من خصوصية المكان.
ويتفق معه الدكتور عبد العزيز المقالح في كتابه "شعر العامية في اليمن" أن المهاجل تمثل شكلًا مكثفًا من التعبير الشعبي، إذ يحمل البيت الواحد معنى كاملًا ومباشرًا يعكس روح القرية اليمنية، وكثيرا من الأوزان والإيقاعات التي ظهرت في الأغنية اليمنية التقليدية تعود جذورها إلى الإنشاد الزراعي والشفهي القديم.
ويرى الدكتور المقالح أن الشعر العامي اليمني لم ينشأ منفصلًا عن الحياة اليومية، بل خرج من العمل الزراعي، والترحال، والغناء الجماعي في الريف.
ومع تطور الأغنية اليمنية، انتقلت بعض المهاجل من الحقول إلى المسارح والإذاعات، كما ظهرت في أعمال عدد من الفنانين اليمنيين، ومن أبرزهم أيوب طارش الذي استلهم جانبًا من روح الغناء الريفي اليمني في عدد من أعماله.
تراث مهدد بالنسيان
مثلت المهاجل صوت الإنسان اليمني الذي يستطيع من خلاله أن يعبر عما يجول بخاطره بأسلوب بليغ يوصل المعنى في سياق تراثي شعبي يمتزج بالعادات والمعتقدات، ويعتمد على إعادة صياغة التراث بطرق فنية، ونقله من جيل إلى جيل بطابع فلكلوري وهوية ثقافية.
ولم تكن المهاجل مجرد لون غنائي قديم، بل سجل حي للذاكرة الشعبية، ومرآة لحياة الإنسان عبر مئات السنين، وصوت ظل يرافق الفلاح من أول عملية شق للمحراث في الأرض حتى آخر سنبلة تُحصد في نهاية الموسم.
وعلى الرغم من القيمة التراثية الكبيرة للمهاجل، فإن حضورها اليوم يشهد تراجعًا واضحًا بسبب تغير أساليب الحياة، وتراجع الاعتماد على الزراعة التقليدية، وانتشار الآلات الحديثة، إضافة إلى هجرة أبناء الريف نحو المدن والاغتراب.
خاتمة يوم
مع انقضاء اليوم الطويل، وبعد ساعات من العمل الشاق تحت الشمس، يعود علي محمد مساءً وهو يحمل محراثه الخشبي، ورائحة تراب الأرض تفوح من ملابسه، مرددًا بصوت متعب:
"والله ما أروح لو يقولوا ليل
ليكون سحرة بعد نص الليل
ليلبوا روح ليلبوا وا ليل".

