تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

المحافظ الإلكترونية.. بوابات مالية تكشف بيانات النساء

"تفاجأتُ بصاحب المتجر يراسلني بعبارات مزعجة، بعد أن أخذ رقمي الشخصي وبياناتي من إشعار عملية تحويل عبر إحدى المحافظ المالية". بهذه العبارة عبّرت "حياة" (44 عاماً) ـمديرة مدرسةـ عن انزعاجها من تسرب بياناتها بمجرد استخدام التطبيق.

تقول حياة: "حصلت المضايقات إثر عملية دفع روتينية عبر تطبيق "جوالي" في أحد متاجر مستحضرات التجميل، ولم أكن أعرف أن تسديد فاتورتي سيجعل رقمي واسمي متاحين لمالك المتجر الذي تواصل معي لاحقاً عبر "واتساب"."

ولا يقتصر انكشاف بيانات المستخدمين على الشاشات الرقمية، فـ"آيات" (ربة بيت) اتخذت قراراً بمقاطعة الدفع الإلكتروني عبر إحدى المحافظ، بعد أن تفاجأت باسمها ورقم هاتفها مطبوعين بوضوح على فاتورة عشاء في أحد المطاعم.

يشهد قطاع المحافظ الإلكترونية طفرة غير مسبوقة، نظراً لدوره في تجاوز مشكلة العملة المهترئة، إلا أن فقدان الخصوصية تسبب بتسرب بيانات النساء

اختبار عملي

لتحويل مسألة "الخصوصية" من مجرد شهادات فردية للقصص التي وردت في التقرير إلى نتائج موثقة، أجرت معدة التقرير اختباراً عملياً شاركت فيه عدد من النساء المستخدمات للمحافظ المالية.

يقوم الاختبار على تحويل النساء مبالغ مالية "شراءً عبر نقاط بيع" لعينة من التطبيقات شملت محفظتي "جيب" و"جوالي"، و"الكريمي جوال" و"فلوسك".

وكشفت النتائج ظهور اسم المُرسلة مقترناً برقم هاتفها على شاشة التاجر بمجرد وصول الإشعار عبر محفظة "جوالي"، علاوة على ظهور البيانات كاملة للشخص والمعاملة على الإشعار الورقي.

فيما تعاملت محفظتا "جيب" و"فلوسك" بخصوصية أعلى مع المستخدمين، حيث تختفي الأسماء والأرقام، ويظهر الرقم البديل فقط، مما يثبت تقنياً أن تصميم بعض هذه المحافظ يعتبر بيانات العميل جزءاً من الإشعار المالي الروتيني المتاح للطرف المستلم، وليس بيانات سرية محمية.

ومع هذا التفاوت التقني، تشدد الفنانة التشكيلية سبأ القوسي على أن الخصوصية ليست ميزة إضافية، بل حق أساسي لا ينبغي التفاوض عليه.

وتنتقد القوسي تسريب بيانات النساء عبر التحويلات أو آلية التحقق التي تفرض على النساء الإفصاح عن أسمائهن بصوت مسموع، موضحة أن كثيراً من النساء اضطررن إلى استخدام محافظ بأسماء أقاربهن هرباً من الانكشاف، مما جعل الخدمة بمثابة قيد، وليس تمكيناً أو تسهيلاً.

يشهد قطاع المحافظ الإلكترونية طفرة غير مسبوقة كعصب رئيسي لتسيير الحياة اليومية والمساهمة في تجاوز مشكلة العملة المهترئة


أرقام وتباينات

يشهد قطاع المحافظ الإلكترونية طفرة غير مسبوقة كعصب رئيسي لتسيير الحياة اليومية والمساهمة في تجاوز مشكلة العملة المهترئة، إلا أن فقدان الخصوصية جعل كثيراً من النساء لا يستفدن من الخدمات، كالصحفية "جوهرة عبدالله" التي عزفت تماماً عن استخدام المحافظ الإلكترونية، خشية على خصوصيتها وبسبب شروط التسجيل التي تشترط صورة شخصية، حد قولها.

وتؤكد جوهرة في حديثها لـ"منصة اليمن" أنها تفضل التعامل المالي التقليدي بالأوراق النقدية، رغم مشقته، بحثاً عن الأمان.

وبحسب تقرير لـ"مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي" (2023)، يتنافس في السوق اليمني أكثر من 15 محفظة إلكترونية استقطبت أكثر من 4 ملايين حساب.

وعلى الرغم من النسبة الكبيرة التي تمثلها النساء من بين مستخدمي المحافظ، تغيب سياسة الخصوصية عن كثير منها، فيما تلتقي محافظ كـ"جيب" و"كاش" و"فلوسك" في إتاحة خيار "الرقم البديل" لإخفاء الهوية، وانفردت "موبايل موني" بتطبيق معايير (GSMA) الدولية لإخفاء الاسم والرقم كلياً.

على الرغم من النسبة الكبيرة التي تمثلها النساء من بين مستخدمي المحافظ، تغيب سياسة الخصوصية عن كثير منها


عيوب تقنية

تُشخّص الناشطة في الأمن الرقمي، نور خالد، المشكلة بأنها تكمن "في التصميم وضعف الاهتمام بالخصوصية، وليس في انعدام التكنولوجيا"، موضحة أن بإمكان الشركات حجب البيانات جزئياً، مثل إخفاء جزء من رقم الهاتف، أو استخدام التذاكر المؤقتة ورموز (QR Code).

وتقول خالد لـ"منصة اليمن": "الشركة قد تحتاج البيانات للتحقق من هوية العميل، لكن هذا لا يعني أن الوكيل يحتاج إلى رؤيتها كاملة في كل عملية سحب أو إيداع.

وتضيف: إذا كان أي موظف أو وكيل يستطيع البحث عن رقم أو اسم شخص دون وجود حاجة مرتبطة بمعاملة معينة، فهناك مشكلة في حماية الخصوصية، حتى لو كانت خوادم الشركة تستخدم تقنيات تشفير قوية."

وترى خالد أنه إذا تسربت قاعدة بيانات المستخدم ومعلوماته المالية، تصبح قيمتها كبيرة للمحتالين، وتساعدهم في عمليات انتحال الشخصيات والاحتيال، أو ابتزاز بعض الأشخاص.

قانونياً، توضح المحامية أمل الصبري لـ"منصة اليمن" أن بيانات المشتركين تُعد "أمانة"، ويُجرّم تسريبها وفقاً للمادة (256) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني لعام 1994، والتي تُعاقب كل من يُفشي سراً استُودع به بحكم وظيفته.

وعن شروط إخلاء المسؤولية التي تضعها بعض الشركات، تؤكد "الصبري" بطلانها استناداً إلى المادة (211) من القانون المدني، باعتبار أن الشركة تتحمل المسؤولية المدنية والتضامنية كاملة، وتُلزمها لوائح البنك المركزي بإحكام الرقابة التقنية على وكلائها.

مبررات ووعود

في رد المحافظ الإلكترونية على التساؤلات المتعلقة بالخصوصية، أوضحت إدارة "جوالي" أن ظهور اسم العميل وبياناته يأتي كـ"إجراءات تحقق لازمة لضمان وصول الأموال للمستفيد الصحيح وحماية المعاملة".

وأكدت أنها تضع مطالب إخفاء الاسم أو توفير رقم بديل ضمن اعتباراتها التقنية لتطوير خدماتها مستقبلاً، داعية العملاء إلى الإبلاغ عن أي شكاوى عبر قنواتها الرسمية.

من جهتها، تشير إدارة محفظة «جيب» أن خيارات الخصوصية صُممت خصيصاً لتناسب احتياجات المستخدم، وليست مجرد إجراء تقني روتيني، مشيرة إلى وجود ضوابط تشغيلية ورقابية صارمة تمنع إلزام العميل بالإفصاح غير الضروري عن بياناته لدى نقاط البيع.

وديعة مصرفية أم أرقام حبيسة؟

في ظل التداخل بين التقنية والمال، لا تقتصر المشاكل على انتهاك الخصوصية فحسب، وتمتد إلى الخلط بين "الوديعة المصرفية" المضمونة و"المحفظة الرقمية" التي قد تصبح مجرد أرقام حبيسة إذا تعطل التطبيق.

ولهذا، ينفي وكيل البنك المركزي بصنعاء لقطاع الرقابة على البنوك، عبدالملك الشراعي، أن تكون أرصدة المحافظ الإلكترونية "حسابات مصرفية" تخضع لضمانات البنك المباشرة.

ويؤكد الشراعي لـ"منصة اليمن" أن الشركات المُصدرة للمحافظ تتحمل المسؤولية المطلقة عن تشغيل الخدمة وحماية الأموال وفقاً لشروط التعاقد، ويقتصر دور البنك على التنظيم والإشراف فقط.

ويتفق معه وكيل قطاع العمليات المصرفية علي الشماحي بالبنك المركزي بصنعاء، ووكيل قطاع الرقابة بالبنك المركزي بعدن منصور راجح، اللذان شددا على مسؤولية العميل في قراءة شروط الخدمة، محذرين من إيداع الأموال في كيانات غير معتمدة.

وبينما تتسارع خطوات الشمول المالي الرقمي في اليمن، تبرز إشكالية الخصوصية كهاجس يؤرق المستخدمات، وهو ما يجعل المذيعة "بثينة الجندبي"، التي تعتمد بشكل يومي على المحافظ لتوفير الوقت، تعيش حالة من "عدم الارتياح" لتعامل المحافظ مع البيانات، أو عندما تضطر للإفصاح عن بياناتها بصوت مسموع لدى الوكلاء، مما يجعلها تلجأ أحياناً إلى الاستعانة بأحد أفراد أسرتها لإتمام معاملاتها.